فشل الدول العربية الريعية والشعبوية

الحروب الأهلية في العالم العربي ...الوجه الآخر لحكم المخابرات والعسكر

الهويات المدنية الحديثة فشلت في مواجهة الهويات الأهلية: يعتبر الكاتب موريس عايق أن الحروب الأهلية العربية هي حروب بين الأهل، تُسيّس الأهلي باعتباره عصبية مقاتلة، سواء كان هذا الأهلي طائفياً أو قبلياً أو جهوياً أو أثنياً وهي لا تنتهي بعكس حروب الآخرين.

تعيش المنطقة العربية على وقع حروب أهلية معممة، من سورية إلى العراق وليبيا واليمن والصومال، وسابقاً العراق ولبنان والسودان والجزائر وهلم جرا. حروب لا تتوقف إلا لتعود من جديد، وربما يكون لبنان المثل الأكثر تطرفاً لجهة ديمومة الحرب الأهلية.

بل يمكن اعتبار فترات الاستقرار نفسها حروباً أهلية باردة تشنها الأنظمة على شعوبها، فالاستقرار والأمن العربيان هما الوجه الآخر لحكم المخابرات والعسكر.

يحيل المفهوم العربي "الحرب الأهلية" إلى الأهل، بعكس مقابله في اللغات الأجنبية كالإنكليزية والألمانية، حيث يحيل إلى المواطنين، حرب بين المواطنين وليس الأهل. يذكّر هذا بالنقاش الذي حصل في التسعينات حول ترجمة مفهوم "المجتمع المدني"، بوصفه الهيئات الوسيطة التي تقف بين الفرد والدولة من أحزاب ونقابات وجمعيات طوعية.

في الحالة العربية كانت الهيئات الوسيطة هي القبيلة والعشيرة والمؤسسة الدينية التي تحيل للأهلي وليس للمدني ومؤسساته الحديثة. لهذا تم وقتها اقتراح مفهوم المجتمع الأهلي تمييزاً له عن المجتمع المدني المفقود أو الجنيني في الحالة العربية. النقاش الذي دار حول المجتمع المدني والأهلي كان تقريباً نقاشاً عربياً خالصاً.

حروب الأهل في العالم العربي

هنا أيضاً يبدو التميّز الخاص بالتعبير العربي- على رغم أنه مقابل اصطلاحي للمفهوم في اللغات الأخرى- مفيداً في مساءلة الحروب الأهلية العربية، بوصفها حروب الأهل. خيضت الحروب الأهلية الغربية- الروسية والفرنسية والإسبانية واليونانية الخ... بين مواطنين، جماعات تتعرف على نفسها من خلال أيديولوجيات حديثة وتتأطر في بنى مؤسساتية حديثة وتهدف إلى تحقيق انتصار هذه الأيديولوجيات ويمكن النظر إليها بوصفها صراعاً ملازماً لمرحلة انتقالية.

الحرب الأهلية اللبنانية هي حرب أهلية متعددة الأوجه في لبنان استمرت من عام 1975 إلى عام 1990، وأسفرت عن مقتل ما يقدر بـ 120 ألف شخص.
كشف مصير المفقودين في حرب لبنان ضروري لتعزيز المصالحة الوطنية: الحرب الأهلية اللبنانية كانت حرب أهلية متعددة الأوجه في لبنان استمرت من عام 1975 إلى عام 1990، وأسفرت عن مقتل ما يقدر بـ 120 ألف شخص. بعد أكثر من 28 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لا يزال مصير آلاف المفقودين غامضاً، على الرغم من أن حل هذه القضية هو شرط أساسي لبناء سلم أهلي متين في لبنان.

في المقابل فإن الحروب الأهلية العربية، وبمعزل عن لحظات الانتفاضة الأولى، هي حروب بين الأهل، تُسيّس الأهلي باعتباره عصبية مقاتلة، سواء كان هذا الأهلي طائفياً أو قبلياً أو جهوياً أو أثنياً.

الميزة الحاسمة التي تفرق بين نمطي الحربين هي أن حروبنا لا تنتهي بعكس حروب الآخرين. هناك تُهزم الأيديولوجيا، بينما لدينا لا يمكن للأهلي أن ينتهي، فالسني والشيعي والعلوي والمسيحي سيبقون، وكذلك العربي والكردي والسوداني الجنوبي الخ... لا هدف لحروبنا الأهلية سوى المُلك.

كذلك وبحكم أن حروبنا، حروب الأهلي، مستدامة فهي تترافق مع أمراء حرب يعتاشون على إدامة الحرب واستمرارها كمصدر رزق مرتبط بالحواجز والنهب، بعكس الحروب الأهلية التي عرفها الآخرون حيث سعى كل طرف محارب إلى بناء اقتصاد يساعده على تغذية موارده وتقويتها من أجل الانتصار. اقتصاد ريعي للحرب الأهلية مشابه لاقتصاد الدولة العربية نفسه.

يظهر تَسييس الأهلي على نوعين. ظاهر، مثلما لدى الإسلام السياسي بنسختيه الشيعية والسنية أو المارونية السياسية، حيث التَسييس الصريح للانتماء الطائفي، لكن أيضاً على سبيل التقية وباستخدام أيديولوجيات حديثة، مثلما لدى النظام السوري والعراقي سابقاً والحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني، حيث العصبية الأهلية هي الفاعل الحقيقي. يمكن لنا أن نستذكر الحروب الأهلية الأفريقية، حيث تُشكل كل قبيلة جبهتها الديموقراطية أو التقدمية أو الليبرالية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.