سقوط المقولات الثقافوية

غير أن ما جرى في المجتمعات العربية، بعد نهاية العام 2010، ضرب عرض الحائط جملة المقولات الثقافوية والماهوية والجوهرانية التي نهضت على تلك الخصوصيات الدينية والثقافية، وأسالت حبراً كثيراً في الكتابة عن الاستعصاء العربي حيال الديمقراطية والحرية وممانعة الحداثة، وعن الخنوع والذل، بل والرضا العربي بالاستبداد والمستبدين، والاستئناس بالظلم والظالمين.

وقد فاجأت ثورات الشعوب العربية، وليس الربيع العربي كما يعتمدها غليون، أصحاب المقاربة الثقافوية، فكان معظمهم متحفزاً ومستفزاً من تحول الحركات الاحتجاجية إلى ثورات مدنية، سلمية وعارمة، تفضي إلى نهاية النظام القمعي والتسلطي الذي بني منذ عقود عديدة. لذلك كان بعضهم مندهشاً مما حدث، ومستاء لسقوط معتقداته وأفكاره التي عممت صورة للإنسان العربي، بوصفه كائناً دينياً، ماضوياً وتقليدياً، وممانعاً للحداثة وقيمها.

ولم ينتبه أصحاب المقاربة الثقافوية إلى ما يختزنه الواقع المعاش في البلدان العربية من مشاعر ومكنونات وطاقات، مع أنها كانت تتفجر على مرأى من عيونهم في أشكال مختلفة من الحراك الاجتماعي والسياسي الذي قمع في أكثر من مناسبة، وكان يتمخض، في كل مرّة، عن أزمة عاصفة، تثبت وجود قوى حيّة، تنشد التغيير نحو الأفضل.

لكن القمع كان أكبر، ومع قمع الحراك الاحتجاجي كان التسلط يزداد والظلم يكثر. كما لم يكُن عالم المقاربات الماهوية يفتقد إلى المنهجية اللازمة، لكن النظرة الثقافوية والعنصرية كانت الغالبة، وكانت تحجب مفاعيل حراك الإنسان في بلداننا العربية ومسبباته، الأمر الذي كشف عن مشكلة إيديولوجية تحجب إمكانية معرفة القوى التي كانت ترفض التغيير والإصلاح، وتحاول الالتفاف على المطالب الشعبية مع كل أزمة وعاصفة تغيير.

 

 

المؤسف أن غليون لم يناقش الحجة الإشكالية التي بنى عليها أصحاب نظرية الخصوصية العربية، وهي "انتشار الحركات السلفية والإسلاموية الواسع، وانتزاعها القيادة في الثورات العربية"، وخصوصا في مصر وسورية وليبيا وتونس واليمن، والتي استلهمها "أنصار الاستبدادين، الديني والسياسي"، كي يبرّروا حرمان مواطني مجتمعاتنا العربية من حقهم في التخلص من الاستبداد وبناء مجتمعات ديمقراطية وتعددية، إنما اعتبرها "جزءاً من ثقافة جديدة، هي ثقافة الرد على حالة التهميش والإقصاء والعنصرية التي تعيشها الأغلبية الساحقة من الكتل الشعبية المنتزعة من أي هويةٍ وثقافةٍ، وهي ثقافةٌ مختلفةٌ تماماً تعبر عن ميولٍ وتوجهاتٍ ومخاوف وتناقضاتٍ وتطلعاتٍ واختناقاتٍ نشأت في ظل الأوضاع الداخلية والخارجية القائمة في حضن المجتمعات بعد، وبسبب إجهاض محاولاتها الرائدة للانعتاق منذ قرنين. وهي ما أسمّيها ثقافة الضد أو الثقافة المضادة أو مقلوب الثقافة".

وإن كان غليون مصيباً في القول إن الثقافة، وخصوصا في عالمنا الراهن، " ليست مطابقة للإرث الثقافي"، وأن "مظاهر تشبث المجتمعات العربية بالإرث الثقافي والديني القديم ليس لها علاقة بهذا الإرث نفسه"، فإن على التناول النقدي لهذا الإرث، الثقافي والديني إدراك أن الإسلام الذي يعدّ ميراث العرب وسندهم التاريخي هو أيضاً، بوصفه ديناً يعتنقه المسلمون المؤمنون من مختلف الفئات والانتماءات، حولته حركات الإسلام السياسي إلى إيديولوجيا سياسية، في سعيها إلى توظيف الدين من أجل الوصول إلى السلطة، والتي تعتبر الإسلام استثناءً، وتضعه فوق القواعد العامة والقوانين الموضوعية، وذلك بهدف التلاعب بالدين لأغراض الدنيا ومصالحها، وهو الذي قامت بعمليات واسعة لتوظيفه، بغية إضفاء الشرعية على السلطات السياسية، وتسويغ مطامحها الدنيوية.

ويجد غليون بحق أنه، في الحالة السورية، جرت عمليات "محو الصورة المدنية والسياسية تماما للثورة"، لكنه لا يشير إلى قوى الداخل التي عملت على ذلك، وخصوصا قوى الإسلام السياسي وحركاته التي لعبت دوراً كبيراً في حرف الثورة السورية عن مسارها وأهدافها، وكانت السباقة إلى عسكرة الثورة، وإلى الهيمنة على تشكيلات المعارضة العسكرية وكياناتها السياسية، وحاولت الدفع باتجاه صبغ الثورة بصبغة إسلامية، حتى أنها روّجت مقولة "أسلمة الثورة" المزيفة، على الرغم من أن الثورة السورية كانت ثورة وطنية بامتياز في بداياتها، ورفعت شعارات سياسية واجتماعية مختلفة، ولم ترفع أي راية أو شعار ديني أو مذهبي أو قومي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.