ما وراء حملة المقاطعة بالمغرب - ميلاد وعي شعبي جديد

زعزعة لوبي اقتصادي قوي ومتنفذ في المغرب

منتجات ثلاثة. استهدفتها حملة مقاطعة شعبية مغربية. لها دلالات في الساحة السياسية. فشركة المحروقات لوزير مملوكة. وشركتا الحليب والمياه المعدنية أيضا من دوائر القرار السياسي مقربة. صيغة احتكارية في السوق المغربية. حملة مقاطعة أظهرت أن خيال المواطن العادي أكبر مما تتخيله السلطة. فقدرته على ابتكار أشكال للدفاع عن نفسه لا متناهية. محمد طيفوري يحلل دلالات هذه المقاطعة الشعبية الاقتصادية لموقع قنطرة.
أحدث "النضال الافتراضي" الذي خاضه شريحة واسعة من المجتمع المغربي؛ طيلة لما يزيد عن شهر، بعد قرارهم مقاطعة منتجات ثلاث شركات (المحروقات، الحليب، المياه المعدنية)، هزة في المشهد السياسي المغربي. خاصة بعدما تمكّن من زعزعة لوبي اقتصادي قوي ومتنفذ في البلاد؛ مسنود بأذرع سياسية وإعلامية كبيرة.
 
لقد كشفت هذه المقاطعة، التي انطلقت بشكل عفوي وتلقائي، عن تشكل وعي جمعي في أوساط المجتمع، بوجود اختلالات اقتصادية بنيوية، وشعور بأن اللعبة في الاقتصاد المغربي مغشوشة، وبأن النموذج التنموي المعمول به طيلة العهد الجديد؛ منذ 1999 إلى اليوم، أضحى عاجزا عن مواكبة التطورات المتلاحقة.
 
معالم ثقافة سياسية جديدة قيد التشكل
 
تبدو حملة المقاطعة ظاهريا مجرد حركة عفوية مستقلة، انخرطت فيها الفئات العريضة والمهمشة من المغاربة ممن وجدو أنفسهم معنيين بمطالبيها، بغرض الضغط على الجهات المعنية قصد مراجعة أسعار المواد الاستهلاكية، ولفت انتباه الحكومة إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطنين. لكن إمعان النظر في مجريات الحملة منذ انطلاقها، يكشف عن معالم ثقافة سياسية جديدة قيد التشكل، في أوساط المجتمع المغربي.
 
احتجاج على التهميش الاقتصادي في المغرب.
ميلاد وعي شعبي جديد بالاحتجاج على التهميش الاقتصادي في المغرب: إننا أمام لحظة تؤسس لميلاد وعي شعبي جديد لدى المغاربة، ينذر أنصار السلطوية بأن الحلم باستعادة زمام الأمور، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 20 فبراير 2011 لن يكون سهلا، مع جيل تذوق نسيم الحرية، وهتف من أجل الكرامة، وتطلع إلى الديمقراطية مع ثورات الربيع العربي، كما يرى محمد طيفوري. من جانبها، دعت الحكومة المغربية المواطنين إلى "تفادي مزيد من الضرر للفلاحين" و"الاستثمار الوطني"، على خلفية تداعيات مقاطعة حليب "دانون"، الشركة المستحوذة على حصة كبيرة من السوق المغربية في إطار حملة تستهدف كذلك شركتي "أفريقيا" لمحطات الوقود و"سيدي علي" للمياه المعدنية.
استطاع المغاربة أن يبعثوا في هذه الحملة، إلى من يهمهم الأمر في الدوائر العليا لصناعة القرار السياسي في البلاد بالعديد من الرسائل؛ منها المباشرة وأغلبها مشفرة، بشكل سلمي وحضاري. ما على المخاطب بمضامينها سوى التفاعل معها، بقرارات تستجيب لما تفرضه تحديات المرحلة الراهنة.
 
الرسالة الأولى: الفصل بين التجارة والسياسية
 
تعود أصول هذا المبدأ إلى مؤسس علم العمران عبد الرحمان ابن خلدون؛ الذي صاغه في عبارة بليغة "تجارة السلطان مضرة بالرعية". وهو ما طالب به المغاربة من خلال هذه المقاطعة الاقتصادية التي طالبت بفسخ زواج المال بالسياسة، لأنه زواج غير شرعي، ودون عقد اجتماعي واضح المعالم والحدود.
 
يرى المقاطعون أن أصل المشكل يكمن في الخلط بين السلطة والثروة، عبر استغلال نخب الحظوة لقربها من مصادر القرار السياسي في البلاد للاستفادة الشخصية، وتنمية ثرواتهم من دون الأخذ بعين الاعتبار المسؤولية الاجتماعية لنشاطهم التجاري، ولا مصلحة الوطن ولا المواطنين.
 
تتضح هذه الرسالة بجلاء عند النظر إلى نوعية المنتجات الثلاثة التي استهدفتها الحملة، ودلالات أصحابها في الساحة السياسية بالمغرب. فشركة المحروقات مملوكة لوزير لم يغادر الحكومة منذ 2007، وزعيم حزب سياسي يمثل النخبة الاقتصادية، وشركة المياه المعدنية تملكها رئيسة الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب، وشركة الحليب ترمز إلى الاستعمار الفرنسي. تلتقي هذه الشركات الثلاث التي شملتها حملة المقاطعة في قربها من دوائر القرار السياسي من ناحية، وممارستها بصيغة من الصيغ للاحتكار في مجال اشتغالها بالسوق المغربية.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.