كتاب الأمريكي مايكل محمد نايت: لماذا أنا سلفي

بحث مفصل في الإسلام وغوص تساؤلي في النصوص الدينية

عُرِفَ الروائي والكاتب مايكل محمد نايت بآرائه الاستفزازية. وقد كتب بإسهاب حول البحث في إيمانه الخاص، وفي كتابه الأخير "لماذا أنا سلفي" يعمق هذا البحث وفي الوقت ذاته ينقُض العديد من الأحكام المسبقة حول الإسلام. ريشارد ماركوس يسلط الضوء لموقع قنطرة على كتاب "لماذا أنا سلفي" الذي يعتبره الأكثر نضجا في كتابات مايكل محمد نايت.

تبدو مهمة الكتابة بشكلٍ موضوعيٍ عن شيءٍ ذاتيٍّ إلى حدٍّ بعيدٍ مثل الإيمان أو الدين مهمةً شبه مستحيلةٍ، إذ أنَّ الناس تـُطالَبُ من خلال فكرة الدين بحدِّ ذاتها بالتخلي عن الموضوعيَّة بشكلٍ أو بآخر وبالقبول بأفكارٍ ومبادئ ليس لها تفسيرٌ منطقيٌ ولا يكاد يوجد لها أساسٌ واقعيٌ. وتكمن إحدى المشاكل المتأصلة في دراسة الدين في أنَّ المصادر لا يمكن اعتبارها موضوعيَّة، لأنـَّها إما تكون مكتوبةً من قِبَلِ أتباع الدين المعني أو من قِبَلِ منتقديه.

كتب مايكل محمد نايت، الذي اعتنق الإسلام وهو في الخامسة عشرة من عمره، في سلسلة من الروايات والكتب المختصة حول البحث في الدين الذي اختاره: بدءًا بأحد فروع إسلام السود الأمريكيين في كتابه "لماذا أنا من جماعة أمة الخمسة في المئة"، وحتى ظاهرة "البيتنيكس" في خمسينيات القرن الماضي وإدراكها الإسلام تحت تأثير المخدرات في كتابه "ويليام بوروز ضد القرآن" وجميع أنواع المحطات بينهما. بيد أنَّه لم يقدِّم في هذه الدراسات تحليلًا عميقًا لتاريخ وأسس مسألة معنى أنْ يكون المرء مسلمًا، كما يفعل في كتابه الجديد "لماذا أنا سلفي"، الذي صدر عن دار سوفت سكل برس للنشر.

عنوانٌ مفاجئٌ

غلاف كتاب الأمريكي مايكل محمد نايت: لماذا أنا سلفي (source: Soft Skull Press)
"لماذا أنا سلفي" هو العمل الأكثر نضجًا بين أعمال مايكل محمد نايت، وذلك ليس لأنَّه يستمر ببحثه الشخصي في الدين الذي اختاره وحسب، بل لأنَّه يفعل ذلك بأسلوبٍ يُزيل الكثير من الافتراضات الخاطئة عن الإسلام.

عنوان الكتاب من شأنه أنْ يثير الاستغراب بسبب ما عُرف عن مايكل محمد نايت بأنَّه مصدر إلهامٍ لموسيقى البانك روك الإسلاميَّة «تقوى كور» وتقاريره حول تعاطي المخدرات لزيادة التقرُّب من الله. على أيَّة حالٍ جرت مساواة السلفيين مع الإسلام المتعصِّب على نحوٍ متزايدٍ في السنوات الأخيرة وبالتالي مع الجماعات المتطرفة. وقد جاء شرح نايت الأول لعنوان كتابه كعادته محطمًا لبديهيات قواعد معروفة، فهو يرى أنَّ السلفيين اليوم يُعتبَرون خارج التيار الديني الرئيس، ولعلَّه ينتمي لهم بالضبط لأنَّه لطالما اعتـُبِرَ خارج سياق المجتمع.

