مبدأ اللاعنف في الإسلام

علماء مسلمون على خطى غاندي

يواجه المسلمون تحديا كبيرا حول علاقة الإسلام بالعنف منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وما تلاها من بروز للإسلاموية. وتوجد العديد من الأصوات لعلماء مسلمين يبحثون موضوع اللاعنف في الإسلام بشكل علمي مؤصَّل له في الدين الإسلامي. الصحفية الألمانية كلاوديا مينده تسلط الضوء في عرضها التالي لموقع قنطرة على علماء دين مسلمين بحثوا في مبدأ اللاعنف والدفاع عن النفس في الإسلام.

يعتبر العالم السوري الشيخ جودت سعيد من أشهر رواد مبدأ اللاعنف استنادا إلى مصادر دينية إسلامية. ولد سعيد في سوريا عام 1931 ودرس بجامعة الأزهر في العاصمة المصرية القاهرة وأنهى دراسته عام 1957. وعاش سعيد خلال تلك الحقبة تصاعد حدة التوترات بين جماعة الإخوان المسلمين وبين نظام جمال عبد الناصر آنذاك. وتابع عن كثب كيف تسبب تسلح جماعة الإخوان، في إعطاء الذريعة لعبد الناصر لممارسة المزيد من قمع الدولة.

وصدر لجودت سعيد كتاب "مذهب ابن آدم الأول أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي" في عام 1964، ويعتبر هذا الكتاب من أهم أعمال سعيد وكان بمثابة دحض مباشر لأفكار سيد قطب، أحد مؤسسي فكرة "الإسلام المسلح". ولم ينكر سعيد أن القرآن يكفل الحق في الدفاع عن النفس ولكن العالِم الذي يوصف بـ"غاندي العربي" يدعو بالرغم من ذلك إلى التخلي التام عن العنف. ويتركز فكر سعيد على أن دولة القانون الديمقراطية هي الحل الأنسب الذي يرسم الإطار السياسي لحل الصراعات بطرق سلمية.

ولجودت سعيد العديد من الكتب المنشورة والتي أثارت مناقشات في العالم العربي، لكن هذه الكتب تكاد تكون غير معروفة على الإطلاق في العالم الغربي بالرغم من أن بعضها مترجم للإنجليزية. وعمل سعيد في صفوف المعارضة الديمقراطية في سوريا لكنه بالرغم من ذلك لم يتمتع بشهرة واسعة خارج أوساط المفكرين، كما وقع مع شخصيات معارضة أخرى، على إعلان دمشق في عام 2005.

ظهور مفاجئ خلال الثورة السورية

Jawdat Said; Foto: wikipedia
غاندي العربي: لا ينكر جودت سعيد أن القرآن يمنح الحق في الدفاع عن النفس، لكنه مع ذلك يدعو للتخلي التام عن العنف.

ورغم أن جودت سعيد ظل في الظل لسنوات طويلة في سوريا، إلا أن مقتطفات من أعماله بدأت تظهر على اللافتات المختلفة خلال المظاهرات المناهضة للأسد في آذار/مارس عام 2011 ، كما يقول محمد سمير مرتضى من مؤسسة "فيلت إتوس" الألمانية، والباحث في مجال اللاعنف في الإسلام.

ودأب سعيد على مطالبة المتظاهرين، بالتعبير عن مطالبهم بشكل سلمي وعدم الرد بعنف على اعتداءات النظام. وعندما تحولت الثورة السورية إلى حرب مسلحة نتج عنها تدمير بيت سعيد في قرية بئر عجم، فر العالم إلى تركيا حيث يعيش حتى الآن في اسطنبول.

وفي الهند طور وحيد الدين خان (المولود عام 1925 في ولاية أُتَر برادِش) فكرا إسلاميا سلميا استقاه من مصادر صوفية، حصل من خلاله على العديد من التكريمات. ويشدد خان، وهو مؤسس مركز السلام والروحانيات في نيوديلهي، دوما على أن اللاعنف هو الخيار الوحيد المقبول حاليا للمسلمين. لكن تصريحات خان حول الصراع في الشرق الأوسط واتخاذه جانب الطرف الإسرائيلي، تسبب في استياء بين المسلمين. وبشكل عام تعتبر أعمال جودت سعيد أكثر بحثا واهتماما من أفكار خان الفلسفية حول السلام.

