فالفكر الديني الجامد والمُجمِد لعقل الإنسان ورفض الرؤية الفلسفية للحياة والمجتمع والعلم، الرؤية غير النقدية للواقع والفكر الديني ... كلها وغيرها تساهم في إنتاج الأرضية الرافضة للتنوير، إنتاج وإعادة إنتاج الإنسان غير الحر، العاجز عن التفكير المستقل، وغير العقلاني والرافض للتغيير. إنها الحالة الراهنة التي تعيش تحت وطأتها الغالبية العظمى من شعوب الأمة العربية والمسلمين في أنحاء العالم.

أي توجه صوب التنوير في الدول العربية يستوجب خوض النضال بلا هوادة من أجل تغيير علاقات الإنتاج السائدة فيها وتغيير بنية الاقتصاد الوطني، والتي ستساهم بدورها في تغيير البنية الطبقية للمجتمع ووعي الإنسان. إنها عملية صيرورة وسيرورة معقدة ومتلازمة أو متشابكة، ولكن لا بديل عنها، وإنْ كان الغرب المتنور قد وقف طيلة العقود المنصرمة لا ضد التنوير فحسب، بل بالأساس ضد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربي والدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة، ضد تغيير بنية الاقتصاد، ضد التصنيع وتحديث الزراعة، لأنه يدرك بأن هذا التغيير هو الذي يقترن تماماً ويسهل عملية التنوير، التي يمكنها أن تخلق إنساناً حر التفكير وقادراً على إعمال عقله باستقلالية عالية. 

ورغم هذا الموقف من قبل العالم الغربي الرأسمالي الاستغلالي، لا يمكن لشعوب الدول العربية أن تنعزل عن الغرب، عن الحضارة الحديثة بكل منجزاتها العلمية والتقنية، عن عملية التنوير التي أصبح عمرها في الغرب الرأسمالي عدة مئات من السنين. لا يمكن للشعوب العربية أن تنعزل عن حضارة القرن الحادي والعشرين ولا عن المستوى الذي بلغته عملية التنوير فيها، ولا عن التأثر بهما. 

مايو / أيار 2017 - القمة العربية الأمريكية في مدينة الرياض العاصمة السعودية
"رغم موقف الغرب الرأسمالي الاستغلالي لا يمكن لشعوب الدول العربية أن تنعزل عن الغرب": كان الغرب المتنور قد وقف طيلة العقود المنصرمة لا ضد التنوير فحسب، بل بالأساس ضد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربي والدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة، ضد تغيير بنية الاقتصاد، ضد التصنيع وتحديث الزراعة، لأنه يدرك بأن هذا التغيير هو الذي يقترن تماماً ويسهل عملية التنوير، التي يمكنها أن تخلق إنساناً حر التفكير وقادراً على إعمال عقله باستقلالية عالية. ورغم هذا الموقف من قبل العالم الغربي الرأسمالي الاستغلالي، لا يمكن لشعوب الدول العربية أن تنعزل عن الغرب، عن الحضارة الحديثة بكل منجزاتها العلمية والتقنية، عن عملية التنوير التي أصبح عمرها في الغرب الرأسمالي عدة مئات من السنين، كما يكتب كاظم حبيب.
إن هذا التماس والتفاعل الضروريين لا يعني بأي حال عدم الاستفادة من التراث الحضاري الإيجابي للشرق العربي، مع بلورة تلك النقاط التي يراد الاستفادة منها والتخلص من سلبيات فترة الجهل والأمية وهيمنة الفكر الغيبي الخرافي على عقل وممارسات الإنسان في الدول العربية من جهة، والسعي لتجاوز ما يريد الغرب فرضه في الاقتصاد على استهلاك المنتج عندهم، دون تطوير القدرة على المبادرة والإبداع والتقدم، والتي لا يمكن أن تحصل دون تغيير في طبيعة علاقات الإنتاج والتدني الراهن في مستوى تطور القوى المنتجة، في غياب واسع للتصنيع والتحديث المناسب للزراعة وتغيير بنية المجتمع الطبقية، بما يخلق تلك القوى الحاملة للمجتمع المدني، الطبقة البرجوازية الوطنية والطبقة العاملة والفئات المثقفة المتنورة.     
      
إن المثقفين المتنورين من العرب وغير العرب في الدول العربية يمكنهم أن يساهموا بدور فعال في عملية التنوير في مجتمعاتهم، إذا ما ربطوا العملية الثقافية التنويرية بالنضال المشترك مع بقية فئات المجتمع من أجل إزالة المعوقات الكبيرة التي تقف بوجه التنوير، وهي كثيرة، بما فيها النظم الاستبدادية والرجعية القاهرة لإرادة ومصالح وطموحات الشعوب في المنطقة والمصادرة لحقوقهم العادلة والمشروعة، وكذلك سياسات هذه النظم التي تعتمد الريع النفطي والدولة الاستهلاكية بدلاً من الدولة ذات التنوع في إنتاج الدخل القومي، حيث يشارك القطاع الصناعي والزراعة الحديثة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية (البشرية) والتخلص من البطالة والفاقة والبؤس وغياب العدالة الاجتماعية.
 
"ردَّة عميقة"
 
الملاحظة الخامسة: منذ ما يزيد عن أربعة عقود والعالمين العربي والإسلامي يعيشان في وضع ردَّة فكرية وسياسية واجتماعية عميقة تشتد من حيث العمق والشمولية سنة بعد أخرى، حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه واقع هذين العالمين في الوقت الحاضر، رغم المحاولات الجادة للمثقفين المتنورين وحركة شعبية متباينة في عمق مضامينها تفرض نفسها على هذا الواقع بين الحين والآخر، كما حصل فيما أطلق عليه بالربيع العربي والذي اختطف، في الغالب الأعم، بسرعة من قوى الردّة ذاتها، وبضمنها قوى الإسلام السياسي الرجعية والمتطرفة والعسكر. 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل بدأ التنوير أصلا في العالم العربي؟

من مكرورات بعض النخب العربية/العروبية، ما بقوله الكاتب، جازماً: "ولا يمكن أن يمنع دين المسلمين تحقيق عملية تنوير هذه المجتمعات، كما عجزت الديانات الأخرى منع ذلك. فالديانات كلها متماثلة من حيث الجوهر وتلتقي عند نقطة مركزية واحدة، موقفها المناهض للعلم وإعمال العقل والتفكير الفلسفي الحر.."؛
وهو قول يغفل الفارق الجوهري بين الاسلام وبين باقي دينات البشر- ومنها شقيقتاه اليهودية والمسيحية. فالأولى غير تبشيرية، والثانية تقوم داخلياً على مبدأ الاعتراف، بما يحف به من عناصر الندم حضور الضمير. وخارجياً تقوم على المحبة والتسامح والغفران حتى للأعداء. أما الاسلام فلا يكون الا بتلازم المصحف والسيف( العقيدة مطبقة بالقوة، عبر فرض الشريعة الاسلامية بدلاً عن قوانين البشر)؛ وعلى مساحة المعمورة-أرض الله.

Ali Deep10.09.2018 | 22:10 Uhr