فيلم "النسور الصغيرة" للمخرج محمد رشاد

سينما مصرية وتجربة إنسانية عابرة للحدود والزمن

أولاد جيل السبعينيات الذين ورثوا أفكارا يسارية عن أهاليهم، شكلت حياتهم أحد محاور فيلم "النسور الصغيرة". عُرِض الفيلم المصري في برلين ودبي. لكل من المشاهدين نظرته للفيلم بحسب معرفته بالجزء السياسي والاجتماعي في مصر، لكنهم على اختلاف ثقافاتهم وجنسياتهم تعاملوا مع الجزء الشخصي للفيلم (علاقة الابن بالأب) بحساسية شديدة، لأنها علاقة إنسانية مشتركة. محمد رشاد يتحدث إلى إسلام أنور عن فيلمه التسجيلي الأول.

في فيلمه التسجيلي الأول "النسور الصغيرة" يخوض المخرج محمد رشاد رحلة تجمع ما بين الحاضر والماضي، ويتنقل عبرها بين مدينتي القاهرة والإسكندرية طارحًا العديد من الأسئلة عن علاقة الفرد بمجتمعه ومدينته وتاريخه وعائلته، أسئلة  تنطلق من مساحة خاصة جدًا لتفتح أُفقا واسعا وتتحول لمساحة مجتمعية كبيرة تضعنا أمام سردية تاريخية مغايرة، ترصد التغيرات الكبيرة التي عاشها المجتمع المصري في نصف القرن الماضي.

تدور قصة الفيلم حول شخصية محمد، ابن العامل البسيط المقيم في الإسكندرية، والحالم بالانتقال والعيش في القاهرة، ليصبح صانع أفلام. يتعرّف محمد بعد وصوله للقاهرة على سلمى وبسام، وأسرتهما التي تنتمي للتيار اليساري ولديها تاريخ طويل من النضال، ومن هنا يبدأ البحث في حياة والده لعله يجد في تاريخه شيئاً مثيراً يستطيع أن يحكيه، مقارناً حياة والده -التي قضاها في العمل من أجل كسب قوته وتربية أبنائه- مع حياة والدي صديقيه.

عن رحلته مع فيلم "النسور الصغيرة" إسلام أنور حاور المخرج محمد رشاد وإلى نص الحوار.

**********************************

"النسور الصغيرة" عنوان يحمل قدرا من الخيال ويطرح تساؤلات وتوقعات عديدة ومتنوعة كيف تم اختيار هذا العنوان ولماذا قررت أن يكون الفيلم تسجليًا وليس روائيًا؟

محمد رشاد: النسور الصغيرة جاء بالأساس من اسم الجمعية التي كانت فكرة الفيلم في البداية تتمحور حولها، وهي جمعية تأسست في مصر في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وهي تُعد فرعا لجمعية أخرى مقرها في السويد، وكانت هذه الجمعية ملتقى لأولاد جيل يسار السبعينيات، الذين بحكم التربية وعلاقاتهم مع أهاليهم ورثوا الأفكار اليسارية عنهم، ورغم أن الجمعية ليست هى المحور الرئيسي للفيلم إلا أن اختيار اسم "النسور الصغيرة" كعنوان للفيلم جاء كرمز لحياة وتاريخ هذا الجيل.

مشهد من الفيلم التسجيلي المصري "النسور الصغيرة".
مشهد من الفيلم التسجيلي المصري "النسور الصغيرة": تدور قصة الفيلم حول شخصية محمد، ابن العامل البسيط المقيم في الإسكندرية، والحالم بالانتقال والعيش في القاهرة، ليصبح صانع أفلام. يتعرّف محمد بعد وصوله للقاهرة على سلمى وبسام، وأسرتهما التي تنتمي للتيار اليساري ولديها تاريخ طويل من النضال، ومن هنا يبدأ البحث في حياة والده لعله يجد في تاريخه شيئاً مثيراً يستطيع أن يحكيه، مقارناً حياة والده -التي قضاها في العمل من أجل كسب قوته وتربية أبنائه- مع حياة والدي صديقيه.

وقرار أن يكون الفيلم تسجيليًا أو روائيًا يأتي من خلال الموضوع والشخصيات. ففي فيلم النسور الصغيرة أحكي عن شخصيات حقيقية، تحمل دراما واقعية وحقيقية، وهم بالفعل شخصيات حولي في الحياة ولذلك؛ فالاختيار المنطقي كان أن أقوم بالتعامل مع تلك الشخصيات في الواقع، وبالمناسبة هي أول تحربة إخراجية أتعامل فيها مع فيلم تسجيلي.

