وعد بلفور .. إرث استعماري يحتل الحاضر

ما الذي جعل بريطانيا تعلن وعد بلفور؟

شفيق ناظم الغبرا :من غرائب التاريخ ومظالمه أن بلفور لم يكن يعلم شيئا عن فلسطين، ولم يكن قد رأى المكان في السابق. لقد زار بلفور فلسطين لمرة يتيمة بعد الوعد بحوالي ثماني سنوات.

مرت في الثاني من نوفمبر من هذا الشهر الذكرى المئوية الأولى لوعد بلفور، الذي قدمه وزير الخارجية البريطاني في نوفمبر عام 1917. مهد ذلك الوعد لاستعمار فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل وللكثير مما جرى للإقليم العربي المحيط بها ليومنا هذا.

ومن غرائب التاريخ ومظالمه أن بلفور لم يكن يعلم شيئا عن فلسطين، ولم يكن قد رأى المكان في السابق. لقد زار بلفور فلسطين لمرة يتيمة بعد الوعد بحوالي ثماني سنوات.

ومن جهة أخرى صنع سايكس البريطاني (الخارجية البريطانية) اتفاق سايكس بيكو، الذي قسم منطقة بلاد الشام وعزل فلسطين عن محيطها. كان سايكس جاهلا بكل ما له علاقة بتلك المناطق العربية. لقد تحول وعد بلفور كما واتفاق سايكس بيكو لمرآة عاكسة للعبث السياسي والإنساني الذي مارسته بريطانيا. فكل وعد أكان وعد بلفور 2017 لليهود أم وعد سايكس 1916 للفرنسيين ساهما بتدمير وتقسيم أقاليم عربية مستقرة وأدى كل منهما لخلق كيان عسكري عدائي( إسرائيل) في قلب العالم العربي.

عبث إستعماري

وعند البحث في دهاليز التاريخ سنكتشف بأن سايكس الذي قاد تقسيم المنطقة من قبل بريطانيا ساهم في إنضاج الظروف لوعد بلفور، فقد انتقل للتفكير في فلسطين قبل أن يجف حبر سايكس بيكو في 1917. إذ بادر بالاتصال بهربرت صموئيل الموظف الصهيوني في الخارجية البريطانية وطلب منه عقد لقاء مع حاييم وايزمان (زعيم الحركة الصهيونية البريطاني الجنسية حديثا) لترتيب أمر مرتبط بفلسطين واليهود في أبريل - مايو 1916.

وعد بلفور- الخطاب الذي غير خريطة الشرق الأوسط
بعد قرن كامل على إصداره ، لا يزال الاحتفال بمئوية وثيقة بلفور تحيي الجدل القديم حول دور بريطانيا في إقامة دولة إسرائيل. وكان وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور أرسل رسالة في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917 إلى اللورد اليهودي ليونيل روتشيلد يشير فيها إلى أن حكومته ستبذل غاية جهدها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين .

بل لعب سايكس دورا مفصليا مع مؤيدي الصهيونية في الخارجية البريطانية في لندن ومع قادة الحركة الصهيونية في تتقيح الصيغ المختلفة التي أدت لوعد بلفور. لقد عقدت من أجل ذلك النص في 1916 ثم في 1917 اللقاءات التي جمعت ممثلي الحركة الصهيونية مثل ناحوم سوكولو القائد الصهيوني مساعد وايزمان بالإضافة لوايزمان زعيم الحركة الصهيونية، مع ممثلي الخارجية البريطانية كسايكس مؤلف سايكس بيكو وهربرت صموئيل الصهيوني العامل في الخارجية البريطانية والذي سيكون أول حاكم مدني (1920) بريطاني في فلسطين بعد احتلالها من قبل بريطانيا في 1918.

ما الذي جعل بريطانيا تعلن وعد بلفور؟

ويبرز السؤال: ما الذي جعل بريطانيا تعلن وعد بلفور؟ الإجابة تتلخص في رؤية بريطانيا الاستعمارية، فهي أرادت أن تكسب يهود أوروبا وألمانيا والعالم لحسم الحرب العالمية الأولى، إذ اعتقدت أن معظم اليهود مؤيدون للصهيونية (وهذا لم يكن صحيحا في حينها).

إن الرغبة في الدعم المالي اليهودي أثناء الحرب، وكسب ثوار روسيا في الاتحاد السوفياتي الجديد في 1917، كما والسعي لتقوية علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة ساهموا سويا في الزخم الذي أدى للوعد.

يؤكد لنا التاريخ بأن لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا ومعظم الحكومة البريطانية كانوا معادين للسامية، لكنهم كانوا يرون بأن الصهيونية ستأخذ اليهود لمكان آخر خارج أوروبا وبريطانيا.

في لقاء الحكومة البريطانية الذي أقر وعد بلفور (قبل إعلانه بيومين) في 30-10-1917 حذر اللورد كروزون عبر تقرير تاريخي كتبه بصفته رئيس مجلس اللوردات وعضو مجلس الحرب في الحكومة، من أثر الوعد على سكان البلاد الأصليين.

 

مصير سكان المنطقة لم يلعب أي دور

سأل اللورد كروزون ماذا سيحصل لسكان تلك المنطقة ممن يمتلكون الأرض والمكان وعاشوا في تلك الأرض عبر الأجيال منذ 1500 سنة. فهم، وفق كروزون، لن يقبلوا بترك بلادهم طوعا لأحد.

لكن قول اللورد كروزون لم يؤثر في الحكومة البريطانية، التي أقرت وعد بلفور والوطن القومي لليهود في فلسطين في 2-11-1917. تعامل وعد بلفور مع سكان البلاد الأصليين بصفتهم جاليات غير يهودية. عندما أعلن الوعد كان عدد سكان فلسطين يقترب من 650 ألف عربي، بينما اليهود لم يكونوا ليتجاوزوا 60 ألفا نصفهم من المهاجرين الصهاينة الجدد، بينما لم تكن ملكية الأرض يهودية، فاليهود لم يمتلكوا من أرض فلسطين عند قيام دولة إسرائيل عام 1948 (بعد الوعد بواحد وثلاثين عاما) سوى 6 % من كامل الأرض.

الصراع على الحقوق والأرض والأخلاق مازال مفتوحا، ذلك كان وعدا استعماريا مازال يحتل حاضرنا ويتحكم بمستقبلنا.

 

شفيق ناظم الغبرا

حقوق النشر: شفيق ناظم الغبرا 2017

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.