موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين: من أيديولوجيا القاموس الوضعي الى الدراسات الثقافية الجديدة

09.07.2017

تمثل عملية انتاج القواميس والمعاجم الفلسفية أحدّ اهم المرتكزات الأساسية في تاريخ الثقافة العربية خاصة والفلسفية عامة والتي يمكن ان تشكل مدخلا مهما من المداخل الرئيسية في قراءة وتحليل طبيعة القول الفلسفي ووظائفه المتعددة ضمن مساره الاشكالي والمفاهيمي والاصطلاحي في الخطاب العام.

وهذا بطبيعة الحال ما يساعدنا كثيرا في تسليط الضوء على الابعاد الأيديولوجية المرافقة لترجمة وتأليف القواميس الفلسفية، وذلك لأنه لا يمكننا ان نفصل ابدا بين كل من: بنية المنطق المسيطر على تلك العملية؛ وآثارها على الكيفية التي يتم بواسطتها تكوين النظرية الفلسفية؛ وعلى ظاهرة تنامي خطاب الطبقات الاكاديمية – العقلانية – ذات التوجهات البرجوازية الصاعدة والتي حولت الدرس الفلسفي الى محض صيّغ شكلانية وعلموية ونظرية ضيقة تختزل الوجود كله ضمن نسق من المقولات الوضعانية المطلقة تعمل على انتاج/واعادة انتاج قيّم وتطلعات النخب المتبرجزة في الدوائر الاكاديمية السائدة اليوم.

ومن بين الموسوعات الصادرة حديثا تأتي (موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين) والتي تقع في مجلدين ضخمين، حيث عملت على التأسيس لما يُعرف بـ « الكتابة الفلسفية المابعد البرجوازية النخبوية الصاعدة ». وهذا ما بدا واضحا من خلال جهود هيئة التحرير لا سيما لكل من الأستاذ الدكتور احمد عبد الحليم عطية والأستاذ الدكتور عبد الستار الراوي، سعيا منهم الى تكوين موسوعة فلسفية متحررة تماما من سيطرة أيديولوجيا الكتابة البرجوازية والنخبوية المتعالية بمنطقها الوضعي والميتافيزيقي والطبقي. وذلك بواسطة استناد عملهم الموسوعي الى تقنيات المنطق الحجاجي/الاقناعي –البديل الابستمولوجي للمنطق البرجوازي الوضعاني– والمتفاعل بين ثيمات وأعلام وإشكالات الموسوعة برمتها. الامر الذي لم يفسح مجالا لسيادة انموذج المنطق « التراتبيي الهرمي » كي يفرض أسماء فلاسفة وكتاب بعينهم. وهذا ما سعى الأستاذ الدكتور سعيد توفيق الى توضيحه في مقدمة الموسوعة: ((نتبين ان موسوعة الفلاسفة العرب او (الموسوعة الفلسفية بوجه عام) … لم تتورط في هذه الخطايا الشائعة في عصرنا بحيث تصنف الكتاب والمفكرين في فئات، وتضعهم في درجات.

كلا، لم تلجأ هذه الموسوعة الى شيء من ذلك التزييف في المشهد الثقافي العربي. لم تلجأ الموسوعة الى شيء من ذلك، فلم تسع الى اعلاء شخصية على حساب أخرى، ولا اتجاه على حساب آخر، وانما لجأت الى منهج مبسط للغاية، وهو: ذكر اسماء الشخصيات التي ساهمت في الدرس الفلسفي (ابداعا او تأويلا او نقدا، او حتى عرضا وشرحا). كما ان هذه الموسوعة في سعيها هذا لم تقتصر على ذكر الأسماء الشهيرة او المعروفة إعلاميا، بل بحثت عن الأسماء التي تعبر عن اسهامات جيل جديد جاد وواعد، دون ان يكون هناك أي معيار لترتيب الأسماء سوى أولوية الحروف الابجدية فحسب. وبذلك فأن محرر هذه الموسوعة، الدكتور احمد عبد الحليم عطية، قد حرر نفسه من عملية تقييم المشتغلين بالفلسفة في عالمنا العربي وفقا لأي معيار كان.

وفضلا عن ذلك فأن محرر هذه الموسوعة قد أراد ان يحرر نفسه أيضا من تصنيف الكتابات الفلسفية في أبواب او تحت عناوين رئيسة وفقا لتوجهاتها؛ لان مثل هذا التصنيف سوف يعني تقييم أهمية الكتاب الوارد أسماؤهم في الموضوعة وفقا لقناعات المحرر فيما يتعلق بالقضايا الأكثر أولوية لدى الكاتب او المفكر، ومدى انتمائه لتيار ما من التيارات الفكرية التي كانت فاعلة خلال القرن الماضي … (كالتيار الديني، والماركسي، والليبرالي، والتيار النقدي للتراث في صوره المتباينة)). (سعيد توفيق: موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين، ص-ص. 5-6)

يمكننا القول ان الرؤية الفلسفية لهذا العمل الموسوعي حملت ابعاد راديكالية واضحة في بنية ومنطق « موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين » من خلال التركيز على إعادة النظر وإعادة التفكير أيضا في مفهوم « النُخب » بوصفه مفهوما أكاديميا وفلسفيا وثقافيا؛ يمكن له ان يمثل قوة بيد الطبقة السياسية المسيطرة/او النخبة السياسية ruling class التي تسيطر وتمأسس الطبقات الاجتماعية المغتربة عن حقيقة وماهية ذاتها المتشظية والمبعثرة تحت سلطة وايديولوجيا هذه النخب governing elite. (للمزيد ينظر: T.B. Bottomore: Elites and Society, Penguin Books,1974)

بعبارة اخرى، ان عملية تكوين هذا المنطق الجديد في تأليف (موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين)، لم تهدف بالدرجة الأولى الى تقديم واستعراض لتيارات ومدارس او لمفاهيم ومشاريع الخطاب الفلسفي، بقدر ما كانت ترمي الى إعادة نقد ومساءلة السلطة الاكاديمية/والأكاديمية السلطوية المترسخة في جغرافية وتضاريس الدرس الفلسفي ومناهجه التعليمية التي غَلُب عليها على الدوام منطق العقلانية البرجوازية الصاعدة المسيطر على الواقع والتاريخ والوجود من خلال المعرفة الوضعانية المطلقة وقوانين الاخلاق والقانون الكلية. بمعنى آخر، ان المسكوت عنه في هذه الموسوعة أنما يكمن في قدرتها على الكشف عن ملامح « مملكة القانون » المسيطر في الخطاب الأكاديمي والعقلاني البيروقراطي سواء في طرائق الكتابة او في إنتاج مفاهيم النص الفلسفي المتحولة بدورها هي الأخرى الى حقائق كلية وابدية Universal and Eternal truths.

لمتابعة مراجعة الموسوعة الرجاء النقر هنا....

 

إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

تعليقات القراء على مقال : موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين: من أيديولوجيا القاموس الوضعي الى الدراسات الثقافية الجديدة

أضافه كارولا عامر في

هل كان عصر العقل فى القرن السابع عشر وعصر التنووير في القرن الثامن القرنان اللذان كان رائدهما :مركزية الانسان وهل كان العصر الرومانسى الاوروبى الذى هام حبا واعجابا بالشرق؟ هل كان هذه التجليات انعكاسا للمركزية الغربية ؟ اليست الحداثة رائدها العقل ؟ وباختصار علينا ان نميز بين: الغرب السياسى والغرب الثقافى-الفكرى الانسانى الذى يتجاوز المركزيات سواء القومية او الدينية.