كان لا يزال يعيش في المدينة العتيقة إبَّان الاستقلال في عام 1956 نحو مائة ألف شخص، ولكن انخفض عددهم اليوم إلى ثلاثة وعشرين ألف شخص فقط. حيث انتقلت في الفترة بين السبعينيات والتسعينيات العائلاتُ المعروفة باسم "بلدية"، وهي العائلات العريقة من الطبقة العليا في تونس العاصمة، إلى الضواحي الباهظة الثمن الواقعة على البحر. وسكنت محلهم عائلات باعة الهدايا التذكارية وعائلات الطبقة المتوسطة الدنيا المنحدرة في الغالب من مناطق ريفية، والتي وجدت أماكن للسكن بسيطة ورخيصة الثمن تقع في مركز المدينة العتيقة.
 
المهندس المعماري والعضو المؤسِّس في جمعية "Edifices et Memoires" (مبانٍ وذكريات)، أمين تركي. Foto: Sarah Mersch
يقول المهندس المعماري والعضو المؤسِّس في جمعية "Edifices et Memoires" (مبانٍ وذكريات)، أمين تركي مشتكيًا: "الدولة تمنح الأولوية للسياحة، ولكن السياحة لا يجوز أن تصبح غاية في حدِّ ذاتها، لأنَّ هذا سيركِّز الاهتمام فقط في الحفاظ على واجهات جميلة".
 
"قرية بوتيمكين" على الطراز التونسي
 
شهد أيضًا الجزء الجنوبي، الأضعف اجتماعيًا في المدينة العتيقة، تنفيذ بعض إجراءات التجديد في الأعوام الأخيرة، ولكنها كانت مجرَّد إجراءات سطحية. وحول ذلك يقول هومبِرت: "الإجراءات التي تم تنفيذها من قِبَل الوكالة الفرنسية للتنمية كانت في معظمها ذات طبيعة تجميلية. كثيرًا ما يشاهد المرء [من الخارج] جدرانًا مطلية ذات نوافذ وأبواب ملوَّنة وجميلة، ولكن لا توجد خلفها سوى أطلال".
  
تُشكِّل البيوت والمباني سيئة الصيانة أو حتى المتهدِّمة مشكلةً تتفاقم أكثر، ليس فقط في المدية العتيقة، ولكن أيضًا في الأحياء القديمة، التي تعود لحقبة الاستعمار وتحيط بالمنطقة التاريخية. لقد نشرت الحكومة التونسية مؤخرًا مشروع قانون يُسهِّل هدم المباني المعرَّضة لخطر الانهيار من أجل حماية السكَّان. ولكن لقد واجه هذا القانون معارضة قوية. إذ يخشى منتقدوه من أن يُقدِّم هذا القانون بسرعة تصريحًا مطلقًا للمضاربين العقاريين.
 
يعمل أمين تركي، وهو مهندس معماري وعضو مؤسِّس في جمعية "Edifices et Memoires" (مبانٍ وذكريات)، من أجل الحفاظ على المباني التاريخية. ويسعى إلى زيادة وعي السكَّان وصانعي القرار بالقيمة التاريخية لهذه المباني. تنظِّم جمعيَّته حاليًا وبالتعاون مع معهد غوته سلسلة من الفعاليات الفنية والنقاشات في مبانٍ تاريخية، مثل كازينو "حمام الأنف" السابق، الذي يقع في مدينة حمام الأنف جنوبي تونس العاصمة. لقد تم فتح هذا المبنى للجمهور من أجل هذا الغرض بالذات.
 
يقول أمين تركي إنَّ انتعاش الاهتمام حاليًا من جديد في المدينة العتيقة يرتبط بالعودة الأكثر انتشارًا إلى التقاليد، والتي تشهدها تونس منذ ثورة عام 2011. ولكن مع ذلك فإنَّ الأحياء التي تعود لحقبة الاستعمار مع مبانيها المتأثِّرة بطراز الفن الجديد (الآرت نوفو) والآرت ديكو فيتم تجاهلها بالكامل.
 
نقص سياسة التطوير الحضري
 
يقول أمين تركي إنَّ "الدولة تمنح الأولوية للسياحة، ولكن السياحة لا يجوز أن تصبح غاية في حدِّ ذاتها، لأنَّ هذا سيركِّز الاهتمام فقط في الحفاظ على واجهات جميلة". ويضيف أنَّ التقييم السياسي التاريخي للحقبة الاستعمارية لا يجوز أن يكون معيارًا لتقييم المباني التي يجب الحفاظ عليها.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.