في ليلة الكريستال [استباحة أرواح اليهود وممتلكاتهم في ألمانيا] في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 1938، تم تخريب الكنيس اليهودي الموجود مباشرة بجانب جامعة هامبورغ. وحينها تمت كتابة الملاحظة التالية بخط اليدّ على غلاف شهادة الدكتوراه الخاصة بهيدفيغ كلاين: "لم تُمنح شهادة الدكتوراه لأنَّها يهودية".
 
وهنا على أبعد تقدير أصبحت هيدفيغ كلاين تفكِّر فقط في الفرار، مثلما تُثبِت ذلك الوثائق المحفوظة. ولكن الأبواب إلى الخارج لم تكن مفتوحة على الإطلاق لليهود الألمان المضطهدين. كانت فرصتهم الوحيدة للحصول على تأشيرة سفر تكمن في مؤهلاتهم المهنية. وهكذا أرسلت الباحثة الهامبورغية اليائسة رسائل استغاثة إلى الخارج.
 
وأخيرًا حصلت هيدفيغ كلاين على المساعدة من الجغرافي الاقتصادي كارل أوغوست راتيِنس. بعد محاولات فاشلة في فرنسا والولايات المتَّحدة الأمريكية، توجَّه راتيِنس إلى أستاذ للغة العربية تربطه به علاقة صداقة في بومباي. وأرسل هذا الأخير دعوةً للباحثة الألمانية إلى الهند، وافقت عليها السلطات الاستعمارية البريطانية.
 
5. تمكَّن هانس فير من إتمام قاموسه "معجم اللغة العربية المعاصرة" في عام 1945.  Harrassowitz-Verlag
تمكَّن هانس فير من إتمام قاموسه "معجم اللغة العربية المعاصرة" في عام 1945 - غير أنَّه لم يُنشر إلَّا بعد سبعة أعوام من ذلك. كذلك تمت ترجمته إلى اللغة الإنكليزية، ويعتبر واحدًا من أفضل القواميس العربية في العالم. ولكن مع ذلك لا يعرف القارئ فيه أية معلومات حول مصير "الآنسة الدكتور هـ. كلاين".
 
غادرت هامبورغ وهي تحمل التأشيرة الهندية في 19 / 08 / 1939 على متن الباخرة راونفيلز. وبعد يومين كتبت بطاقتها البريدية المتفائلة إلى كارل أوغوست راتيِنس. ولكن بعد ذلك تم فجأة إيقاف الرحلة المتوجِّهة إلى الهند. وأثناء توقيفها في ميناء أنتويرب [البلجيكي]، حصلت الباخرة على أمر بالتوجُّه إلى ميناء ألماني خلال أربعة أيَّام.
 
عادت السفينة أدراجها إلى هامبورغ. وكان السبب هجوم ألمانيا على بولندا في الأوَّل من أيلول/سبتمبر 1939 - بداية الحرب العالمية الثانية.
 
وفي وقت لاحق كتب كارل أوغوست راتيِنس: الآن أصبحت هيدفيغ كلاين تعاني "كلَّ القسوة"، التي عاشها جميع اليهود الألمان بعد بدء الحرب، من ارتداء "النجمة اليهودية" وحتى طردهم من بيوتهم وإجبارهم على السكن في بيت من "بيوت اليهود".
 
وحتى الجغرافي الاقتصادي كارل أوغوست راتيِنس صار يُعامل كعدو للدولة. في عام 1933 كان قد تم فصله من وظيفته الرسمية في الأرشيف الاقتصادي العالمي في هامبورغ بسبب "عدم موثوقيته السياسية". وفي بداية عام 1940 احتجزته شرطة هامبورغ طيلة شهر في معسكر اعتقال فولسبوتل وحققت معه. وبالحظ فقط خرج من "الحبس الوقائي".
 
 
حاول أستاذها القديم آرتور شاده أن يحقّق من جديد شيئًا ما من أجل هيدفيغ كلاين. حيث أوصل "باحثته" بالمستعرب هانس فير في مدينة غرايفسفالد. في عام 1940 انضم هانس فير إلى حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني NSDAP (الحزب النازي). وفي مقال له نصح حكومة الرايخ بجعل "العرب" حلفاء للنازيين ضدَّ إنكلترا وفرنسا وكذلك ضدَّ الصهاينة في فلسطين.
 
غير أنَّ حكومة الرايخ، وبشكل خاص وزارة الخارجية الألمانية، كانت تعتبر هانس فير رجلًا مهمًا لسبب آخر. فقد كان يعمل على إعداد قاموس للغة العربية المعاصرة. وكان المختصون في الاستشراق لدى وزارة الخارجية يعتبرون هذا القاموس ضروريًا من أجل إنجاز ترجمة موفّقة لكتاب أدولف هتلر "كفاحي". وذلك لأنَّ الترجمات الموضوعة حتى ذلك الحين أثبتت أنَّها غير سليمة.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : المستعربة اليهودية التي لا أحد يعرفها

مقال معبر ومثير للحزن، والكاتب الألماني نجح ان يروي قصة تتعاطف مع ضحايا الهولوكوست بحياد موضوعي خشية ان يزعج العرب !!. هل نسمي هذا نجاحا؟ قد نعمل ذلك ولكن موقع قنطرة ربما لم يلتفت إلى ذلك واعتبر المقال التاريخي المفصل الدقيق فيه هجوم على اليهود.. المواقع العربية في أوروبا متخصصة في معاداة اليهود وتحريك الراي العام ضدهم، سابقا في عهد مفتي القدس الحسيني ويونس بحري النازي واليوم عبر كل المواقع.

ابراهيم اسد الله25.04.2018 | 19:46 Uhr

شكرًا لهذا المقال المميز للكاتب شتيفان بوخين. الكارثة الكبرى أن البربرية الفاشية لا ترحم أحدا.

علياء فرج الله 26.04.2018 | 18:02 Uhr

تحياتي عمر من ولاية مستغانم

عمر22.05.2018 | 23:41 Uhr