محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" في مدينة الفلوجة العراقية

مدينة المساجد من أنياب أفاعي داعش إلى أحشاء ثعابين الحشد

أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن دحر ميليشيات تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابية في الفلوجة وتحرير هذه المدينة. ولكن مع ذلك فبعد زحف القوات الحكومية العراقية إلى وسط معقل تنظيم "الدولة الإسلامية" في غرب العراق، تفاقمت مأساة اللاجئين في المنطقة، حيث بات الآلاف يهربون من الفلوجة. بيرغيت سفينسون تسلط الضوء من العراق لموقع قنطرة على تطورات الأحداث في الفلوجة.

أهالي الفلوجة يغادرونها مذعورين. يهربون بالآلاف من هذه المدينة. يفرون إلى جميع الاتِّجاهات. ولسان حالهم يقول: لا شيء أفضل من الخروج من هنا. ولذلك فقد أقامت منظمات الإغاثة مخيَّمات في المنطقة، وفي مناطق بعيدة أيضًا. ومثلما يخبرنا أحد المساعدين فإنَّ بعض اللاجئين مصابون بصدمات نفسية، بحيث أنَّهم يواصلون اندفاعهم مسرعين - وهم خائفون كثيرًا من تعرُّضهم للملاحقة والقتل.

وكذلك تصل من الفلوجة أعداد غير قليلة إلى مدينة الرمادي المدمَّرة كلها تقريبًا، والتي تقع على بعد أربعين كيلومترًا عن مدينة الفلوجة وتعتبر فقط منذ شهر آذار/مارس 2016 محرَّرة بالفعل من ميليشيات تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابية. وفي الآونة الأخيرة صرنا نسمع وعلى نحو متزايد أكثر أنَّ معظم اللاجئين الهاربين من الفلوجة يعانون من جوع شديد.

ومنذ شهر شباط/فبراير 2016 فرض الجيش العراقي على مدينة الفلوجة حصارًا، لم يكن يسمح بإدخال أي شيء إليها - ولا حتى المواد الغذائية. فقد كانت الاستراتيجية المتَّبعة هي استراتيجية التجويع. وكان الهدف من ذلك جعل أهالي الفلوجة يتمرَّدون على تنظيم "الدولة الإسلامية". بيد أنَّ هذا الحساب لم ينجح. فقد كان الجهاديون الهمجيون يذبحون كلَّ شخص يقف في طريقهم. وتثبت ذلك المقبرة الجماعية التي عثر عليها الجنود العراقيون في ضاحية من ضواحي الفلوجة.

التجويع كاستراتيجية عسكرية

هروب المدنيين من الفلوجة. Foto: Reuters/Th. Al-Sudani
الهروب من الفلوجة: بحسب معلومات منظمات إغاثة اللاجئين فقد هرب أكثر من ستين ألف شخص من مدينة الفلوجة على مدى نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الهجوم الذي شنه الجيش العراقي من أجل استعادة هذه المدينة الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية". وخلال نحو أسبوع منذ يوم الجمعة (17 / 06 / 2016) هرب من الفلوجة ثلاثون ألف شخص. وحتى أنَّ وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتَّحدة ذكرت أنَّ عدد الأهالي الهاربين في أقل من شهر منذ أواخر شهر أيَّار/مايو 2016 وصل إلى أربع وثمانين ألف شخص.

وهكذا فقد أصبح التجويع خطيرًا، وبدأت الأعداد الأولى من الناس يموتون بسبب سوء التغذية. وفي النهاية لم يعد يوجد لديهم سوى التمر الجاف، مثلما يقول البعض. وفي شهر نيسان/أبريل بلغ عدد موتى الجوع نحو مائتي شخص. ولذلك فقد ازداد الضغط السياسي. مما جعل رئيس الوزراء العراقي الشيعي، حيدر العبادي، عرضة للانتقاد على تعمُّده تجويع هذه المدينة ذات الأغلبية السُّنية. وفي آخر المطاف أصدر حيد العبادي أمر الهجوم في نهاية شهر أيَّار/مايو 2016.

