قراءة كاظم حبيب لمقال حسن العاصي حول التنوير العربي

هل بدأ التنوير أصلا في العالم العربي؟

نشر الكاتب حسن العاصي مقالا تحليليا على موقع قنطرة يطرح فيه هذا السؤال: "هل فشل التنوير العربي أم تعثر؟". الكاتب كاظم حبيب قرأ هذا المقال وتولدت لديه ملاحظات يقدم بعضها في مقاله التالي لموقع قنطرة طارحا السؤال التالي أيضا: "هل بدأ التنوير أصلاً في العالمين العربي والإسلامي، أم لا يزال بعيد المنال، رغم الإرهاصات الأولية التي حصلت في القرن التاسع أو بداية القرن العشرين، ثم أجهضت؟".

نشر الكاتب والشاعر والصحفي الأستاذ حسن العاصي مقالاً في موضوع مهم على موقع قنطرة بتاريخ 31 / 08 / 2018 يتساءل فيه "هل فشل التنوير العربي أم تعثر؟". والمقال محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال، بما احتواه من معلومات وأفكار تستحق القراءة والمناقشة. إن قراءتي للمقال ولدَّت لدي مجموعة من الملاحظات التي أحاول التركيز على بعضها لتنشيط النقاش حولها وحول الموضوع الحيوي ذاته، الذي يحتمل طرح السؤال التالي أيضاً: هل بدأ التنوير أصلاً في العالمين العربي والإسلامي، أم لا يزال بعيد المنال، رغم الإرهاصات الأولية التي حصلت في القرن التاسع أو بداية القرن العشرين، ثم أجهضت؟

سأحاول تناول تلك الملاحظات فيما يلي: 

"نصف الحقيقة

الملاحظة الأولى: يقول الكاتب ف مطلع مقاله: "وأنت تطالع كتب التاريخ تنبهر بصفحات مشرقة من تاريخ العرب والمسلمين، تجد مراحل عاشها أجدادنا وكانت منارات في مختلف العلوم التطبيقية والإنسانية والرياضيات والموسيقى والفلك والترجمة".

هذا الرأي يمثل نصف الحقيقة أو جانب واحد منها، في حين يتجنب الكاتب هنا الإشارة إلى النصف الثاني من الحقيقة المرةّ جانبها المعتم، لاسيما وهو يبحث في موضوع علمي يشمل جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تمس تاريخ العالمين العربي والإسلامي، على حد تعبيره.

الجانب المشرق اقترن بما أشار إليه من منجزات كثيرة عبر التاريخ، ولكنه أهمل الجانب المظلم في تاريخ العرب والمسلمين على امتداد القرون المنصرمة، وسواء أكان ذلك في الإمبراطوريات العربية، كالدولة الأموية والدولة العباسية، أم الدولة العثمانية، وفي الدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة، كالدولة الفارسية، حيث تميز هذا التاريخ بالكثير من المظالم والتخلف والتمييز والاستغلال والبؤس والفاقة، التمييز الفاحش إزاء أتباع الديانات والمذاهب، وإزاء القوميات الأخرى، تاريخ تميز بالفتوحات الاستعمارية والحروب والهيمنة على مصائر الشعوب واستغلالها. 

محاربين مغول من كتاب جامع التواريخ لـ رشيد الدين الهمداني wikimedia mongol soldiers_by rashid al-din
"غزو هولاكو كان نتيجة وليس السبب في تدهور الأمة العربية والمسلمين": يرى كاظم حبيب أن "عصر العتمة وخراب الدولة العباسية ودخول العصر الظلامي بدأ قبل الغزو المغولي بعقود كثيرة، إذ لولا الخراب والانهيار الداخلي في الدولة العباسية والصراعات على السلطة والمال والنفوذ الذي تفاقم في تلك الفترة وفي عهد عبد الله المستعصم بالله (أبو عبد المجيد "المستعصم بالله" عبد الله بن منصور المستنصر بالله( 1213-1258م) لما استطاع هولاكو غزو بغداد والإجهاز عليها، لقد كان غزو هولاكو بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير! إن ما حصل أثناء غزو هولاكو كان نتيجة وليس السبب في تدهور الأمة العربية والمسلمين".

ويمكن أن نورد ما تعرض له العرب أنفسهم على أيدي السلاطين العثمانيين على امتداد تاريخ هذه الدولة التي تبنت الإسلام وحكمت باسمه ما يقرب من 400 سنة أغلب شعوب منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما الشعوب العربية والشعب الكردي وشعوب أخرى في وسط أوروبا. 

