مبادرات سلام من أجل سوريا

الهدنات المحلية حلحلة للمعضلة السورية بشرط المراقبة الأممية

لا يزال الحل الشامل للأزمة السورية بعيد المنال. كما أن تجميد القتال لن ينجح من دون مراقبة تتولاها الأمم المتحدة. ومن أجل التخفيف من معاناة الشعب السوري وبناء الثقة في المفاوضات، لا بد من تنفيذ مبادرات السلام المحلية بمساعدة دولية، بحسب رأي الخبيرة في الشؤون السورية كريستين هيلبيرغ في تعليقها التالي لموقع قنطرة.

"استراتيجيات السلام" كلمة كبيرة. وهي كبيرة جدًا بالنسبة لما يجري حاليًا في سوريا وما حولها. ولكن على أية حال توجد محادثات وأفكار جديدة، من الممكن أن تساهم إلى حدّ ما في التخفيف من معاناة السوريين - بشرط ألاَّ يتم دعمها بالكلمات فقط.

هناك ثلاثة تطوُّرات تسير في الوقت نفسه: أولاً تحاول روسيا جمع ممثِّلين عن النظام السوري وعن المعارضة حول طاولة المحادثات في موسكو. وثانيًا تناقش أهم مجموعات المعارضة السورية خارطة طريق من أجل تغيير النظام في دمشق تغييرًا تدريجيًا. وثالثًا يدعو المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، إلى تجميد الصراع محليًا، من أجل إيقاف تقدُّم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتمهيد الطريق للمفاوضات.

من النظرة الأولى لا يبدو كلُّ هذا مقنعًا جدًا، بيد أنَّ مَنْ يمعن نظره، يلاحظ وجود بعض الفرص، التي توجد من بينها فرصة تكمن في موسكو، ولكن ليس بفضل هذا المؤتمر الذي يجمع المعارضة والنظام في موسكو. تعتبر المحادثات بين النظام والمعارضة في الوضع الراهن إضاعة وقت. فالرئيس بشار الأسد يرفض تسليم السلطة ولا يوجد أي معارض جاد على استعداد للمشاركة في الحكم تحت قيادة الأسد. زد على ذلك أنَّ كلا الطرفين لا يملكان سوى تأثير محدود على الحرب في سوريا.

إنَّ المتمرِّدين في سوريا لا يبالون بما يُقرِّره الائتلاف الوطني في الخارج، وهذا الأمر بات معروفًا لدينا على أبعد تقدير منذ مؤتمر سوريا الأخير الذي باء بالفشل في شهر شباط/ فبراير 2014. ولكن في هذه الأثناء لم يعد الأسد أيضًا يسيطر على القوَّات التي تقاتل إلى جانبه. والنظام يعاني من نفاد المال والجنود.

 في جوبر بدمشق ، الأسد مع وحدات الدفاع الوطنية.  Foto: picture-alliance/dpa/EPA/SANA
خسائر فادحة في سيطرة النظام - "يعود الفضل في تمكُّن الأسد من الحفاظ على بعض المناطق واستعادة مناطق أخرى إلى مؤيِّديه الأجانب وليس إلى تأييده في داخل البلاد. وحتى أنَّ الكثيرين من العلويين في الساحل تعبوا من التضحية بأبنائهم من أجل احتفاظ الأسد بالسلطة - أما الذين يقاتلون بمحض إرادتهم فلا يزالون يفعلون ذلك فقط من أجل حماية أهاليهم في اللاذقية وطرطوس، ولكن ليس لإستعادة الرقة من تنظيم الدولة الإسلامية"، بحسب كريستين هيلبيرغ.

انهيار سيطرة الأسد التامة

وبصرف النظر عن بعض وحدات النخبة، التي تخضع للرئيس بصورة مباشرة، لم يعد هناك أي وجود للجيش العربي السوري. أمَّا القوَّات المتبقية فيتم توجيهها من قبل إيران، وإلى جانب هذه القوَّات يحارب حزب الله اللبناني وقوَّات الدفاع الوطني NDF - وهي ميليشيات محلية تكوَّنت من "الشبيحة" وكذلك من قوَّات الدفاع المدني المنظمة على أساس طائفي. وبعض قادتها أصبحوا - من خلال الدفاع عن مناطق معيَّنة وإيرادات التهريب والابتزاز وعمليات الخطف - أقوياء إلى درجة أنَّهم باتوا ببساطة يتجاهلون الأوامر التي تصدر من دمشق وتتعارض مع مصالحهم. وهكذا تنهار سيطرة الأسد التامة.

وهنا بالضبط تكمن الفرصة مع روسيا. وذلك لأنَّ بعض المعارضين، الذين سافروا في الأسابيع الماضية إلى موسكو، حاولوا أن يبيِّنوا لممثِّلي الكرملين: أنَّ الأسد غير قادر على تحقيق الاستقرار في سوريا، ولا يستطيع هزيمة الإرهاب وإحلال السلام في البلاد، لأنَّه لم يعد "مسيطرًا"، بل أصبح يعتمد على الآخرين.

