رواية "العودة" للكاتب الليبي هشام مطر

رواية حين يقرأها الغربي فسيرى ليبيا بعين أخرى

في روايته "العودة" -المترجمة أيضاً إلى الألمانية- يواجه الكاتب الليبي هشام مطر -المولود في نيويورك عام 1970 والمترعرع في العاصمة الليبية طرابلس- أشباح ماضيه: اختفاء والده وتاريخ بلده المصادر وانتكاسة الحلم بليبيا جديدة. الناقدة الأدبية كلاوديا كراماتشيك تقدم لقراء موقع قنطرة العرض التالي للرواية، ولرحلة في الماضي يصبح فيها الخاصُّ عامّاً والعامُّ خاصّاً، وتنتصر فيها القوة الكامنة في أعماق المحكوم عليهم بالهزيمة.

"في أحد صباحات شهر مارس/آذار من عام 2012 جلست وأمي وزوجتي ديانا على مقاعد مثبتة على أرضية سيراميكية في أحد قاعات مطار القاهرة. جاء صوت من أحد المكبرات: ستقلع الرحلة رقم 835 في موعدها إلى بنغازي".

هكذا يفتتح الكاتب الليبي، هشام مطر، روايته الجديدة "العودة". الرواية هي أكثر أعماله -حتى تاريخه- تعبيراً عن حياته الشخصية. وهي كذلك ومن أجل ذلك أفضل أعماله. مثل كل رواياته تدور "العودة" حول الفراغ المؤلم، الذي يشكل -في آن معاً- مصدر إلهامه وعبئاً على روحه: فقد فرّ هشام وعائلته، وهو ابن ثماني سنوات، من وطنه ليبيا. في عام 1990 اختُطف والده، الدبلوماسي الذي عارض نظام القذافي، من منفاه في مصر وأودع سجن أبو سليم في طرابلس. وبحسب التقارير فإن سجن أبو سليم هو المكان، الذي كان القذافي يرسل إليه كل من يريد أن يدخله في طي النسيان.

أصبح البحث عن مصير والده هاجساً يتملكه بقية حياته. كان عمر هشام عند اختطاف والده تسعة عشر ربيعاً. جاب هشام العالم لأجل تلك الغاية ومشى على دروب لم تقده إلى نتيجة وربى آمالاً تبين زيفها لاحقاً. تلك هي الثيمة الأساسية في أعمال هشام، وحول هذه الثيمة تدور "العودة" أيضاً. 

الغلاف الألماني لرواية "العودة" للكاتب الليبي هشام مطر. Literaturverlag
الغلاف الألماني لرواية "العودة" للكاتب الليبي هشام مطر" ترى كلاوديا كراماتشيك أن من الآن بإمكاننا الجزم بأن رواية "العودة" لهشام مطر ستغدو من كلاسيكيات الأدب؛ فهي تغوص بعمق في ثيمات الآباء والأبناء، والوطن والمنفى، وليبيا والأحلام المتكسرة بالربيع العربي. باختصار، إنها انتصار الأدب على الألم والقوة في أعماق أولئك المحكوم عليهم بالهزيمة.

بحثاً عن الأب

في عام 2012 كانت رياح الربيع العربي قد وصلت ليبيا منذ أكثر من عام؛ فقد سقطت طرابلس بيد الثوار في آب/أغسطس 2011، ومات القذافي بعدها. بالنسبة لهشام كان يعني ذلك بداية رحلة كان يتوق لها منذ 33 سنةً، ولكن وفي نفس الوقت كان هشام يخشى تلك الرحلة. يزور هشام ليبيا ليقف أخيراً على حقيقة مصير والده: أما يزال على قيد الحياة أو قضى نحبه. وفي الحالة الأخيرة ليتبين تاريخ وظروف موته.

رواية "العودة" هي دفتر يوميات تلك الرحلة، وفي نفس الوقت هي أكثر من ذلك بكثير. الرواية مكتوبة بجمال وأناقة، كما أنها تأخذ القارئ في رحلة بين العديد من الأزمنة وإلى اتجاهات مكانية مختلفة. يربط هشام بين تلك الأمكنة والأزمنة بمهارة فذة.

بدأت القصة باستيلاء القذافي على السلطة عام 1969. وبإمساك القذافي بزمام الحكم تحدد مصير العائلة؛ ففيما بعد تحول والد هشام إلى واحد من أخطر معارضي القذافي، مع أنه في البداية وكالكثيرين من جيله رحبوا بالحكم كبشارة ببزوغ فجر جديد.

تكشف الطريقة الحاذقة لربط هشام شخصية والده بالتاريخ السياسي لبلده الكثير من الرؤى العميقة. على سبيل المثال يصف هشام عقد السبعينيات من القرن العشرين، حيث كان يتلقى وشقيقه زياد دروساً لتعلم البيانو ويرتادون المسابح. كانت تلك وسيلة لحمايتهم من عسف رجالات النظام.

كما تفتح قصة حياة جده نافذة على فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا، والتي تسببت بنزف اقتصادي وروحي للبلد. من يقرأ تلك المقاطع من الرواية سيرى ليبيا، التي غالباً ما يعتبرها الغرب ومنذ مدة طويلة دولة فاشلة، بعيون أخرى.