 السفر والترحال محور رئيسي في فيلمك برأيك إلى أي مدى يمنحنا السفر والانتقال لمكان مغاير فرصة لرؤية الحياة بشكل مغاير وإعادة اكتشاف ذواتنا والعالم؟ 

محمد رشاد: السفر تجربة حياتية، يمكن أن تستفيد منها أو تستمتع بها. ولكن بشكل خاص في الفيلم السفر كان حلما خاصا وتجربة فريدة، فالانتقال من الإسكندرية للقاهرة، كان بمثابة الحلم الذي كنت أظن أنه بمجرد تحققه سوف تحل كل مشاكلي وأزماتي، عبر الهروب من الضيق وندرة الفرص في مدينة صغيرة نسبيًا كالإسكندرية.

وبالفعل سفري إلى القاهرة غير شخصيتي وجعلني أكثر ثقة في نفسي، وهذا ما أعبر عنه بشكل ما في أحداث الفيلم، ولكن بعد فترة تبدأ في اكتشاف الحنين لكل ما كنت تضيق به في مكانك الأصلي وهو الاسكندرية، فتجد نفسك تعود محملًأ بتجربة السفر وآثارها في نفسك سواء إيجابيًا أو سلبيًا.

 الزمن وتغيراته والتداخل بين الماضي والحاضر أمور حاضرة بقوة في فيلمك كيف تتعامل مع سؤال الزمن والتاريخ الشخصي والجماعي؟

 محمد رشاد: هذا هو المحور الأساسي الذي يتعامل معه الفيلم. فالعلاقة بين الماضي والحاضر، كانت أكثر هاجس يشغلني أثناء إعداد الفيلم، لأننا نعيش حاضرًا معقدًا جدًا، وقد يكون الحل هو أن نقوم بتحليل الماضي لنجد إجابات أو على الأقل لنطرح أسئلة مختلفة، هذا على نطاق الوضع العام، أما على نطاق الشأن الشخصي وهو ما يتلامس أيضًا مع الوضع العام، أردت أن أؤكد على فكرة أننا من الممكن أن نلوم عائلتنا، ونُتهم بالفشل أو بأي شكل، ولكن هل نحن مستعدين لمواجهة فشلنا نحن، أو على الأقل هل نحن مستعدون لليوم الذي يأتي فيه جيل آخر يتهمنا بالفشل.

وبالنسبة للتعامل مع التاريخ الشخصي والجماعي فأنا أراهما متقاربين للغاية؛ فالشخص هو نتاج لما يدور حوله، من أحداث سياسية واجتماعية، وبالتالي، فالشخصي غير مفصول أبدا عن الجماعي.

هناك مخرجون يعملون بدقة مطلقة ويخططون لكل شىء قبل التصوير وهناك مخرجون آخرون يفضلون أن يتركوا مساحة "للصدفة" وما يمكن أن تمنحه من مشاهد وأحداث غير متوقعة، ما الطريقة التي تفضلها؟

 محمد رشاد: في الأفلام الروائية أفضل التخطيط الجيد والدقيق، أما في التعامل مع الأفلام التسجيلية فليس أمامك اختيار إلا أن تترك مساحة لما تحمله لك الصدفة، فالتخطيط أيضا مطلوب ومهم، ولكن في التسجيلي صعب للغاية أن تسيطر على الوضع، فدائما هناك عوامل غير متحكم بها وفي رأيي هذا أجمل ما في التسجيلي.

 شارك فيلمك في العديد من المهرجانات من ضمنها مهرجان برلين للفيلم العربي ومهرجان دبي كيف وجدت ردود فعل جمهور من ثقافات متنوعة على عملك ؟

 محمد رشاد: لكل جمهور نظرته الخاصة للفيلم على حسب معرفته بالجزء السياسي والاجتماعي في مصر، وهذا شيء نسبي، ولكن الجميل أن الجمهور على مختلف ثقافاته أو جنسياته تعامل مع الجزء الشخصي وهي علاقة الابن بالأب بحساسية شديدة، لأنها علاقة إنسانية لا تستطيع حصرها في ثقافة معينة، هي شيء مشترك بين البشر بشكل عام، ولهذا أنا منحاز للأفكار الإنسانية في الافلام، وأعتقد أن أي فيلم مهما كان نوعه أو تصنيفه، ضروري أن يحمل شيئًا إنسانيًا يستطيع أن يلمس الناس على اختلافهم.

 

حاوره: إسلام أنور

حقوق النشر: معهد غوته 2017

ar.Qantara.de

 

محمد رشاد من مواليد مدينة الإسكندرية عام 1980، درس الإخراج السنيمائي في مدرسة السينما بمركز الجزويت الثقافي بالتعاون مع جماعة سيمات، قام بكتابة وإخراج فيلمين روائيين قصيرين "من بعيد" و"مكسيم"، عمل كمساعد مخرج في العديد من الأفلام القصيرة والطويلة من ضمنها فيلم "الخروج للنهار" للمخرجة هالة لطفي، وهو واحد من مؤسسي شركة حصالة للإنتاج السينمائي، و يقوم حاليًا بتطوير فيلمه الروائي الطويل الأول.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.