بيد أن الواقع بعيدٌ جدًا عن هذا الشرح الذي يكاد يكون سطحيًا. فبحسب شرحه يعتمد السلفيون عند البحث عن مصادر موثوقةٍ على حياة وأفعال النبي في الأجيال الثلاثة الأولى من الإسلام، المعروفة بصحابة النبي محمد، والتابعين لهؤلاء الصحابة والتابعين لأولئك التابعين. وبناءً على ملاحظات الأجيال الثلاثة الأولى هذه، تمَّ وصف حياة النبي اليوميَّة حتى أدقِّ تفاصيلها في مجموعةٍ واسعةٍ من الأعمال، تـُعرف بالأحاديث (النبوية).

ينشغل مايكل محمد نايت بالحديث من خلال قبوله بمبدأ المزيد من التقرُّب إلى محمد الذي يؤدي أيضًا إلى المزيد من التقرُّب إلى إيمانه المختار، إلا أنَّه سرعان ما يصطدم بمشكلة: إذا تم تناقل مجريات حياة محمد عبر هذه الأجيال الثلاثة الأولى شفويًا، فما مدى دقتها بعد وصولها إلينا اليوم؟ يستشهد نايت عبر هذه السنوات بمختلف العلماء والمصادر التي تحتوي تقاريرَ كهذه عن حياة النبي وتتضمّن حججًا مؤيدةً كما تتضمن حججًا رافضةً - وجميعها مقنِع. فكيف يستطيع المرء إذًا معرفة ما يجب الإيمان به، وما يجب رفضه؟

بعد أنْ فاق عدد أسئلة مايكل محمد نايت من خلال تحليلٍ دقيقٍ للأحاديث عدد الإجابات التي توصَّل إليها، يأخذنا معه في رحلةٍ عبر مصادره الشخصيَّة، وهي الكتب والنصوص التي أدَّت إلى اعتناقه الدين الإسلامي والتي شكلَّت رأيه بالإسلام. وكانت موارده متنوعة مثل "السيرة الذاتيَّة لمالكوم إكس" (الكتاب الذي دفعه إلى اعتناق الإسلام)، وترجمة القرآن ونصوص مختلفة حول معنى أنْ يكون المرء مسلمًا.

عندما يعود مايكل محمد نايت إلى هذه الكتب بعد مرور عشرين عامًا، لا يتبيَّن له فقط أنها كانت مكتوبةً من قِبَلِ أناسٍ لم يكونوا موضوعيين، فحتى أنَّ ترجمة القرآن إلى اللغة الإنجليزيَّة كانت تفسيرًا، بل أيضًا أنه هو نفسه قد جلب معه سماتٍ شخصيَّةً شاركت في تكوين شخصيته الإسلاميَّة.

غلاف كتاب مايكل محمد نايت: "شيطانٌ أزرق العينين: طريق أوديسي عبر أمريكا الإسلاميَّة"  (source: Soft Skull Press)
كتب مايكل محمد نايت بنجاحٍ باهرٍ مقالاتٍ ورواياتٍ منها "شيطانٌ أزرق العينين: طريق أوديسي عبر أمريكا الإسلاميَّة"، تناول فيها تجوالَه مسافة عشرين ألف ميلٍ عبر الولايات المتحدة الأمريكيَّة، والتي سجل فيها تقارير عن تاريخ أمريكا والإسلام.

بحثٌ مفصلٌ في الإيمان

كتب مايكل محمد نايت بنجاحٍ باهرٍ مقالاتٍ ورواياتٍ منها "شيطانٌ أزرق العينين: طريق أوديسي عبر أمريكا الإسلاميَّة"، تناول فيها تجوالَه مسافة عشرين ألف ميلٍ عبر الولايات المتحدة الأمريكيَّة، والتي سجل فيها تقارير عن تاريخ أمريكا والإسلام.

إنَّ تلخيص كتابٍ كهذا لا يمكنه ربما أنْ يوفيه الحق الذي يستحقه العمل في الواقع. أما عرض أفق أبحاث وأفكار نايت دون سبر الموضوع بعمق مماثل فيكاد يكون غير ممكن.

