"آمنت بأننا كأفراد وكشعب سوف نتولى أمرنا بأنفسنا، وأننا نستطيع تغيير بلدنا والعالم"، كما تتذكر منصورة عز الدين معايشاتها أثناء ثورة 25 يناير 2011.
مصادرة المجال العام في ذكرى ثورة 25 يناير 2011 الخامسة

الدولة البوليسية في مصر تحارب أشباحها

"آمنت بأننا كأفراد وكشعب سوف نتولى أمرنا بأنفسنا، وأننا نستطيع تغيير بلدنا والعالم"، تتذكر الكاتبة المعروفة منصورة عز الدين معايشاتها لثورة 25 يناير 2011. بعد خمس سنوات عادت الدولة البوليسية وبدت كأنما تحارب أشباحها وتتعثر في ظلها وهو ما تمثل في محاولتها التضييق غير المسبوق على الحريات ومحاولة مصادرة المجال العام.

في وقت مال فيه كثيرون ممن شاركوا في ثورة يناير إلى اليأس والإحباط أو إلى اعتناق نهج إصلاحي لرؤيتهم أن الظروف غير مواتية حالياً للمسار الثوري، أو حتى جنح فيه بعض منهم ناحية النظام الحالي بحجة أن محاربة الإرهاب أولوية عليهم أن يتحدوا مع السلطة بسببها حفاظاً على الدولة، في وقت كهذا يبدو النظام نفسه هو الأكثرعيشاً في ظل ثورة يناير والأكثر استحضاراً لها، لكن باعتبارها كابوساً من المحتمل تكراره وعليه العمل على تفاديه بأي ثمن. كأنه من فرط الهوس بمحاربتها والقضاء على أي ذكرى لها، صار مسكوناً بها ووقع أسيراً لها.

فمؤخراً بدت السلطة كأنما تحارب أشباحها وتتعثر في ظلها. ثمة هلع أخذ يتصاعد مع اقتراب الذكرى الخامسة للثورة، هلع تمثلت ملامحه في التضييق غير المسبوق على الحريات ومحاولة مصادرة المجال العام.

غلق المجال العام ومصادرة الحريات

مع كل يوم تقريباً ثمة أمثلة جديدة على غياب الحريات وتذكير مستمر بأن حرية التعبير مهددة، بل وبأننا نعاني نقصاً في الأكسجين ذاته. في يوم واحد على سبيل المثال اقتحم الأمن دار ميريت للنشر ومسرح روابط وجاليري تاون هاوس الذي يتبعه المسرح، وتم فحص أجهزة الكمبيوتر في هذه الأماكن والتحفظ عليها.

كانت الحجة لاقتحام روابط وتاون هاوس هي وجود مخالفات إدارية ومشكلات مع الضرائب وعدم وجود مخرج طوارئ، وبناءً على هذا أُغلِق الجاليري والمسرح لحين توفيق أوضاعهما القانونية وتوفير مخرج طوارئ، وفي حالة دار ميريت كان الاقتحام بزعم وجود بلاغ يتهم الدار بإصدار كتب بدون أرقام إيداع! وهو اتهام سخر الناشر محمد هاشم مدير الدار من تهافته، معلناً اندهاشه من ضخامة القوة التي اقتحمت دار نشره وتكونت من لواءين وعميد وضباط وأمناء شرطة.

وبالطبع ربط الجميع بين اقتحام "ميريت" وتفتيشها وبين الدور النشط الذي لعبته في ثورة 25 يناير، فخلال أيام الثورة كانت الدار مقراً للمثقفين والثوار، كما لعب هاشم دوراً مهماً ضمن حركة "أدباء من أجل التغيير" في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، والأهم أنه لعب الدور الأكبر منذ افتتاح داره عام 1998 في دعم الكتابة الطليعية المشاغبة وفي النشر الجرئ بدون رقابة أو تحفظات.

السيسي في كل مكان الصورة رويترز
عودة دولة العسكر في مصر: "من يحاول البحث عن منطق لما يجري في مصر من قمع للحريات وتهميش للشباب سيفشل، إذ يبدو اللامنطق هو هدف وطموح السلطة، كأن غياب المنطق وعدم وجود قواعد يمكن من خلالها توقع رد فعل السلطة على فعل معين من ضمن وسائلها لإحكام سيطرتها وترهيب خصومها ونشر الخوف وعدم الاطمئنان في نفوس الجميع مؤيدين ومعارضين".

وفي 14 يناير الحالي تم احتجاز الشاعر والكاتب عمر حاذق في المطار لخمس ساعات ومُنِع من السفر إلى هولندا لتسلم جائزة القلم الدولية لحرية التعبير التي تقدمها مؤسستا: نادي القلم الدولي وأوكسفام نوفيب، ضمن مهرجان "كتاب بلا حدود" الذي يقام سنوياً في لاهاي. وكان عمر قد اُعتِقل في ديسمبر 2013 بتهمة التظاهر بدون ترخيص لمشاركته في وقفة احتجاجية سلمية وحكم عليه بالحبس لعامين، ثم أُفرِج عنه بموجب عفو رئاسي في سبتمبر الماضي.

