نورا بطلة مصرية مريضة "على فراش فرويد"

التاريخ الجسدي والجنسي والاجتماعي للمرأة من منظور نسائي

تفضح رواية الكاتبة المصرية نهلة كرم "على فراش فرويد" القهر الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة، وهي في الوقت ذاته تحاول رصد جماليات الحكي بعيداً من الصراع الطبقي والكبت الجنسي.

ترصد الكاتبة المصرية نهلة كرم في روايتها «على فراش فرويد» (دار الثقافة الجديدة - القاهرة) نمو الذات من الطفولة إلى النضج الجسدي لبطلتها «نورا»، مرتبطاً بنمو الوعي، وهو ما تحاول تحقيقه مع شخصيات أخرى في العمل، مثل «مريم» و«هاجر» و«محسن» و«الهامي»، و«زياد»، و«شريف».

تحلم «نورا»؛ بتحقيق ذاتها كأنثى مثقفة، لكنها ضعيفة الشخصية متردّدة، صوتها الداخلي أقوى من اللغة التى تعبر بها عن نفسها، فهي تخاف من كل شيء؛ من جسدها؛ من دورتها الشهرية، من ملامح جسدها وتفاصيله. هي عورة في نظر أمها، ومن ثم تتلبسها ذوات أخرى، تتمثل في شخصية «مريم»، أو «هاجر»، صديقتَي الطفولة، أو «الهامي»، و»محسن»، وحتى جدتها التي تأتي إليها دائماً في الحلم أو الخيال لتعظها.

ولكن يمكن اعتبار أن «مريم» تمثل لـ «نورا» الذات البديلة، فنجدها تتعاطف معها وتحقد عليها وتذوب فيها إلى درجة الشعور بالذنب، ومن هنا تستدعي صوت عالم النفس الشهير سغموند فرويد وكتاباته في موضوع التحليل النفسي، بخاصة محاضرته عن العلاقة بين المرأة والمرأة في كتابه «خمس حالات من التشخيص». ما حدث في الرواية هو محاولة لرصد أغوار «نورا» رغم وجود أحداث حقيقية كالعمل والجد فيه لتحقيق أحلامها المادية بعدما فشلت فى أن تكون شاعرة أو صحافية، حين وجدت أن المجتمع أصبح استهلاكياً ومقهوراً، حتى أصيبت في النهاية بالعصاب والهذيان، لكنها عالجت نفسها باستداعاء افتراضي لفرويد.

محاولة لطرح التاريخ الجسدي والجنسي والاجتماعي للمرأة بعامة

 الكاتبة المصرية نهلة كرم الصورة خاص
الكاتبة المصرية نهلة كرم كتبت رواية "على فراش فرويد" بهدف طرح التاريخ الجسدي والجنسي والاجتماعي للمرأة بعامة، وهي مكتوبة بمنظور نسائي بحت، لكنها تعد رواية خضوع وكمون، وكأن الكاتبة ذاتها لا تريد أن تتمرّد في نموذجها السردي.

منذ سنوات بعيدة، كان المرض العقلي، خصوصاً عند النساء، يعد وصمة عار عند العائلات الكبرى (راجع كتاب «تاريخ الجنون» لميشيل فوكو) لدرجة أنه كان يتم حبسهن في أماكن منعزلة، حتى جاء القرن التاسع عشر، وفضحت كاتبات هذا الفعل، مثل شارلوت برونتي في «جان أير»، و«وزرينج هايتس»، وحللت ناقدتان مهمتان هذه الظاهرة فى كتاب معروف هو «امرأة مجذوبة فى السقيفة» 1979، لساندرا غلبرت وسوزان جوبر، ويتحدث عن شخصية «برتا»؛ زوجة «روشستر» في رواية «جان أير»، والتى حبسها في غرفة أعلى قصره ومنعها من الاحتكاك بالبشر. هنا حاولت الناقدتان تقديم صورة مزدوجة للمرأة؛ طاهرة وساقطة، ونهلة كرم قدمت ذلك عبر «نورا» ونقيضتها «مريم» التي ترضى من خطيبها الهامي أن ينعتها بأفظع الألفاظ مثل عاهرة وغيرها. هذه السادية تبيّن مدى انحطاط الذات لحظة الأداء الجنسي، وهو ما يناقض اللحظة الصوفية التي تريدها «نورا» في علاقتها بحبيبها «زياد»، كما ستفعل لاحقاً.

رواية «على فراش فرويد»، هي إذن محاولة لطرح التاريخ الجسدي والجنسي والاجتماعي للمرأة بعامة، وهي مكتوبة بمنظور نسائي بحت، لكنها تعد رواية خضوع وكمون، وكأن الكاتبة ذاتها لا تريد أن تتمرّد في نموذجها السردي، كما فعلت لطيفة الزيات في «الباب المفتوح»، ولا كما فعلت ميرال الطحاوي في «الباذنجانة الزرقاء». هى فقط رواية تكمل تاريخ رواية «ذات» لصنع الله ابراهيم والتي ترصد - من خلال نمو وعي المرأة - تشوّه المجتمع الذي أسقط «نورا» صريعة للمرض النفسي.

ولكن تظلّ محاولة نورا البوح عبر استدعاء فرويد كل ليلة، دليلاً على رغبتها في التعافي وفهم نفسها، ومن ثم اتجهت إلى العمل لتخرج من حلقة الأزمة بين الدين والجنس والعرف، وهنا يمكن القول إن ارتباطها بـ «زياد» حرّرها من أوهامها المخيفة حول الجنس السادي الذي واجهته «مريم». تعافت «مريم» بممارسة الفن وبالمكاشفة، فيما ظلت «نورا» تحاول التعرف على جسدها سراً.

هل سقطت «نورا» في بئر المرض النفسي؟

الراوية؛ كما جاء على لسان البطلة (ص 178-179 ) تبحث فى ماهية الازدواج بين الصوت العالي والصوت المخفض؛ بين صوت الرغبة وبين الشفرات الاجتماعية. ويبقى السؤال: هل سقطت «نورا» في بئر المرض النفسي، بسبب إخفاقها في أن تصبح امرأة وليس مجرد أنثى؟. إن تصوّرات الكاتبة حول مفهوم الحياة والتى تصدرها «نورا» في شكل جمل حُبلى بالحكمة والمقولات الكبرى حول مفهوم السعادة والحب، تذكرني بالرومانسيين الجدد، بخاصة نازك الملائكة وأحلام مستغانمي.

فالرواية ترصد منذ البداية النمو النفسي للبطلة، وبذلك تدخل ضمن ما يسمى رواية النمو والتعلّم، كما في بعض روايات جورج إليوت ودوريس ليسنغ ورضوى عاشور، وديكنز وجويس. كلها تتحدث عن عذابات النمو ومحاولة التسامي بالفن، الذي يتمثل عند نهلة كرم في شخصية «خالد» الذي ساعدها على نشر روايتها، وساعد «مريم» على التغلب على عقدة الذنب واضطرابها الجنسي بأن تقيم معرضاً للوحاتها.

وأخيراً؛ «على فراش فرويد»، هي رواية تفضح القهر الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة، وهي في الوقت ذاته تحاول رصد جماليات الحكي بعيداً من الصراع الطبقي والكبت الجنسي.

 

بهاء عبد المجيد

حقوق النشر: الحياة اللندنية 2015

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.