ليبيا في 2012- بلد على حافة الهاوية

فشل الربيع العربي، وكانت أكثر محطاته فشلاً هي ليبيا. عندما عاد هشام إلى ليبيا عام 2012 بدا أن مستقبلاً أفضل في متناول اليد، إلا أن الحرب الأهلية بدت آنذاك تلوح بالأفق. "لم يصدف أن كنت في مكان تساوى فيه الأمل والخوف مثلما كنته في ليبيا في عام 2012. بدا كل شيء ممكناً. وتحدث كل من التقيت به، وبنفس الروح والنبرة، عن تفاؤلهم وعن تخوفهم من نذر شؤم".

وهذا ما حدث على أرض الواقع؛ إذ سرعان ما سيطرت الميلشيات المسلحة على تفاصيل الحياة اليومية في البلد. ويتابع هشام وببصيرة ثاقبة القول: لُوقي الضوء الجديد بالترحاب، غير أنه سرعان ما أغلقت الأبواب دونه وأصبح غير مرغوب فيه، كأي شيء آخر يأتي من الخارج.

طرأت تغيرات كبيرة على البلد منذ غادره هشام. حتى جدران المباني طالتها يد التغير؛ حيث أن صور من يدعون بالشهداء تكسوها اليوم. انضم أحد أبناء عمه إلى المقاومة ضد القذافي وسقط صريعاً. كما التحق أحد أبناء عمه بالمقاومة السورية ضد بشار الأسد. وبتأثير الأحداث تحول أحد أبناء عمه الآخرين من مدع عام بلا دافع للحياة إلى مدافع عن حقوق الإنسان.

لقاءات في أمواج متلاطمة

 يسجل هشام مطر، وبعواطف جياشة، لقاءه مع أصدقاء والده وأفراد أسرته، الذين لم يخرجوا للمنفى مثله بل دخلوا للمعتقلات، ومنهم من قضى عقوداً من عمره في نفس الجناح من المعتقل.

في الكثير من مقاطع الرواية السابرة للأغوار، يفلح هشام في تحقيق توازن بين التعبير عن مشاعره الحميمة وأخذ المسافة الضرورية للتفكير والتأمل، إنها لقاءات فوق أمواج متلاطمة: "رغبوا بأن يرووا لي عن حياتهم الطويلة في المعتقل، ورغبت في أن أوضح لهم أني فكرت فيهم كثيراً...كما كانوا متشوقين لإخباري أن ولاءهم لوالدي لم يتزحزح، ومن جانبي أردتهم أن يعلموا أنني لم أنسَهم وعملت كل ما كان بوسعي فعله".

سجن أبو سليم قُرب طرابلس الغرب في أغسطس/ آب 2011.  Foto: AP
موطن الرعب: عثر المحققون التابعون "للمجلس الوطني الانتقالي" في ليبيا في 2011 في العاصمة طرابلس على بقايا 1200 جثة تعود للعام 1996. تعود بقايا الجثث لمعتقلين في سجن "أبو سليم" التابع لأمن الدولة الليبي. سحقت عصابات القذافي أولئك المساجين في عام 1996. وجاءت المجزرة الرهيبة عقوبة من القذافي على تمرد المعتقلين، والذي كان بدوره رداً على ظروف الاعتقال المزرية. وقد صدرت أوامر ارتكاب حمام الدم ذلك من رئيس المخابرات الليبية عبدالله السنوسي.

كان من بين من التقى بهم عمه محمود، أصغر أخوة والده سناً. من فم عمه سمع أنه من المرجح أن يكون والده قد قضى نحبه في مجزرة سجن أبو سليم عام 1996. وقد قام النظام بالتغطية على تلك المجزرة البشعة حتى عام 2011. ويقول مطر إن تلك المجزرة كانت بداية حركة مقاومة بطيئة الخطى ضد القذافي.

انتصار الأدب

تكتمل، على الأقل، في هذه الرواية الدائرة. تُفتح بعض الأبواب، فيما يبقى بعضها الآخر مغلقاً. على سبيل المثال، يعرف هشام -وللمرة الأولى- أن والده كانت لديه طموحات أدبية.

عندما يروي له عمه أحداث مجزرة سجن أبو سليم، يجد نفسه يفكر في كلمات تليماخوس، ابن أوديسيوس وبينيلوبي الوحيد وإحدى الشخصيات المحورية في ملحمة الأوديسة: "إنها رغبة الابن بأن يعلم أن والده قد يقضي بقية حياته بأمن وكرامة في بيته، ولكنها أيضاً رغبة الابن بأن يترك الأب في البيت ويرحل بعيداً ليكتشف العالم. طالما أن أوديسيوس مفقود فلا يستطيع تليماخوس مغادرة بيته، وطالما أن أوديسيوس ليس موجوداً في البيت، فهو موجود في كل مكان وفي اللامكان".

نجح الكاتب هشام مطر في توصيف الألم بكل دقة وبلا أي استثناءات أو تحفظات. وتعطي هذه المقدرة الهائلة على التوصيف دلالة على الجودة العالية لهذا الكتاب المثير. من الآن يمكننا الجزم بأن الرواية ستغدو من كلاسيكيات الأدب؛ فهي تغوص بعمق في ثيمات الآباء والأبناء، والوطن والمنفى، وليبيا والأحلام المتكسرة بالربيع العربي. باختصار، إنها انتصار الأدب على الألم والقوة في أعماق أولئك المحكوم عليهم بالهزيمة.

 

كلاوديا كراماتشيك

الترجمة من الألمانية: خالد سلامة

حقوق النشر: قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

 رواية  "العودة" لهشام مطر. ترجمة فيرنر لوشر لورنس إلى الألمانية. دار لوشتر هاند للآداب. تقع الرواية في 288 صفحة. الرقم الدولي المعياري للكتاب الألماني:

3641194407

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.