"صفحات" – مكتبة عربية في تركيا افتتحها لاجئ سوري

مركز ثقافي وملتقى للعرب والأتراك في إسطنبول

افتتح لاجئ سوري في مدينة إسطنبول التركية المحل الأول من نوعه لبيع الكتب العربية في شهر حزيران/يونيو 2015. حيث يدير هذه المكتبة لاجئون سوريون بالتعاون مع ناشرين أتراك. وتهدف هذه المكتبة إلى أن تكون مكانا للقاء العرب والأتراك - كما أنها لا تقتصر على تقديم كتب عربية فقط. الصحفي أكرم غوزيلديري قام بزيارة إلى مكتبة "صفحات" Pages في إسطنبول ويطلع موقع قنطرة عليها.

تُعَدُّ تركيا واحدة من البلدان الرئيسية المُضيفة للسوريين، الذين هربوا منذ عام 2011 إلى خارج بلدهم خوفًا من الحرب والإرهاب والتهجير. تتحدَّث المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة لهيئة الأمم المتَّحدة UNHCR عن وجود نحو مليوني لاجئ سوري في تركيا. ويعيش أغلبهم في المدن الكبيرة الواقعة قرب الحدود السورية - على سبيل المثال في غازي عنتاب وأورفا وأنطاكيا. وبحسب التقديرات فقد لجأ إلى إسطنبول نحو ثلاثمائة ألف شخص سوري. ويضاف إلى هذا العدد عدة آلاف من العراقيين والعرب القادمين من بلدان أخرى.

تعتبر إسطنبول بمثابة مدينة عربية كبرى - ولكن لا توجد لديها أية بنية تحتية عربية. "عدد سكَّان إسطنبول العرب كبير حقًا ويزداد باستمرار، ولكن لا يمكن الحصول في إسطنبول على كتب عربية. ومن هنا نشأت فكرة افتتاح محل لبيع الكتب العربية من أجل هذه الشريحة من السكَّان"، مثلما يقول سامر القادري، مؤسِّس ومدير مكتبة "صفحات"، التي تعدُّ أوَّل مكتبة عربية في إسطنبول.

ومنذ شهر أيلول/سبتمبر 2013 يعيش سامر القادري مع زوجته جلنار وابنتيه في منطقة الفاتح التاريخية في إسطنبول. وهذا الشاب البالغ من العمر واحدًا وأربعين عامًا أصله من مدينة حماة، غير أنَّه انتقل بعد مذبحة عام 1982 مع عائلته إلى العاصمة دمشق، حيث أنهى هناك المدرسة. 

يقول سامر القادري: "في هذه الفترة بدأت قراءة الكتب، التي كنت أجدها عند والدي، كتب من الأدب العربي والعالمي". وبعد ذلك درس الفنون الجميلة وقد عمل في مطلع التسعينيات مصمِّمًا ورسامًا في دمشق. وفي عام 1998 انتقل سامر القادري إلى أوَّل قناة أطفال تلفزيونية عربية "سبيس تون". وبعد سبعة أعوام أسَّس دار النشر المختصة بكتب الأطفال "الأصابع الذكية" Bright Fingers.

مكتبة "صفحات"  "Pages". Foto: Ekrem Güzeldere
مكتبة كملتقى ثقافي - في مكتبة "صفحات" العربية لا يتعيَّن على الزبائن شراء أية كتب، بل بإمكانهم أيضًا استعارتها مقابل رسوم رمزية - أو يمكنهم ببساطة القراءة في داخل المكتبة. وكذلك يستطيع مَنْ يريد الاستراحة في مقهى المكتبة الصغير. ومن أجل المستقبل يخطِّط الآن سامر القادري إنشاء دار نشر تنشر كتبًا باللغتين العربية والتركية، مثلما يكتب أكرم غوزيلديري.

مداهمة وتفتيش دار النشر

في عام 2012 غادر سامر القادري سوريا. وبينما كان برفقة زوجته في رحلة عمل في أبو ظبي، قامت قوَّات الأمن السورية بمداهمة وتفتيش دار نشره. ولذلك لم يعد مطلقًا إلى سوريا، بل سافر مباشرة إلى الأردن، حيث عاش مع أسرته هناك نحو عام. وفي أثناء هذه الفترة جاء إلى إسطنبول لعشرة أيَّام بناءً على دعوة تلقّاها من مؤلفة تركية لكتب الأطفال. وحول ذلك يقول: "بعد عدة أيَّام عرفت أنَّني أريد الانتقال إلى هنا. لأنَّ عمَّان ببساطة مدينة ليست للأطفال".

ومنذ البداية كان يعيش مع أسرته في منطقة الفاتح وكثيرًا ما كان يذهب إلى المقهى الموجود قبالة كنيسة خورا (تشورا)، المشهورة بفسيفسائها. يقول سامر القادري: "أثناء ذلك أثار انتباهي منزلٌ يبدو مناسبًا لعملنا. ثم طلبنا تجديده واستأجرناه لمدة عام". وخلف ذلك المقهى مباشرة توجد مكتبته "صفحات" في زقاق صغير. 

يُدير سامر القادري هذه المكتبة مع سبعة شركاء: خمسة سوريين وعماني وسيدة تركية. وفي محل بيع الكتب هذا يوجد مقهى صغير وكذلك طابق مخصَّص لكتب البالغين وآخر لكتب الأطفال وطابق ثالث للقراءات وورشات العمل وإحياء الفعاليات. والشي المميَّز في هذا المحل: أنَّ الزبائن غير مجبرين على شراء الكتب، حيث يستطيعون بسهولة القراءة داخل المكتبة أو استعارة الكتب مقابل رسوم رمزية.