ويسير على نفس النهج شخصيات أخرى كالمرجع الديني الشيعي الإيراني محمد الحسيني الشيرازي (1928- 2001) وكذلك الهندي أصغر علي إنجنير (1939-2013).

مقاومة سلمية في فلسطين

Combatants-Aktivisten für Frieden protestieren gegen die Erweiterung einer israelischen Siedlung; Foto: Itmar Feigenbaum
نِعلين هي مركز للمقاومة السلمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فمنذ سنوات يناضل أبناء البلدة ضد نزع ملكية أراضيهم، إذ أن نحو 60 في المئة من الأرض ضاعت بسبب بناء الجدار العازل.

ولا يقتصر بحث فكرة اللاعنف على الجانب النظري فحسب، بل إن هناك أمثلة من الواقع على العصيان المدني السلمي كما هو الحال في الضفة الغربية، فمزارعي بلدة نِعلين يناضلون منذ سنوات عبر اعتصاماتهم السلمية في محاولة للخروج من الدائرة المغلقة للعنف والعنف المضاد.

ولم يسمع أهل هذه البلدة عن جودت سعيد قبل ذلك، كما أن اعتداءات الجيش الإسرائيلي لم تثنِهم حتى الآن عن احتجاجهم السلمي، لكن لا يتم تسليط الضوء على أهل نعلين بنفس درجة التركيز على الانتحاريين والإرهابيين.

ويشدد المصري محمد أبو نمر، مدير معهد التنمية والسلام في الجامعة الأمريكية في واشنطن، على ضرورة تسليط الضوء على مثل هذه الأمثلة للمقاومة السلمية بين المسلمين، في مجال البحث العلمي. وحتى الآن يتركز الاهتمام على سؤال واحد وهو السبب وراء ارتكاب أعمال عنف باسم الإسلام.

وطور الباحث في مجال الصراعات، بحثا حول السلام في الإسلام استند فيه على قيم إسلامية مثل قيمة الحياة والسعي للتفاهم والعيش المشترك كأساس يؤكد على ضرورة كون اللاعنف من المبادئ الأساسية في الإسلام. ويرى الباحث أن النصوص المقدسة والتقاليد الإسلامية تقدم العديد من الأدلة على أهمية الحل السلمي للصراعات مشيرا إلى أن هذه المصادر التي تركز على الموازنة بين المصالح المختلفة بشكل سلمي، تعرضت للإهمال لفترات طويلة.

الدين لا يسمح بالعنف

يرى أبو نمر أن الأدلة المشتقة من القرآن حول السماح باستخدام العنف للدفاع عن النفس، غير مطروحة في هذا الزمان ويوضح: "تغير الزمان ولذا فإن استخدام العنف لحل الخلافات أو نشر الدين، لم يعد مطروحا من الناحية الدينية".

فآليات الحماية التقليدية التي جاءت في القرآن، كالتمييز بين المقاتلين والمدنيين، لم تعد صالحة في القرن الـ 21، في ظل وجود حروب غير متناظرة (غير متوازنة) وطائرات من دون طيار يتم توجيهها عن بعد، علاوة على الحروب النووية.

ومازالت الفئة الداعمة لمبدأ اللاعنف بشكل علمي بين المسلمين أقلية تكاد تكون غير معروفة. ويخطط الباحث في العلوم الإسلامية محمد سمير مرتضى لتعزيز هذه الفكرة من خلال مشروع بحثي مدته خمسة أعوام تقوم به مؤسسة "فيلت إتوس" التي أسسها عالم الدين الكاثوليكي هانز كونغ، ويهدف لنشر الفكرة بشكل أكبر في المجتمع الإسلامي. وتهدف هذه الأفكار التي تعد جديدة على الكثيرين، إلى التخلص من التوتر السياسي والاجتماعي الذي يهدد بتمزيق المجتمعات المسلمة في الوقت الراهن.

 

 

كلاوديا مينده

ترجمة: ابتسام فوزي

حقوق النشر: قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.