هذا يعني أنَّ الدين هو في الحقيقة مجرَّد وسيلة من أجل إعطاء هذه الأزمة معنى؟

حمزة المؤدّب: تمامًا، ففي العادة التطرُّف ليس نتيجة الالتزام الطويل بالدين. فالبعض يقعون في التطرّف العنيف خلال بضعة أشهر. ولا توجد لديهم معرفة كافية بالدين، يمكن أن تُفسِّر كيف يمكنهم أن يصلوا إلى مثل هذه الممارسة الدينية العنيفة. وكثيرًا ما يكون هناك أشخاص من صغار المجرمين، الذين ينزلقون، وبالنسبة لهم لا يكون الجهاد إلاَّ مجرَّد محاولة لإيجاد مخرج مشرِّف من حياة الإجرام. وهذا يتحوَّل إلى شبه مسار كلاسيكي، ولهذا السبب من المهم للغاية أن نفهم أزمة الشباب التونسي.

ثمانون في المائة من المحكومين في تونس بسبب جرائم إرهابية تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر عامًا وأربعة وثلاثين عامًا. وجيل الشباب لم يعد أمامه أفق  للرقي الاجتماعي مثل آبائهم. ودولة بن علي الديكتاتورية كانت دولة بوليسية، لم يكن فيها أي شيء لملء الفراغ الروحي. وهكذا فقد تمكَّنت العقيدة الجهادية من الانتشار بسهولة. وبالتالي فنحن نتعامل مع تفسير في غاية العنف للإسلام، لا يتم تقديره على ما هو عليه، بل على ما يَسمح به للناس، لأنَّه يُضفي على العنف طابع الشرعية ويجعل حالة ضحاياه ذات قدسية.

سلفيون من جماعة "أنصار الشريعة" يتظاهرون في تونس عام 2013. Foto: Taieb Kadri
فقدان الدولة سيطرتها بعد الربيع العربي: منذ الثورة في ربيع عام 2011 وإسقاط الدكتاتور زين العابدين بن علي الذي حكم تونس فترة طويلة، تشهد تونس ازدهارًا في الإسلام السياسي. وقد ساعد على ذلك الفوضى بعد الثورة والاضطرابات الاقتصاديية والاجتماعية. وفي هجمات إسلاموية قتل منذ ذلك الحين مئات من الجنود ورجال الشرطة، بالإضافة إلى نحو عشرين مدنيًا تونسيًا وتسعة وخمسين سائحًا أجنبيًا.

إذا أعلنت الحكومة التونسية الآن عن أنَّها ستعمل بكلِّ قوة ضدَّ العائدين وتُهدِّدهم بالسجن فترات طويلة، فهل ستكرِّر بذلك أخطاء الماضي؟

حمزة المؤدّب: هذه هي بالذات مشكلة تونس. وهنا يتكوَّن لدى المرء انطباعٌ بأنَّ الحكَّام في تونس لم يتعلَّموا أي شيء. السجن لا يمكن أن يكون سوى جزء من حلّ شامل. أمَّا مَنْ ارتكب جريمة وشارك في أعمال العنف، فيجب أن تتم إدانته بطبيعة الحال. ولكن يجب ألاَّ يكون هذا كلَّ شيء. لقد حان الوقت ليفهم الحكَّام أنَّ الشباب بحاجة لقرارات: خطة مناسبة لخلق فرص العمل وآفاق مستقبلية وإصلاحات ومراكز شبابية وثقافية مناسبة. 

وبالإضافة إلى ذلك توجد حاجة ماسة إلى إجراء إصلاحات في المجال الديني. فالكثيرون من الأئمة التونسيون تتجاوز أعمارهم ستين عامًا. بالتالي هم بعيدون عن مشاغل وواقع الشباب وفقط عشرة في المائة منهم لديهم شهادات جامعية دينية ويمكنهم إنتاج خطاب بديل وقادر على مواجهة  خطاب التطرُّف.