ومن يقرأ بعلمية وحيادية تاريخ العرب والمسلمين، فعليه أن يقرأ الجانبين المشرق والمعتم، والذي لم يقترن بالعرب بالأساس، بل بالعرب وغير العرب من المسلمين. ويمكن للسيد حسن العاصي أن يقرأ كتاب "موسوعة العذاب" بسبعة أجزاء للكاتب العراقي الأستاذ عبود الشالجي ليدرك ما كان يجري في هذا العالم الذي لم يجد فيه سوى "منارات في مختلف العلوم.." إلخ. كما يمكن أن يعود لكتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة في العراق" ليطلع على ممارسات الإمبراطوريات العربية وكذلك الإسلامية (الترك والفرس) من مظالم وجرائم بشعة تقشعر لها الأبدان، وكلها باسم الإسلام! 

الملاحظة الثانية: في فقرة أخرى يكتب السيد حسن العاصي ما يلي: "إنتاج معرفي علمي استعان به الغرب ونقل عنه المعارف وقطف ثمار العصر الذهبي للعرب والمسلمين، مما مكنه من شق طريقه نحو التطور والحداثة، بينما نحن أهدرنا هذه الإنجازات في غمرة الصراعات السياسية والاحتقان المذهبي والتعصب الديني والاقتتال الطائفي".

"الشعوب تتعلم من بعضها"

لا شك في أن الغرب قد استعان، للخلاص من ظلمات القرون الوسطى، بما تحقق للعرب والمسلمين من منجزات في مجالات كثيرة. ولكن هذه الرؤية هي الأخرى ذات جانب واحد، إذ إن العرب والمسلمين أنفسهم قد استعانوا، لبناء الدولة الأموية والدولة العباسية، بمنجزات اليونان وفارس في العلوم والفلسفة والمنطق والتنظيم والإدارة، من خلال تكثيف ترجمة المنجزات اليونانية في العلم والفلسفة والرياضيات وغيرها، والتي لعب المسيحيون العرب والكلدان والآشوريين والسريان، على نحو خاص، دورهم المميز والأساسي في ترجمتها إلى اللغة العربية، إضافة إلى اللغة السريانية.

أشير إلى هذا لأوكد بأن الشعوب تتعلم من بعضها في مختلف مجالات العلم والفلسفة والأدب والثقافة. حصل هذا في السابق ويحصل اليوم وسيحصل في المستقبل أيضاً، وهو أمر ضروري ولا يمكن بناء الحضارة الحديثة دون الدمج العملي بين التراث الإيجابي لشعوبنا من جهة، وما تحقق للغرب الأوروبي والعام من منجزات في جميع مجالات العلوم المختلفة والفلسفة، ولاسيما في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والطب، والتقنيات الأكثر حداثة، في ثورتهم العلمية التقنية ومنجزاتها الكبيرة. أما وأن العرب قد دخلوا في صراعات سياسية واحتقان مذهبي.. الخ، فهي مسألة سأعود إليها في ملاحظة أخرى.   

"أساليب قهرية

الملاحظة الثالثة: في فقرة أخرى يعيد الأستاذ حسن العاصي ما يؤكده تاريخنا العربي الرسمي ويردده الكثير من الكتاب العرب والمسلمين واحداً بعد الآخر، حيث يكتب: "الأمة العربية والإسلامية دخلت العصر الظلامي حين دمّر المغول بيت الحكمة في بغداد عام 1258 ورموا أمهات المخطوطات العربية ونفائس كتب الطب والفلك والرياضيات في نهر دجلة".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل بدأ التنوير أصلا في العالم العربي؟

من مكرورات بعض النخب العربية/العروبية، ما بقوله الكاتب، جازماً: "ولا يمكن أن يمنع دين المسلمين تحقيق عملية تنوير هذه المجتمعات، كما عجزت الديانات الأخرى منع ذلك. فالديانات كلها متماثلة من حيث الجوهر وتلتقي عند نقطة مركزية واحدة، موقفها المناهض للعلم وإعمال العقل والتفكير الفلسفي الحر.."؛
وهو قول يغفل الفارق الجوهري بين الاسلام وبين باقي دينات البشر- ومنها شقيقتاه اليهودية والمسيحية. فالأولى غير تبشيرية، والثانية تقوم داخلياً على مبدأ الاعتراف، بما يحف به من عناصر الندم حضور الضمير. وخارجياً تقوم على المحبة والتسامح والغفران حتى للأعداء. أما الاسلام فلا يكون الا بتلازم المصحف والسيف( العقيدة مطبقة بالقوة، عبر فرض الشريعة الاسلامية بدلاً عن قوانين البشر)؛ وعلى مساحة المعمورة-أرض الله.

Ali Deep10.09.2018 | 22:10 Uhr