وفي الحقيقة يعود الفضل في تمكُّن الأسد من الحفاظ على بعض المناطق واستعادة مناطق أخرى إلى مؤيِّديه الأجانب وليس إلى تأييده في داخل البلاد. وحتى أنَّ الكثيرين من العلويين في الساحل تعبوا من التضحية بأبنائهم من أجل احتفاظ الأسد بالسلطة - أما الذين يقاتلون بمحض إرادتهم فلا يزالون يفعلون ذلك فقط من أجل حماية أهاليهم في اللاذقية وطرطوس، ولكن ليس لاستعادة الرقة من تنظيم الدولة الإسلامية.

تحاول موسكو تقسيم المعارضة السورية بغية حمل بعض أعضائها على المشاركة في حكومة وحدة وطنية مزيَّفة يقودها بشار الأسد - و(المرجوّ) هنا أن تبوء هذه المحاولة بالفشل. أمَّا مجموعات المعارضة الرئيسية الثلاث - أي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وتيار بناء الدولة السورية - فلا تزال تصارع من أجل خطة مشتركة. بيد أنَّ هذه المجموعات الثلاث متَّفقة على أنَّ انسحاب الأسد لا يمكن أن يكون شرطًا مسبقًا لإجراء محادثات، ولكنه يجب أن يكون بكلِّ تأكيد نتيجة منطقية لانتقال سياسي حقيقي.

مخيم لللاجئين في الكرامة على الحدود السورية التركية. Foto: Reuters/K. Ashawi
حصاد الرعب - بحسب معلومات المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، فقد أسفرت الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ نحو أربعة أعوام عن قتل مائتين وعشرين ألف شخص، وتشريد أكثر من عشرة ملايين مواطن سوري هربوا من العنف - بحسب بيانات الأمم المتَّحدة.

إعادة توزيع السلطة على نحو تدريجي

ولهذا السبب يجب على موسكو أن تُعيد تفكيرها وأن تدرك أنَّ إنقاذ الدولة السورية لا يرتبط باحتفاظ الأسد بالسلطة. بل على العكس من ذلك. إذ إنَّ الذي يريد المحافظة على هياكل الدولة في سوريا يجب عليه أن يعمل من أجل إعادة توزيع السلطة على نحو تدريجي، وتحديدًا ليس على نطاق واسع، بل على نطاق ضيِّق.

وبهذا سوف نكون قد وصلنا إلى المسألة الثالثة، أي تجميد القتال وخوض تجارب وقف إطلاق النار والهدنات المحلية. لقد أدرك ستيفان دي ميستورا أنَّ الحلَّ الشامل للأزمة السورية يعتبر أمرًا غير واقعي في الوقت الراهن. وفكرته المتمثِّلة في تجميد القتال أولاً في حلب تبدو فكرة جيدة - فالحياة اليومية من دون البراميل المتفجِّرة والقنَّاصة ستكون بالنسبة للأهالي مصدر ارتياح كبير. ولكن مع ذلك فإنَّ وقف إطلاق النار بشكل دائم يبدو أمرًا غير واقعي، طالما لم يتم استخلاص الدروس الصحيحة من التجارب التي تم خوضها حتى الآن مع الهدنات السابقة.

ومن أجل فهم الوضع بشكل أفضل تجدر الإشارة إلى وجود العشرات من المبادرات المحلية في جميع أنحاء سوريا. وفي هذه المبادرات تتفاوض الأطراف المدنية الفاعلة والمتمرِّدون وممثلو النظام والجيش وقوَّات الدفاع الوطني الآنفة الذكر على اتِّفاق لوقف إطلاق النار في تشكيلات مختلفة. وفي الأشهر الماضية تم إجراء العديد من الدراسات حول إبرام هذا الاتِّفاق وجدواه وقد وصلت على الرغم من الآراء المختلفة إلى نتائج متشابهة:

أولاً، إنَّ معظم اتِّفاقيات وقف إطلاق النار والهدنات يتم فرضها من قبل النظام في منطقة ما من خلال عمليات محاصرتها وتجويعها وقصفها المكثَّف. ثانيًا، كثيرًا ما يفرض النظام شروطًا تعتبر بالنسبة لجماعات المعارضة والمتمرِّدين المحلية بمثابة استسلام. ثالثًا، لا يتم تحديد شكل التنفيذ على نحو مفصَّل بما فيه الكفاية ولا تتم مراقبته من قبل أية هيئة مستقلة، بحيث لا يتم تحقيق الاتِّفاقيات أو بالأحرى يتم خرقها (من خلال الإبقاء على المساعدات الإنسانية قليلة للغاية وعدم إخلاء المدنيين بشكل تام وعمليات اعتقال المتمرِّدين أو قتلهم في وقت لاحق وكذلك تجديد الحصار). رابعًا، تقوم على كلا الطرفين الجماعات المتطرِّفة أو الداعمون الإقليميون (إيران وتركيا) بعرقلة أو تقويض عملية الاتِّفاق، عندما يعرِّض هذا الاتِّفاق مصالحها الخاصة للخطر. وخامسًا، كثيرًا ما تستغل جميع الأطراف المتحاربة عملية وقف إطلاق النار فقط من أجل التسلح والاستعداد لمعارك أخرى. فجميع الأطراف الفاعلة لا تملك إرادة السلام.

المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا. Foto: Fabrice Coffrini/AFP/Getty Images
رحَّب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، بمؤتمر موسكو حول سوريا باعتباره مبادرة جادة. وقال إن من الممكن البدء في موسكو بحوار قابل للحياة بين الطرفين. وستيفان دي ميستورا يدعو حاليًا لخطته الرامية إلى "تجميد" النزاع. ولكنه اضطر إلى الاعتراف بعدم موافقة أي طرف حتى الآن على خطة التخفيف من حدة التصعيد.

من أجل التفاوض محليًا على هدنة

ولكن مع ذلك فإنَّ النهج المحلي صحيح. وذلك لأنَّ الاستعداد للتفاوض مع العدو والتوصُّل إلى حلول وسط يعتبر لدى الأهالي المنهكين من الحرب داخل سوريا أكبر بكثير من استعداد السياسيين والقادة، الذين يطالبون من أماكنهم البعيدة عن الحدث بمطالب قصوى غير واقعية ويعملون بالتالي على إطالة فترة الصراع. وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ ظروف المعيشة والتركيبة الاجتماعية وكذلك موازين القوى السياسية والعسكرية في سوريا تختلف كثيرًا بحسب المناطق، بحيث لا يمكن التوصّل إلى حلّ ساري المفعول في عموم البلاد.

وبما أنَّ وصفات الحلول المقرَّرة من أعلى تسير إلى الفراغ، ينبغي بدلاً عن ذلك تعزيز دور الأطراف المدنية الفاعلة ميدانيًا - مثل اللجان المحلية والمجالس البلدية والقروية والزعماء الدينيين ورجال الأعمال المؤثرين وكذلك شيوخ القرى وزعماء العشائر. فقد أظهرت الدراسات أيضًا أنَّ اتِّفاقات وقف إطلاق النار تتم قبل كلِّ شيء هناك وأنَّ مصلحة الأهالي تؤخذ في عين الاعتبار حيث توجد هياكل مدنية قوية.

أمَّا الرؤية التي تنتج عن ذلك فتبدو على هذا النحو: يتم التفاوض محليًا على هدنة لوقف إطلاق النار، ولكن يتم فرضها ومراقبتها من قبل هيئة محايدة لديها تفويض قوي من هيئة الأمم المتَّحدة. وهذه الهيئة تقوم بمراقبة وبتمويل قدرة الإدارات والبنية التحتية على العمل. وتستمر دوائر الأحوال المدنية والمحاكم والشرطة ومحطات توليد الطاقة وسلطات المياه ... إلخ في مواصلة عملها، ويتم إصلاحها أو إعادة بنائها.

والهدف من ذلك هو المحافظة على الهياكل الحكومية من دون أن يتم الاستيلاء على هذه الهياكل من قبل نظام الأسد. وعلى هذا النحو ينشأ من وقف إطلاق النار بديل سياسي جدير بالثقة مع حياة يومية سائرة ورسالة فعَّالة مفادها أنَّ المفاوضات مجدية وجديرة بالاهتمام!

ولكن إذا استمر ستيفان دي ميستورا في حديثه حول تجميد المعارك، من أجل العمل بشكل جماعي ضدَّ تنظيم الدولة الإسلامية، فهذا يعني أنَّه لم يفهم دينامية الأشهر الماضية. وذلك لأنَّ محاربة إرهاب الجهاديين مع تجاهل إرهاب الأسد تؤدِّي إلى الاستمرار فقط في جعل السوريين - المدنيين منهم والمتمرِّدين - يصبحون متطرِّفين. فالأسد يتحمَّل المسؤولية الرئيسية عن العنف في سوريا، ولذلك لا يجوز صرف النظر عن إنهاء حكمه.

وفي الحقيقة إنَّ هدنات وقف إطلاق النار المحلية تتيح الفرصة لخلق موازين القوى الجديدة على خطوات صغيرة. ولذلك يجب على ستيفان دي ميستورا أن يبذل كلَّ شيء من أجل كسب مجلس الأمن الدولي - بما فيه روسيا - لصالح دعم هذه الهدنات.

 

 

كريستين هيلبيرغ 

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2015

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.