معاقبة المفطرين بتهمة "الإخلال بالآداب العامة"

وعندما سُئل وزير الداخلية لطفي براهم، الذي شهدت عُهدته انتهاكات غير مسبوقة للحقوق الفردية والعامة، من طرف النواب عن خلفية هذه الاجراءات التي تضيّق على المواطنين، ردّ الوزير بالقول إنّ "السماح بفتح مقاهي نهار رمضان يمكن أن يمثل وسيلة لبعض الجماعات المتطرفة للتحريض على الدولة ولارتكاب أعمال إرهابية، خاصة أن شهر رمضان يعرف ارتفاعًا لوتيرة التهديدات الإرهابية من مختلف التنظيمات التكفيرية".

تونسي يجاهر بالتدخين في العاصمة تونس. الصورة: إسماعيل دبارة
صار جدل "المجاهرة بالإفطار" في نهار رمضان المقدس لدى المسلمين لا يغيب عن تونس منذ انتفاضة 17 ديسمبر، التي أطاحت بديكتاتورية بن علي. ويكشف سجال من هذا النوع عن الدروب الطويلة التي على التونسيين قطعها قبل ايجاد تناسب وتناغم بين الحريات الفردية التي اقرها الدستور الجديد، وبين ما يقتضيه الفضاء العام في بلد مازالت للقوى المحافظة يد طولى فيه سياسياً واجتماعيا.

وأشار براهم إلى أن وزارته "تسعى إلى الموازنة بين مهامها المتعلقة بحفظ الأمن العام، وواجبها في حماية حرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، بما يكفل احترام المشاعر الدينية للمواطنين المؤدين لفريضة الصيام من جهة، ويراعي حق غيرهم في ممارسة حرياتهم الفردية المكفولة بالقانون من جهة أخرى."

وخلّف الوزير سجالات اضافية عندما قال في جلسة استماع أمام البرلمان إن على الاقلية (المفطرون) احترام الاغلبية في تونس (اي الصائمين). ما دفع كثيرين الى اتهام الوزير بـ"تقسيم التونسيين" و"مغازلة حركة النهضة الاسلامية لأن لديه طموحات سياسية في أفق العام 2019.

يكشف هذا السجال حقيقة أنّ الدستور التونسي الذي كُتب في إطار "توافق سياسي" لا يعكس بالضرورة "توافقا مجتمعيا"، أي أن النص يكفل حرية الضمير في فصله السادس، ولكنه كفلها ضمن صياغة لغوية مفتوحة على تناقضات كثيرة قابلة للتأويل. إذ ألزم معدّو الدستور الدولة بحماية حقوق كثيرة، لكنهم ربطوها بأمور تناقضها على أرض الواقع، من قبيل: ضمان "حرية المعتقد" من جهة، والعمل على "حماية المقدسات" و"منع النيل منها" من جهة ثانية، وهو ما يبدو افراغا لذلك الحق من محتواه ومن معانيه، خاصة وأنّ قراءات كثيرة قد ترى مثلا في تغيير الدين أو عدم التدين اصلا "نيلا من المقدسات"، وهو ما يستوجب العقاب!

يبدو الدستور التونسي خاصة في الفصول المتعلقة بالحريات العامة والخاصة، وفي كل ما يقترب من الفضاء الديني، نتاجا لتوافق بين طرفين قويين (اسلاميون وعلمانيون) حاول كل منهما تضمين ما يؤشّر الى خلفيته الفكرية والفلسفية بشكل قسري في فصول الدستور، وهذا خطأ جسيم، فالدساتير هي تعبير عن وعي وثقافة المجتمع وتطلعاته في لحظة تاريخية ما، كما هي بلا تحسينات وكلام بديعٍ أو توافقات وتلفيق. فالتوافقات المجتمعية إن كانت موجودة على الأرض فعلا، فلن يجد المشرّعون صعوبة في تدوينها، أما إن كانت التوافقات شبه غائبة على الأرض كما هول الحال في الفضاء العربي المُسلم، فمن المستحيل تجسير الهوة بين الآراء المختلفة باسقاط فصل دستوري يبقى حبرا على ورق أو يُنسف بقوانين يفترض أنها سُنّت لتكريس فصول الدستور لا لمخالفته.

ولكل هذا، سيجد التونسيون أنفسهم في كل مرة أمام سجالات مشابهة، ربما تقتضيها المرحلة كخطوة أولى في مخاض فكري وسياسي ومجتمعي مستمرّ، قد يؤدي يوما ما إلى الحسم الجذري في الرهانات العميقة التي تطرحها قضية الحرية.

 

إسماعيل دبارة

إسماعيل دبارة صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة.

حقوق النشر: قنطرة 2018

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.