آدم طفل صغير كان يعاني من مشاكل قلبية وتشوه منذ ولاته في الحوض والقدم والركبة وكان وضعه يتجه نحو الأسوأ في سوريا ومشافي لبنان حتى حصل والده على لجوء إنساني عبر الأمم المتحدة إلى ألمانيا. الصورة: منصور حسنو
والد آدم يقول: إنّ الرعاية والاهتمام التي يحظى بها (ابني) لم تكن لتكون لولا أنّه كان هنا (في ألمانيا).
ذوو الإعاقات في الثقافة الشرقية والإسلامية - نظرة تاريخية
 
لم يكن وضع المعاقين عند العرب جيداً فمن المؤكد أنّ المجتمع الذي يدفن الأنثى أو يخاف من العار أن يكون سعيد الحظ بوجود معاقين في أرضه ولا يستطيعون حمل السلاح وكان المجانيين يرمون بالحجارة حتى يخرجوا من المدينة ولا تزال بقية من هذه العادة الفظيعة في مجتمعاتنا على ندرتها وقباحتها حتى اليوم.
 
ولا شك أنّ الإسلام اهتم بالمعاقين وحثت النصوص الدينية والنبوية على المعاملة الحسنى بهم. فالخليفة عمر بن عبد العزيز قد حث علي إحصاء عدد المعاقين في الدولة الإسلامية ليخصص لهم رواتب من بيت المال. ووضع الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي تشريعا يقضي بأن بيت مال المسلمين مسؤول عن النفقة على ذوي الإعاقة.
 
أما الخليفة الوليد بن عبد الملك فقد بنى أول مستشفى للمجذومين. وحتى أنّ هناك نصا دينيا يعاتب النبي عندما انصرف عن أحد ذوي الاحتياجات الخاصة واهتم بزعيم من زعماء قريش (عبس وتولى أن جاءه الأعمى)، وهو ما ترك أثراً في نفسية النبي محمد ليجعل أحد هؤلاء المعاقين بصريا والياً على المدينة في يوم ما.
 
ولكن المتأمل بموضوعية وإنصاف لحال الثقافة الشرقية مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة يدرك أنّ المحرك لهذه العلاقة -بين المجتمع والدولة من جهة وبين المعاقين من جهة ثانية- هو محرك الشفقة وأخلاق الرأفة وليس أخلاق الواجب بالمفهوم الحديث والفلسفي. ولا يزال المسلم يرى في ذوي الإعاقة فرصة لكسب الأجر والدعاء وطلب البركة.
 
آدم طفل صغير كان يعاني من مشاكل قلبية وتشوه منذ ولاته في الحوض والقدم والركبة وكان وضعه يتجه نحو الأسوأ في سوريا ومشافي لبنان حتى حصل والده على لجوء إنساني عبر الأمم المتحدة إلى ألمانيا. الصورة: منصور حسنو
آدم يقوم برياضة بهلوانية بعد تحسن حالته الصحية: يقول والد آدم إنّ المشرفين على آدم يحاولون القيام بكل شيء يساعد آدم على تحسين حياته اليومية.
أخلاق الدولة في المشرق العربي أثرت في نظرة الناس والمجتمع إلى ذوي الإعاقات، فعلى سبيل المثال تنظر الدولة المشرقية إلى المعاقين بصرياً أو العميان على أنهم دراويش، وهو ما أدى لانصراف هذه الشريحة إلى المساجد وحلقات ذكر القرآن فقط.
 
 وإذا ما نبغ أحد هؤلاء وانصرف للدراسات الأدبية والفلسفية فلا يمانع المجتمع عندها من توجيه النقد له ونعته بالعماء كشتيمة كما حدث مع عميد الأدب العربي (طه حسين) ومع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء (المعري) عندما هجاه أحد المسلمين بقوله :
 
كلب عوى بمعرة النعمان ... لمّا خلا عن ربقة الإيمان
أمعرة النعمان ما أنجبت إذ ... أخرجت منك معرة العميان
 
ذوو الإعاقات في الثقافة الغربية والمسيحية الكنسية - نظرة تاريخية
 
لم يكن ذوو الاحتياجات الخاصة في التاريخ الأوروبي القديم على أحسن حال. فأثينا اعتبرت تزاوج المعاقين خطراً على الدولة ويجب دوما تحسين النسل بتجنب الزواج من ذوي الاحتياجات الخاصة. أما في العصور الوسطى فكانت هناك نظرة خوف من ذوي الإعاقات.
آدم طفل صغير كان يعاني من مشاكل قلبية وتشوه منذ ولاته في الحوض والقدم والركبة وكان وضعه يتجه نحو الأسوأ في سوريا ومشافي لبنان حتى حصل والده على لجوء إنساني عبر الأمم المتحدة إلى ألمانيا. الصورة: منصور حسنو
آدم يتسلق سلم ألعاب في إحدى الحدائق الألمانية: تم تشخيص حالة آدم الطبية في ألمانيا. وقد أجريت له ست عمليات جراحية قلبية وعظمية وهو في وضع يتجه نحو الأحسن كما يقول والده.