وفي اليوم نفسه الذي مُنِع عمر حاذق فيه من السفر، أُلقي القبض على الطبيب والناشط السياسي طاهر مختار، واللافت أن من ضمن التهم التي وُجِهّت إليه: "المشاركة في ثورة يناير"، يحدث هذا في بلد يعترف دستوره الحالي بهذه الثورة.

وفي 14 يناير أيضاً اقتحم الأمن مقر موقع "مصر العربية" وتفتيشه والتحفظ على 8 أجهزة كمبيوتر والتحقيق مع مديره الإداري أحمد محمد عبد الجواد.

حياء المجتمع وازدراء الأديان؟

المعلن أن النظام الحالي في مصر يدعو إلى "تجديد الخطاب الديني" ويحارب الإرهاب والتشدد الإسلامي، لكن واقع الحال يخبرنا أن العقليات المتحكمة متحفظة ولا تحتمل أي طرح مخالف للسائد. حيث لا يزال المثقفون والباحثون يحاكمون بتهم بالية مثل "ازدراء الأدياء" و"خدش الحياء العام"!

في أكتوبر الماضي على سبيل المثال، أيدت محكمة مصرية الحكم الصادر على الباحث إسلام البحيري بالحبس خمس سنوات على خلفية اتهامه بازدراء الأديان وهي تهمة يعود وجودها في قانون العقوبات المصري إلى عام 1884! وكان الحكم الأول قد صدر في مايو 2015، ومن المقرر أن يستأنف دفاع البحيري لوقف تنفيذه في جلسة يوم 26 يناير الحالي.

لعب الإنترنت، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في الدعوة لثورة 25 يناير، قبل انطلاقها كان البعض يتندر من الدعوة لثورة عبر “event” على الفيسبوك، ولمّا بدأت الثورة واتسعت ووصلت إلى شرائح أوسع لم يصدق كثيرون سرعة استجابة الملايين لها
لعب الإنترنت، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في الدعوة لثورة 25 يناير، قبل انطلاقها كان البعض يتندر من الدعوة لثورة عبر “event” على الفيسبوك، ولمّا بدأت الثورة واتسعت ووصلت إلى شرائح أوسع لم يصدق كثيرون سرعة استجابة الملايين لها

ومن ازدراء الأديان إلى تهمة أخرى لا تقل عبثية وهي "خدش حياء المجتمع"، نجد أن محكمة جنح الدقي قد حكمت قبل أيام على المنتجة السينمائية رنا السبكي بالحبس سنة مع الشغل والنفاذ وكفالة مالية 5 آلاف جنيه وغرامة 10 آلاف جنيه لاتهامها بخدش الحياء عبر انتاج فيلم "ريجاتا"!

وجاء في حيثيات الحكم: "وإن كان حق الإبداع من الحقوق التى كفلها الدستور إلا أن ذلك الإبداع مقيد بالدستور أيضا الذى أورد في مادته الثانية أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ومن ثم فإن الإبداع لابد أن يكون مقيدا بما أوجبته علينا تلك الشريعة من عدم إثارة الفتن وحسن تربية النشء"!

اللافت للنظر أنه في حالة السينما، وعلى عكس الكتب، توجد رقابة سابقة على إنتاج الأفلام، حيث تُعرض السيناريوهات مسبقاً على الرقابة لأخذ موافقتها، لكن يبدو أن نيل هذه الموافقة لا يمثل حماية من أي نوع.

ومثل رنا السبكي حوكم الكاتب أحمد ناجي بتهمة خدش الحياء بعد أن تقدم أحد المواطنين ببلاغ ضده بسبب نشر فصل من روايته "استخدام الحياة" بجريدة "أخبار الأدب"، وقد برأت المحكمة ناجي ورئيس تحرير الجريدة في جلسة عُقدت في 2 يناير الحالي، وكان دفاع الكاتب قد اعتمد على نقاط منها: "عدم دستورية محاكمة الأديب بقانون العقوبات، أن حرية الإبداع مكفولة بالدستور والقوانين، أن الأدب مجال خاص والقراءة تعتمد على السياق وليست اصطياد ألفاظ بعينها، أن كتب الفقه والتفسير والأخبار في التراث لا تخجل من الألفاظ التي خدشت حياء الشاكي و النيابة، وأخيراً أن النيابة أخطأت في القيد والوصف."

لكن النيابة طعنت على حكم البراءة ومن المقرر أن يخضع الكاتب وروايته ومعه رئيس تحرير الجريدة للمحاكمة مجدداً يوم 6 فبراير القادم.

من يحاول البحث عن منطق لما يجري أو نسق تسير وفقه الأمور سوف يفشل، إذ يبدو اللامنطق هو هدف وطموح السلطة، كأن غياب المنطق وعدم وجود قواعد يمكن من خلالها توقع رد فعل السلطة على فعل معين من ضمن وسائلها لإحكام سيطرتها وترهيب خصومها ونشر الخوف وعدم الاطمئنان في نفوس الجميع مؤيدين ومعارضين.