ولكن لقد شاء القدر أن يستغرق الأمر نحو شهر كامل، حتى تمكَّن الجيش من دخول الفلوجة، وذلك بعدما لم يتم تحقيق أي تقدم من خلال معارك الاستنزاف في محيط أكبر مدينة في محافظة الأنبار. لا يزال الأهالي يهربون من مدينة الفلوجة بأعداد كبيرة، على الرغم من إعلان كلّ من قيادة الجيش ورئيس الوزراء، حيد العبادي، عن أنَّ هذه المدينة محرَّرة  بنسبة تسعين في المائة [في وقت سابق من يونيو/ حزيران 2016]، وفي المقابل قال الأمريكيون إنَّ هذا ليس صحيحًا. وإنَّ القوات الحكومية سيطرت فقط على ثلث الفلوجة، بحسب ما أفاد به متحدِّث باسم وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن.

ولكن الجدل حول مساحة المنطقة المُستعادة من الفلوجة ليس الأمر الحاسم، خاصة وأنَّ هناك خمسة وستين ألف شخص قد هربوا في هذه الأثناء من الفلوجة. ويأتي هذا كرد على حصار مدينتهم طيلة أشهر، ولهذا السبب فإنَّ الأهالي صاروا يرحلون خارج الفلوجة بعد فتح أبوابها.

زد على ذلك أنَّ هناك مستوًى عميقًا من فقدان الثقة، أصبح منتشرًا الآن تجاه كلِّ من هب ودب لدى الغالبية العظمى من سكَّان الفلوجة، الذين كان يبلغ عددهم في السابق ثلاثمائة وخمسين ألف نسمة. وفي هذا الصدد يقول اللاجئون القادمون من الفلوجة في مدينة الرمادي: "معظمنا لم يعدوا يريدون سوى الرحيل. الرحيل من دون عودة أبدًا". وهم يعتقدون أنَّ نحو ثلاثين ألف شخص لا يزالون في الفلوجة.

تسمى مدينة الفلوجة رمزيًا باسم رأس الأفعى من قبل الكثيرين من العراقيين، وذلك لأنَّ انتصار الجهاديين في العراق قد بدأ هنا في هذه المدينة. وفي نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2014 كان الجهاديون يتجوَّلون في المدينة، ويرفعون أعلامهم السوداء فوق جميع المباني العامة وقد قاموا مباشرة بتعيين محافظة للمدينة.

شهر عسل للجهاديين في الفلوجة

لقد تحوَّلت الفلوجة المعروفة باسم مدينة المساجد إلى أوَّل معقل لتنظيم "الدولة الإسلامية"، وإلى أوَّل حاضنة لأيديولوجية الشريعة، وتحوَّلت كذلك إلى معقل الخلافة - علمًا أنَّها لا تبعد سوى أقل من خمسين كيلومترًا عن العاصمة بغداد.

وعندما سقطت الفلوجة في أيدي "داعش"، استغرق الأمر خمسة أشهر فقط قبل أن يستولي الجاهديون على الموصل وتكريت. وفي الفلوجة كان يتم تدريب الانتحاريين وإرسالهم إلى بغداد وبقية مناطق العراق، وكذلك أقيمت فيها الورش لصناعة القنابل، وكانت تتم فيها حياكة الزي الرسمي لمقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية". وانطلاقًا من الفلوجة تم إنشاء طريق للإمدادات إلى سوريا، وشيئًا فشيئًا تم الاستيلاء على محافظة الأنبار برمَّتها. وأحيانًا كان الجهاديون الأشرار يشعرون داخل الفلوجة بالأمان إلى درجة أنَّهم كانوا يرسلون مقاتليهم إلى هناك من أجل قضاء شهر العسل في الفلوجة.

وفي الأعوام السابقة كانت الفلوجة مركز المقاومة السُّنية ضدَّ نظام ما بعد الحرب في العراق. وكان السُّنة يقاومون التمييز الممنهج، الذي كانوا يعانون منه في عهد رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي. وفي البداية كان الجهاديون يعتبرون كحلفاء لهم، ولكن بعد فترة قصيرة لاحظ السُّنة أنَّ الجهاديين يسعون إلى أهداف مختلفة تمامًا عما كانوا يعتقدون في البداية.

وحتى يومنا هذا لا يمكن القول إنَّ تنظيم "الدولة الإسلامية" قد خسر الفلوجة بشكل تام، على الرغم من أنَّ المحرِّرين قد توغلوا بالفعل إلى مركز المدينة وبات العلم العراقي يرفرف فوق مقر إدارة المدينة والمستشفى. وذلك لأنَّ عملية دحر الميليشيات الإرهابية بشكل تام من هذه المدينة وإمكانية إعادة الحياة الطبيعية إليها، لا تتوقَّف فقط على القوة العسكرية الخاصة بالتحالف المناهض لتنظيم "الدولة الإسلامية".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.