وذلك للاعتقاد بأن الآلهة أحلت اللعنة عليهم.

 
ولهذا كانت الكنيسة تصدر أحكاماً على المتخلفين عقلياً (لاتصالهم بالشيطان) بسجنهم وتكبيلهم وتعذيبهم بشتى ألوان العذاب، لعل الشيطان يهرب ويترك هذا الجسد المعذب، وبقيت النظرة الأوروبية تقريباً حتى قيام الثورة الفرنسية ومبدأ حقوق الإنسان.
 
ولكنّ الصدمة الأوروبية الكبيرة والنكسة الأخلاقية كانت مع صعود النازية وتبني فلسفة التفوق العرقي، ودفع ثمن هذه النازية الملايين من الشعب اليهودي ومئات الآلاف من الأطفال ذوي الإعاقات.
 
 فقد تمّ تصنيفهم بأنهم خطرون على العرق والمجتمع والدولة وبأنهم لا فائدة من وجودهم، وابتُكر ما سمي القتل الرحيم لذوي الإعاقات في المشافي وغرف الغاز.
 
وذلك كونهم لا يستحقون الحياة وفق العقلية النازية. وهو مادفع أسقف مونستر العظيم (كليمنس أوغست غراف فون غالين) إلى إلقاء موعظة تدافع عن حق ذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة وتؤلب الناس على موقف النازية من ذوي الإعاقات.
 
آدم طفل صغير كان يعاني من مشاكل قلبية وتشوه منذ ولاته في الحوض والقدم والركبة وكان وضعه يتجه نحو الأسوأ في سوريا ومشافي لبنان حتى حصل والده على لجوء إنساني عبر الأمم المتحدة إلى ألمانيا. الصورة: منصور حسنو
يقول والد آدم إنّ المشرفين على رعاية آدم في ألمانيا يسألون عن كل صغيرة وكبيرة في حياة آدم من الاستيقاظ إلى الحمام إلى الفطور والعشاء والنوم.
 
ذوو الاحتياجات الخاصة من السوريين في ألمانيا اليوم كنموذج للدولة الحديثة
 
كما ذكرت سابقاً ، تفاجأ السوريون عموما من حسن المعاملة والاهتمام اللذين تمنحهما الدولة لذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة في ألمانيا، ولكن هذه المرة ليس بأخلاق الشفقة بل بأخلاق الدولة والواجب والقانون.
 
وهذا لا يعني استبعاد الجانب الرحيم والإنساني لدى القائمين على دور الرعاية والمهتمين بذوي الحاجات الخاصة ومن هم على تماس معهم من العاملين والعاملات.
 
ولكن المنهج الذي تتبناه الدولة الألمانية اليوم ليس فقط تكفيراً عن الحقبة النازية وتعلماً منها، بل أيضا يعتمد هذا المنهج على جعل هذه الفئة من المجتمع على نفس الدرجة التي يتمتع بها المواطنون الأسوياء وربما أكثر.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "الدولة الإنسانية في مقابل الدولة الحيوانية"

("أحياناً من كثرة الاهتمام بي، أخجل من حالي"، بهذه الكلمات عبّر محمد -البالغ من العمر 50 عاماً- عن شعوره، حين سألته: "كيف تجد العناية بك في ألمانيا بسبب وضعك الصحي وعجزك عن المشي؟".) لا يفسد الاشياء الجيدة إلا التحدث عنها بهذه الطريقة، إذا قابلت شخصاً عادياً وقال لك: "أنا أخجل من حالي من كثرة الاهتمام" لا يعني أن تنشرها كما وردت، معظم الناس يتحدثون ببساطة، وكثيرون منهم لا يستطيعون التعبير عن فكرة ما بشكل دقيق، كان عليك أن تكتب بحيث لا تظهر كمطبّل.. التطبيل والتزمير بهذه الطريقة يفسد كل ما هو إيجابي في الحياة، وأنا أفرّق بين تسليط الضوء بشكل موضوعي وبين التطبيل، أو الكتابة في سياق البروبغندا، يمكن أن ترد على كلامي بأن تقول: "الأمانة الصحفية تحتم عليّ نقل تصريح الرجل كما ورد"، وهل كنت ستفعل ذلك لو ان الرجل شتم ألمانيا؟ أو قال: "إن المعاملة التي تلقيتها في ألمانيا أسوأ من أسوأ دول العالم الثالث؟"... وهذا لا يعني ان كاتب المقال لم يكن موضوعياً في أجزاء أخرى من المقال.. تحياتي

عبد الله01.05.2018 | 13:21 Uhr