اقتحام "ميريت" يعود غلى الدور النشط الذي لعبته في ثورة 25 يناير، فخلال أيام الثورة كانت الدار مقراً للمثقفين والثوار، كما لعب هاشم دوراً مهماً ضمن حركة "أدباء من أجل التغيير" في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، والأهم أنه لعب الدور الأكبر منذ افتتاح داره عام 1998 في دعم الكتابة الطليعية المشاغبة وفي النشر الجرئ بدون رقابة أو تحفظات.
اقتحام "ميريت" يعود غلى الدور النشط الذي لعبته في ثورة 25 يناير، فخلال أيام الثورة كانت الدار مقراً للمثقفين والثوار، كما لعب هاشم دوراً مهماً ضمن حركة "أدباء من أجل التغيير" في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، والأهم أنه لعب الدور الأكبر منذ افتتاح داره عام 1998 في دعم الكتابة الطليعية المشاغبة وفي النشر الجرئ بدون رقابة أو تحفظات.

الصراع على المجال العام

رغم عدم نجاحها في تحقيق أهدافها، كان النجاح الأكبر لثورة 25 يناير، أنها فتحت المجال العام وحررته من سيطرة السلطة عليه. على مدار 2011 والأعوام التالية عليه، خرجت إلى الضوء فئات وجماعات غُيِّبت طويلاً عن المشهد العام. بدأ المجتمع يتعرف على تنوعه، ويدرك اختلافاته، حتى وإن لم تنجح كل فئاته في تقبل هذه الاختلافات.

منذ البداية، تحولت الثورة إلى كرنفال، مجموعة من العروض الآدائية المفتوحة. رغم العنف وسقوط مئات الشهداء، اتسمت التظاهرات بأجواء احتفالية تذكر بعروض الشارع. كان من المعتاد أن تجد بجوارك من يغنون باندماج، أو يقدمون اسكتشات فنية قصيرة، أو يلقون الشعر.

ومع التضييق على الثورة بالتدريج، ظلت فنون الثورة - من جرافيتي ومسرح شارع وأغانٍ خارجة عن المألوف – تذكِّر بها وتدل عليها. انطلق مهرجان "الفن ميدان" طامحاً إلى نقل الفن إلى الميادين، وهو ما حدث في الفترة التي داوم المهرجان خلالها على الانعقاد في السبت الأول من كل شهر، لكنه مع الوقت اصطدم بتعقيدات أمنية ومشكلات تمويلية، فاضطر منظموه إلى وقفه.

وكما ضيَّق الأمن على "الفن ميدان"، ضيَّق على المؤسسات الثقافية المستقلة وسعى لمصادرة المجال العام وتأميمه.

"هاشتاج" الثورة

لعب الإنترنت، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في الدعوة لثورة 25 يناير، قبل انطلاقها كان البعض يتندر من الدعوة لثورة عبر “event” على الفيسبوك، ولمّا بدأت الثورة واتسعت ووصلت إلى شرائح أوسع لم يصدق كثيرون سرعة استجابة الملايين لها. والآن وقد حوصرت، وجرمت السلطة الحالية التظاهر بدون تصريح، وادعت أنها المسار المكمِّل للثورة رغم أن أفعالها تتضاد مع ما قامت الثورة من أجله، لجأت 25 يناير إلى مواقع التواصل الاجتماعي مجدداً، هذه المرة عبر هاشتاج "#أنا_شاركت_في_ثورة_يناير" الذي شارك فيه كثيرون ممن رأوا أهمية الدفاع عن الثورة والتمسك بحلمها وفكرتها، في وقت صارت المشاركة فيها تهمة رسمية توجهها الشرطة لمن تعتقلهم، أو على الأقل هذا ما حدث في حالة الطبيب طاهر مختار.

 

منصورة عز الدين

حقوق النشر: قنطرة 2016 

ولدت منصورة عز الدين في عام 1976 بمنطقة دلتا النيل في مصر. درست الصحافة في جامعة القاهرة وعملت حتى آب/ أغسطس 2011 لدى صحيفة "أخبار الأدب" إحدى أهم الصحف الأدبية في مصر. تُرجِمت رواياتها إلى لغات عدِّة، واختيرت في عام 2010 كواحدة من أفضل الكتاب باللغة العربية ممن هم دون سن الأربعين. وكانت منصورة عز الدين المرأة الوحيدة التي تم ترشيحها للجائزة العالمية للرواية العربية في عام 2010. صدرت ترجمة روايتها "وراء الفردوس" بالألمانية في عام 2011 عن دار أونيون للنشر في زيوريخ. في روايتها الأخيرة "جبل الزمرد" تنسج منصور عز الدين مسارات قصصية من حكايات ألف ليلة وليلة والصوفية الفارسية في القرن الثالث عشر بوقائع حدثت في أماكن حديثة في وقتنا الراهن، من بينها العاصمة المصرية خلال ثورة 25 يناير 2011. 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.