نص من التراجيديا السورية

ما قبل الرحيل: عن والدي والخوف والثورة في سوريا

تكشف حلا رجب، ابنة المعارض السوري عدي رجب ، والذي مات بعد تعرضه للتعذيب في سجون الاستخبارات العسكرية في 22-6-2015 تفاصيل تتعلق باعتقال أبيها وعالم الرعب الذي حل على الأسرة وخوف الناس حتى من تقديم العزاء لها.

بعدها التقى والدي بهيثم مناع في القاهرة في مؤتمر لحركة “تمرد” المصرية، التي كانت تضم العديد من أصدقائه الناشطين في ذلك الوقت في مصر، وعرض هيثم مناع على والدي العمل في مكتب لهيئة التنسيق في القاهرة، وعليه يستطيع أن ينتقل للسكن في بيت يضم أعضاء الهيئة هناك، واستلام وظيفته كرئيس للمكتب التنفيذي، فيما بعد قام والدي بتأسيس مكاتب المرأة والشباب، وجمع عدداً من الشبان السوريين العاطلين عن العمل آنذاك، والذين أجبرتهم ظروف الثورة والحرب على ترك مدنهم والمغادرة باتجاه مصر، حيث كانت الأوضاع المعيشة بالنسبة للسوريين سيئة جداً، وبدأوا بالعمل سوية في مكتب الهيئة.

في هذه الأثناء كنا نحن نعيش حالة تنقل من مكان لآخر، دون أن يعرف أحد عنا شيئاً، كنا نختلق الأكاذيب أينما حللنا، وتركت أنا وأختي الصغرى دراستنا الجامعية، وبدأنا بالعمل أيضاً بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية في ذلك الوقت في سوريا، ورغم كل محاولاتنا إلّا أنّنا لم نعش بمعزل عن التهديد وحالة عدم الأمان والاستقرار التي أصبحت طابعاً لحياتنا دون أن نستطيع من ثغرة ما أن نغادر سوريا إلى مكان آخر.

العودة إلى سوريا

بعد مضي ما يقارب سنة على عمل والدي في مكتب هيئة التنسيق، ورغم عدم اتفاقه مع خطهم السياسي أيضاً إلا أنها كانت الحل الوحيد والشكل الأقرب لتطلعاته. بدأ الشباب في المكتب يغادرون مصر، عن طريق البحر من الإسكندرية حتى إيطاليا، ومن ثم إلى دول أوروبية عديدة تفرّقوا فيها. حتى والدي الذي لم يعد أمامه خيار سوى التفكير بشكل جدي بالعودة إلى سوريا مهما كلفه الأمر، بسبب سوء أوضاعه في القاهرة، وعدم قدرته على مساعدتنا للخروج خارج سوريا، وشعوره الدائم بأنه هو الذي تسبّب بما حصل من دمار لنا في الداخل. أراد العودة لتعويضنا عن كل ما رحل، وبدأ في تلك الفترة تواصله مع أشخاص معنيين من أجل العودة إلى سوريا، وبعدها بشهر أو أكثر غادر القاهرة متجها إلى بيروت، في اليوم ذاته الذي وصل فيه إلى بيروت، اعتبر بعض المعارضين في القاهرة عودته إلى سوريا خيانة لدم الشهداء وخيانة للثورة، وتم تهديده بالقتل من قبل شخصيات عديدة، وأعلنوا ذلك على صفحاتهم الشخصية من بينهم ياسر الحلاق.

المعارض عدي رجب وسط أسرته
المعارض عدي رجب وسط أسرته

كان والدي في تلك الفترة يتواصل مع شخص في وزارة المصالحة من أجل العودة إلى سوريا، لكن الأمر استمر لمدة ستة أشهر وهو مقيم في بيروت خلال تلك المدة، قام بتقديم ملفه للجوء السياسي في السفارة الفرنسية، لكن رد السفارة أيضاً تأخر، و بعد ستة أشهر استطاع الدخول إلى دمشق بكفالة منظمة دولية عن طريق شخصيتين على ما أذكر هما “محمود مرعي” و “ميس الكريدي”، بقي في دمشق 15 يوماً إلى أن اصطحبه صديقه من دمشق بسيارته، متلافين الحواجز الأمنية إلى مدينة اللاذقية حيث كنا نحن بانتظاره.

بعد وصوله بيومين، اتصل أحد أصدقائه من بيروت، ليخبره بأنّ السفارة الفرنسية حددّت له موعداً للمقابلة بعد شهر تقريباً، وأنّ عليه أن يسافر إلى بيروت في الموعد. قال له أحد الأصدقاء أيضاً أن يبقى في بيروت دون عودة إلى سوريا بعد المقابلة، لكن الخيار كان محسوماً، لا يوجد شيء لفعله في بيروت، لا مكان للسكن، ولا مصدر دخل.

الاعتقال مجددا

غادر والدي سوريا مجدداً بتاريخ 16/ 12 / 2014 متجهاً إلى بيروت من نفس المعبر المأمن في دمشق، فقدنا التواصل معه بعد يومين. كان يوم جمعة على ما أذكر حين وردني اتصال من صديقه الذي استقبله هناك، ليسألني عن ما إذا كان قد وصل إلى سوريا وكيف كانت رحلته؟ أخبرته بأنه لم يصل حتى الآن، ثم علمت منه أن والدي كان قد غادر بيروت إلى طرابلس ومن ثم إلى معبر العريضة منذ يومين، وأنّه كان يجب أن يصل إلى المنزل

كانت الاحتمالات كثيرة، زيارة لأحد الأصدقاء، بقاؤه في طرابلس، اعتقاله على الحدود السورية، أو على حاجز لـ ما يسمى “الدفاع الوطني” على طريق طرطوس، ذلك الحاجز المشهور بالإجرام والوحشية، حتى المساء كنا متأكدين بأنّه دخل الحدود السورية صباحاً و اختفى بعدها، وفي اليوم التالي كانت الأخبار تقول بأن اعتقاله تم من قبل مفرزة الأمن العسكري على الحدود، هذا الفرع الذي قام باستدعاء أختي الكبيرة مرتين للتحقيق معها بشأن والدي، و بشأننا أيضاً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.