لكن ربما كانت التفاصيل ليست مهمةً مقارنةً بمسألة بذله الجهد في سبيل إنجاز هذا العمل. وربما اعتبر البعض أنَّ بحثه التساؤلي في حقيقة النصوص المختلفة مؤشرٌ على عدم إيمانه، حتى وإنْ كان الواقع عكس ذلك. إنَّ وصفه لمشاعره عندما يصلِّي في المسجد، أو كيف أنَّ بعض آيات القرآن تدفعه للبكاء، يوجب إزالة أيِّ شكٍ بعمق وصدق إيمانه.

أولئك الذين يعرفون أعمال نايت السابقة والتي اتسمت بأسلوب سردها السلس والمباشر والعفوي عليهم أنْ يتوقعوا شيئًا آخر في كتاب "لماذا أنا سلفي"، فبينما يأخذنا نايت معه في عملية التفكيك وإعادة التركيب وعبر تاريخ الإسلام الاجتماعي والسياسي وصعود وسقوط المذاهب المختلفة تأخذ كتابته منحًى بطيئًا، وينسحب هذا الأسلوب على دراسته المتأنيَّة لنشوء الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكيَّة.

لكنْ من وقتٍ لآخر يبدو وأنَّه يهاب العقبات التي تفرضها مبادئ البحوث الأكاديميَّة على كتابته. وربما يُعتبر هذا تعبيرًا على انفصامٍ غريبٍ في شخصيته، ولكنَّ الحقيقة مختلفةٌ عن ذلك، إذ يحاول مايكل محمد نايت على مدى الجزء الأكبر من الكتاب أن يحلـِّل إيمانه عقلانيًا، لكنه يثبت بعد ذلك لنفسه ولقرَّائه أنَّ الدين والإيمان ليسا أمرين يمكن تفكيكهما وإعادة تركيبهما، فعلى الرغم من القدرة على تحليل النصوص ومناقشة تاريخها، إلا أنَّها بالنسبة للإيمان ليست سوى أساسٍ أو نقطة انطلاق.

الشيء الرائع في هذا الكتاب وفي صياغات نايت الأدبيَّة أنَّ صوته لا يتغيّر أبدًا، فسواء أكان يبحث في الأساليب المختلفة الممكنة لترجمة كلمةٍ عربيَّةٍ إلى اللغة الإنكليزيَّة وكيف تُغيِّر الترجمة معنى النص، أم كان يكتب عن الهلوسة عند تعاطي المخدرات، فيمكن للقارئ أنْ "يسمع" دائمًا الشخص من كل جوانبه، حتى وإنْ انعدم الشك بالحاجة إلى الوقت من أجل استيعاب الكتاب والتفكير به، إلا أنَّه ما من شأن أحدٍ آخر غير نايت أنْ يكتب في هذا الموضوع ويجعله قريبَ المنال هكذا أصلًا، فهو يعرض مضامين علميَّةٍ بأسلوبٍ تعبيريٍ شغوفٍ وغير جافٍ، فيجعلها مثيرةً للاهتمام حتى بالنسبة لغير المسلمين.

على الرغم من عدم الإجابة عن سؤال "لماذا أنا سلفي" المطروح في العنوان، كما قد يتوقع المرء في البداية، وحتى وإنْ كان من شأن كثرٍ الاعتراض على الإجابة بشدِّة، ينبغي أن يقرأ الكتاب جميع المهتمون بالدين بشكلٍ عامٍ وكلُّ من يودُّ أنْ يفهم الإسلام بشكلٍ أفضل. ربما كان هذا العمل الأكثر نضجًا بين أعمال نايت، وذلك ليس لأنَّه يستمر ببحثه الشخصي في الدين الذي اختاره وحسب، بل لأنَّه يفعل ذلك بأسلوبٍ يُزيل الكثير من الافتراضات الخاطئة عن الإسلام.

 

ريشارد ماركوس

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: قنطرة 2015   ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.