كثيرًا ما يدور الحديث حول التعذيب الذي يُهدِّد المشاركين المزعومين في الانقلاب الأخير في تركيا - ولكن من دون ذكر كلمة واحدة حول الجرائم التي ارتكبها الجيش التركي، الذي يتجاوز عدد ضحاياه عدد الضحايا في عهد إردوغان بكثير. هذا غير معقول مطلقًا بالنظر إلى مئات الآلاف من ضحايا النظام العسكري التركي الأكثر وحشية، "المحافظ على القيم العلمانية للجمهورية" - وإلى ممارسات التعذيب.

صورة محسَّنة عن بداية الجمهورية

وحتى الفيلم الوثائقي "هايماتلوس"، الذي وجد قبولاً إيجابيًا من دون أية انتقادات هنا في ألمانيا، يرسم صورة مختزلة للغاية ومطبوعة بطابع رومانسي للجمهورية التركية الفتية. يتحدَّث هذا الفيلم بشكل خاص عن العلماء والفنَّانين اليهود الألمان، الذين هربوا من أوضاع الاضطهاد في ألمانيا ووجدوا ملجأً لهم في جمهورية أتاتورك وظروف عمل مجزية للغاية.

Anhänger der rechtsnationalistischen MHP in Istanbul; Foto: picture-alliance/AP
مؤيِّدو حزب الحركة القومية MHP المعادي للحركة الكردية: "الكثيرون خاصة من معسكر القومويين العلمانيين كانوا لفترة طويلة يتَّهمون حزب العدالة والتنمية بأنَّه متراخٍ جدًا في تعامله مع الحركة الكردية. وبدوره استجاب حزب العدالة والتنمية لهذه المطالب بالعودة إلى الحرب"، مثلما يرى تايفون غوتشتادت.

غير أنَّ تركيا لم تستقبل هؤلاء الأشخاص لأنَّها كانت تريد مساعدتهم، بل لأنَّها أرادت أن تصبح "غربية" وبأي ثمن، وكانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مساعدة الخبراء الأوروبيين. في الواقع لم تكن الجمهورية التركية الفتية "الصديق في وقت الضيق" مثلما يتم تصويرها في الفيلم وكذلك في التأريخ الرسمي.

الجمهورية التركية الفتية كانت في الواقع معادية للسامية ومعادية للمسيحية، ودولة قوموية للغاية. وبصرف النظر عن الخبراء المذكورين آنفًا وأسرهم (التي لا يزيد مجمل عدد أفرادها عن عدة مئات من الأشخاص)، فإنَّ تركيا لم تستقبل أيًا من اليهود الهاربين من النازيين في أوروبا، كما أنَّ المواطنين اليهود في تركيا نفسها كان يتم تهميشهم بشكل ممنهج ودفعهم إلى الفقر وقمع هويَّتهم ولغتهم.

ولكن في فيلم "هايماتلوس" يتم - ومن دون أية تعليقات - نقل آراء أبناء اليهود، الذين هربوا في تلك الحقبة من ألمانيا - وكانوا بطبيعة الحال ممتنين كثيرًا لتركيا، وذلك لأنَّ آراءهم هذه تشيد بسياسة أتاتورك في جميع العبارات.

لقد سُمح في هذا الفيلم حتى لابنة عصمت إينونو، وهو خليفة أتاتورك السلطوي مثله أيضًا والملقَّب بـ"ملي شيف"، أي رئيس الأمة، بأن تُشيد بتركيا الكمالية فوق كلِّ شيء وأن تشتم وتتذمَّر من مدى سوء الأوضاع. تخيَّلوا: وكأنَّ زوجة بشار الأسد تتم دعوتها كشريك في مقابلة حول الوضع في سوريا - ويتم نقل رأيها من دون نقد أو تعليق، ترافقه صورٌ رومانسية.

وفي التركيز على إردوغان كثيرًا ما يتم أيضًا التغاضي عن أنَّ الطيف السياسي كله في تركيا يدعم وبشكل صريح السياسات القمعية للغاية ضدَّ الأكراد - والكثيرون خاصة من معسكر القومويين العلمانيين كانوا لفترة طويلة يتَّهمون حزب العدالة والتنمية بأنَّه متراخٍ جدًا في تعامله مع الحركة الكردية. وبدوره استجاب حزب العدالة والتنمية لهذه المطالب بالعودة إلى الحرب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.