إذًا كيف يمكن أن يبدو شكل التعامل السليم مع العائدين إلى تونس؟

حمزة المؤدّب: يوجد أشخاص ارتكبوا جرائم أو كانوا يشغلون مناصب في الجماعات المتطرِّفة. وهؤلاء الأشخاص يجب تحديدهم وتقديمهم إلى العدالة. وفي حالة الأشخاص الذين يتم ترحيلهم من أوروبا، يجب تحسين التعاون القضائي. كيف يقع التعامل مع المتطرّفين داخل السجون؟ ماذا نفعل مع حاملي الجنسية المزدوجة؟ وإلى أين يتم ترحيلهم؟  كلّ هذه التساؤلات يجب مناقشتها.

كيف تفسِّر النقاش الحاد الدائر حاليًا في تونس حول موضوع العائدين؟

حمزة المؤدّب: لا يوجد توافق في الآراء على كيفية التعامل مع هذه المشكلة. وعندما يدور الحديث حول دور الإسلام السياسي، يحدث إستقطاب داخل المجتمع. وعلاوة على ذلك فإنَّ النقاش يُركِّز دائمًا على الجوانب الأمنية. يقال إن العائدين هم مجرمون وإرهابيون، ولذلك فمن الأفضل أن يبقوا بعيدين، وهكذا يختار المرء حلاً مريحًا. 

يوسف الشاهد رئيس الوزراء التونسي. Foto: picture-alliance/dpa
التهرُّب من المسؤولية السياسية: "من غير الطبيعي أن يرفض رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد عودة الجهاديين. لكن لا يمكن منع الجهاديين من العودة إلى بلادهم. فالدستور والاتِّفاقيات الدولية تحظر عملية سحب الجنسية. يجب على السياسيين التونسيين أن يتوقَّفوا أخيرًا عن شعبويَّتهم وديماغوجيَّتهم"، مثلما يقول حمزة المؤدّب.

غير أنَّ مثل هذه المشكلة العالمية المعقَّدة تحتاج حلاً دوليًا. لا يمكن ببساطة القبول بعودة صغار المجرمين من دون مراقبتهم والتفكير في آليات لإدماجهم. فإمَّا أنَّهم سيخلقون هنا المشاكل أو سيحاولون العودة إلى أوروبا. يجب على المرء إيجاد حلول عالمية للمشاكل العالمية وتعزيز التعاون بين الدول. وإلاَّ فستكون لدينا قريبًا قنابل بشرية موقوتة، ستنفجر إمَّا هنا أو في مكان آخر.

لا يمكن منع الجهاديين من العودة إلى بلادهم. فالدستور والاتِّفاقيات الدولية تحظر عملية سحب الجنسية. يجب على السياسيين التونسيين أن يتوقَّفوا أخيرًا عن شعبويَّتهم وديماغوجيَّتهم وأن يتحمَّلوا المسؤولية.

هل يوجد لديك انطباعٌ بأنَّ هناك أصواتًا مثل صوتك لا تزال مسموعة في هذا النقاش الحاد؟

حمزة المؤدّب: للأسف، لا. فالنقاش مُسْتَقطب إلى حدّ يحول دون ذلك. ومنذ بداية الثورة أصبح لدينا رئيس وزراء سابع، ومتوسط ​​عمر أية حكومة أقل من سنة واحدة. ومشكلة التطرّف العنيف لن تتم تسويتها، من خلال ترك المجتمع لشياطينه. إنَّ مَنْ يحكم الآن في تونس يقوم فقط بإدارة الوضع الراهن. و لا يقوم بإيجاد حلول أو على الأقلّ خلق حوار مجتمعي لإيجاد توافقات وحلول وبالتّالي يبقى الوضع هشًا، لأنَّنا ندور دائمًا في نفس الدائرة.

 

 

حاورته: سارة ميرش

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

الخبير السياسي التونسي حمزة المؤدّب هو زميل باحث في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.