فلسطين وجيرانها العرب

غزة...مدينة لا يريدها أحد

مع الحصار الصارم على غزة أصبح أهلها متروكين لمصيرهم وتحت رحمة حماس، أما السلطة الوطنية الفلسطينية فتعمل لصالح نخبة في غزة، ناهيك عن "نكبة" الانقسام السياسي بين فتح وحماس. لكل ذلك عواقب كارثية على غزة. على مصر والأردن إعادة النظر في تعاملهما مع سكان غزة، فلا خطر أمنياً إذا تم منحهم جميعًا حقوق الإنسان الأساسية. وعلى العالم النظر إلى أن غزة تمثّل أزمة سياسية قبل أن تكون إنسانية، بحسب ما يرى الباحث الفلسطيني عبد الهادي العجلة.

ذكرى تأسيس دولة إسرائيل تمثِّل في الوقت نفسه بالنسبة للفلسطينيين "النكبة"، ما يعني باللغة العربية "الكارثة". وتصادف في هذا العام الذكرى الثامنة والستون لطرد السكَّان الأصليين العرب وتهجيرهم من منطقة الانتداب البريطاني السابق فلسطين، التي نشأت في أجزاء منها دولة إسرائيل. واليوم نحن نعيش "نكبة" جديدة في شكل الانقسام السياسي بين حركتي حماس وفتح. 

حياة لأهالي اليومية في قطاع غزة تتَّضح من خلال نكتة تعبِّر عن قساوة العيش ومرارتها هناك، وهي: "اعتقلت الشرطة شخصًا في غزة بسبب آمال غير مسموحة". لا أمل. لا مستقبل.

لقد تمت قبل فترة غير بعيدة إعادة فتح معبر رفح الكائن بين غزة ومصر ليومين كاملين بعد إغلاق استمر مدة ثلاثة أشهر. وقبل ذلك قام ثلاثون ألف شخص بتسجيل أسمائهم من أجل عبور حدود قطاع غزة. ولكن فقط سبعمائة وسبعة وأربعين شخصًا تم السماح لهم من قبل شرطة الحدود المصرية بالسفر إلى مصر.

وفي الظروف العادية تستغرق رحلة السفر بالحافلة خمس دقائق. وإنجاز الإجراءات الرسمية ربما ساعة. أمَّا الآن فتستغرق رحلة العبور أكثر من أربع وعشرين ساعة، وفي بعض الأحيان حتى ثمانٍ وأربعين ساعة. حيث يتم احتجاز مئات الفلسطينيين على الجانب المصري من معبر رفح وكأنَّهم سجناء. وهذا انتهاك واضح لحقوق الإنسان.

فلسطينيو غزة كأعداء لمصر

كانت غزة منذ عام 1948 وحتى عام 1967 تحت الإدارة المصرية. وفي تلك الفترة تطوَّرت علاقاتٌ وثيقةٌ مع مصر. وقد ساهم في ذلك أيضًا قبول الطلاب القادمين من غزة في الجامعات المصرية. واليوم تغيَّرت هذه الصورة بشكل جوهري: إذ إنَّ أهالي غزة باتوا يعتبرون في مصر على أنَّهم أعداء.

وفي العام الماضي 2015 منعتني سلطات الأمن الإسرائيلية من دخول فلسطين. ولكن مع ذلك فقد تلقَّيتُ معاملةً أفضل بكثير من أي شيء يتعرَّض له الفلسطينيون في المطارات ومعابر الحدود المصرية. وهذا أمر غير مفهوم، خاصة وأنَّ الفلسطينيين لم يدخلوا في أي نزاع مع الجيش المصري، على العكس تمامًا مما جرى مع الأردنيين والسوريين واللبنانيين.

الحدود المصرية عند رفح. Foto: Reuters/I. Abu Mustafa
الفلسطينيون المنحدرون من قطاع غزة غير مرغوب فيهم: طريق المواصلات الوحيد الذي يربط قطاع غزة المحاصر مع العالم الخارجي ولا تسيطر عليه إسرائيل، بات مغلقًا في العادة منذ الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي. وطوال عام 2015 فتحت السلطات المصرية معبر رفح لمدة واحد وعشرين يومًا فقط، من أجل مرور عدد محدود من المسافرين ذوي المصالح المُلِحَة.

فلماذا إذًا تتعامل مصر مع الفلسطينيين القادمين من غزة بمثل هذا القدر من المعاملة السيِّئة؟ ولماذا يتم اعتبار الفلسطينيين في مصر كمواطنين من الدرجة الثانية؟ حتى لو افترضنا أنَّ الحكومة المصرية تعامل مواطنيها معاملة ليست أفضل، فسيتساءل المرء بالتأكيد، لماذا يتم استهداف الفلسطينيين بالذات بمثل هذه المعاملة العدوانية. ففي آخر المطاف ليس للفلسطينيين غرضٌ آخر سوى عبور الحدود من أجل مواصلة السفر إلى بلدان أخرى.

ولذلك يبدو أنَّ مصر تريد إرسال رسالة واضحة إلى جميع المعنيين، مفادها أنَّ "غزة لا تهمنا. ولا حتى أهالي غزة أو مشكلاتهم. يجب عليهم أن يعرفوا كيف يتَدَبَّرون أمورهم بأنفسهم بعيدًا عنا".

وهذه المشكلات المذكورة لا تقتصر فقط على الحدود في الجنوب، بل تشمل كذلك عبور أهالي غزة الحدود إلى الأردن. فعندما بدأ الجيش الإسرائيلي بالسماح لسكَّان غزة بالسفر عبر الضفة الغربية إلى الأردن، فرض الأردن إجراءات أمنية مشدَّدة. ونتيجة لذلك تم رفض منح تأشيرات الدخول إلى الأردن لسكَّان غزة -ولكن ليس فقط لوحدهم- بل كذلك لسكَّان الضفة الغربية المنحدرين من غزة. وجاء هذا القرار بعد فرض الإسرائيليين شرطًا لا يسمح للفلسطينيين بمعاودة السفر مرة أخرى إلاَّ بعد عام. وهذا أيضًا انتهاك واضح لحقوق الإنسان. وفي الأردن بات يخشى المرء على ما يبدو من أنَّ هذا قد يؤدِّي إلى إبعاد الفلسطينيين بشكل بارد من قبل الإسرائيليين إلى داخل الأردن.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.