إعادة طبع منشورات "الأصابع الذكية" في إسطنبول بعد تدمير المستودع قرب دمشق

 والآن قام سامر القادري أيضًا بتكليف مطبعة تركية في إسطنبول بإعادة طبع منشورات دار نشره "الأصابع الذكية"، بعد أن تم تدمير مستودع كتبه بالكامل والواقع بالقرب من دمشق. وبالإضافة إلى ذلك فهو يطلب كتبًا علمية وأدبية من جميع أنحاء العالم العربي. وحول عمله يقول سامر القادري: "سافرت طيلة أعوام إلى معارض الكتاب، وكثيرًا ما سافرت إلى معرض الكتاب في فرانكفورت، كما أنَّني أعرف معظم الناشرين معرفة شخصية. نحن نقوم بطلب كميَّات كبيرة من الكتب من داخل البلاد المعنية".

ولكن مع ذلك فإنَّ بيع الكتب لا يمثِّل الأولوية بالنسبة لسامر القادري، الذي يقول إنَّ "الأمر الأهم هو توفيرنا ملتقى للثقافة العربية من بلدان مختلفة. نحن نريد أن نكون مركزًا ثقافيًا يُقدِّم قراءات وحفلات وورشات عمل وندوات - مع أشخاص عرب من إسطنبول وكذلك من الخارج". ولهذا السبب فإنَّ جميع شركائه يزاولون مهنًا أخرى: وذلك لكي لا يعتمدوا على كسب المال من مكتبتهم "صفحات".

يهتم أربعة متطوِّعين بمقهى المكتبة وكذلك بالظهور في وسائل الإعلام والمناسبات الاجتماعية. وحول ذلك يقول سامر القادري: "الأخبار الواردة من سوريا تتمحور إمَّا حول الحرب والإرهاب أو حول الفقر واللاجئين. ونحن نريد أن نظهر هنا أنَّ لدينا أيضًا ثقافة وأدبًا، نسعى إلى تقريبهما من الجيل العربي الشاب وكذلك من أهالي إسطنبول".

مبنى مكتبة "صفحات"  "Pages". Foto: Ekrem Güzeldere
بعد فترة قصيرة من انتقاله إلى إسطنبول أثار انتباه سامر القادري المبنى الواقع بالقرب من كنيسة خورا (تشورا) الشهيرة الواقعة في منطقة الفاتح. وهناك أسَّس مكتبته "صفحات". توفِّر هذه المكتبة في عدة طوابق كتبًا متنوِّعة وبمختلف اللغات.

الأمل في العودة

ومن أجل المستقبل يخطِّط سامر القادري إنشاء دار نشر ثنائية اللغة، تتولى النشر باللغتين العربية والتركية، وذلك بهدف جعل ما يكتبه الكتَّاب العرب متاحًا للقرَّاء الأتراك والعكس بالعكس. وفي هذا الصدد يقول سامر القادري: "نحن لا نعرف بعضنا البعض، على الرغم من القرب الجغرافي. عاداتنا وثقافتنا متشابهة للغاية، غير أنَّ الجدار هو اللغة".

والآن تم إصدار خُمسي الكتب بلغات أخرى، وقد صدر العديد منها باللغة التركية، وكذلك صدر بعضها باللغتين الإنكليزية والفرنسية. يعيش سامر القادري في الحي اليهودي القديم المعروف باسم بلاط على بعد مسافة قصيرة جدًا عن مكتبته. وحول ذلك يقول: "الكثير من الشوارع هنا تُذكِّرُني كثيرًا بدمشق، وأحيانًا أكاد أنذهل من هذه المدينة التي أقيم فيها الآن". لقد ساهم - بحسب تعبيره - في هذا التشابه المعماري بين إسطنبول ودمشق أيضًا المهندس المعماري العثماني سنان، الذي ترك في هاتين المدينتين بصماته المعمارية.

لقد وجد سامر القادري مكانه في إسطنبول، حيث تذهب ابنتاه إلى واحدة من المدارس المعروفة باسم مدارس إسطنبول السورية، التي يتم فيها تدريس مناهج سورية معدَّلة باللغة العربية. وبسبب التطوُّرات السياسية فهو يتوقَّع أنَّه سيبقى فترة في إسطنبول. وحاليًا أصبح جميع أفراد أسرته خارج سوريا. إذ تعيش شقيقته في ألمانيا وشقيقه في هولندا. يقول سامر القادري: "أردت أن أبقى قريبًا من سوريا بقدر الإمكان. وبعد رحيل الأسد بيوم، لا بل في اليوم نفسه، سوف أعود إلى دمشق. فسوريا بحاجة لنا".

 

أكرم غوزيلديري

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مركز ثقافي وملتقى للعرب والأتراك في إسطنبول

ونشكركم جدجدا على فتح هذه المكتبة

محمد سعيد المحمد28.02.2017 | 14:36 Uhr

الاستاذ سامر غادر سوريا من ارهاب بشار واجهزتة الامنية التي ارهبت الناس في سوريا والمنطقة منذ زمن بعيد بشار وعصابته هم الارهاب بعينة ولن ياتي كارهابهم على مدار الزمن

سوري حر10.12.2017 | 16:08 Uhr