عباس بيضون و ميشائيل كليبرغ
عباس بيضون - ميشائيل كليبرغ:

الحرب في العراق

الشاعر والصحفي اللبناني عباس بيضون والكاتب الألماني ميشائيل كليبرغ اللذان شاركا في مشروع الديوان الشرقي الغربي، يتناقشان في مراسلتهما حول تأثير الحرب في العراق على العالم العربي والغربي.

برلين: الخميس 20 مارس 2003، الساعة 14:20

عزيزي عباس

ميشائيل كليبرغ، الصورة: لاريسا بندر

​​لقد حان الوقت وبدأت الحرب فجر اليوم. وكما سمعت أنه لا يوجد أحد في ألمانيا ممن يسعد بهذا الشيء، ولكني لاحظت أن هذا ليس صحيحا، فبمجرد ما أعطى بوش المهلة 48 ساعة، ارتفعت أسعار البورصة في فرانكفورت لأول مرة بعد شهور عديدة بصورة عالية ولم تتوقف بعد.

إنني أفكر طيلة الوقت في الشاعر الشاب، الذي التقينا به في بيروت، عندما أخذ موعدا على التلفون مع زوجته لمشاهدة فيلم جيمس بوند الجديد في المساء، وقال لي: "أتمنى أن يأت الأمريكان قريبا ويطيحوا بصدام، وبالأسد إن أمكن. وإذا فعلوا ما يعارض مصالحنا فسوف نقود حربا ضدهم، المهم أن يطيحوا بصدام أولا والآن جاء الأمريكان".

ألا تتذكر الرأي العام في ألمانيا قبل عدة شهور؟ فلو قدر أن أتى شخص من المريخ، ليس لديه أية فكرة عما يدور على الأرض لظن أن القنابل سوف تسقط على برلين و فرانكفورت وليست على بغداد، لهذا الحد كان الفزع كبيرا هنا. وأعترف لك أنني مللت هذا الهراء السخيف الذي يعبر عن الإرادة الأمريكية.

إننا لسنا بحاجة أن نكون مؤرخين حتى نعلم أنه لا يوجد معنى للإرادة المحضة في مقابل الإرادة المدعومة بالقوة.

إننا نعلم أيضا أن الطريق الوحيد للتحكم في سياسة أمريكا العسكرية هو أن تكون لأوروبا سياسة عسكرية وإرادة موحدة تملك القدر الكافي من المدافع والصواريخ التي تجعلها محل ثقة وقادرة على فرض إرادتها، أضف إلى ذلك حضارة سياسية أكبر مما لدى الولايات المتحدة الأمريكية.

ومما يؤسف أننا نفتقد تلك الإرادة، وحتى رجال السياسة الوهميين، الذين قد يحاولون صياغتها وتنفيذها.

إنني لربما احترمت مبدأ المسالمة الذي تمارسه الحكومة والشعب الألماني، إذا استطعت إبعاد الشك الذي يساورني أن الموضوع ما هو إلا خطأ من قبل رجال السياسة وجبن ناتج عن الأنانية وحب الذات. نعم، إنه الجبن بعينه!

إنك عندما تعلم أن سبب مسالمة الناس هنا ليس إشفاقا على العرب، ولكنهم لا يريدون أن تستفز ألمانيا الإرهابيين المسلمين حتى لا تكون حافزا على ارتكاب عمليات إرهابية. إننا نطبق المثل القائل: "يا قديس فلوريان احم بيتنا ، واحرق بيتا آخر".

وكما هو الحال لا تجد أحدا من الألمان يقر بأننا لسنا الشعب الذي اخترع الشجاعة الأدبية أو الشعب الذي يعمل على تنفيذ ما اقتنع به.

إننا نجد الإذاعة والصحف الآن مليئة بالحديث عن الحرب، حتى أن وصفات الطبخ – سواء كانت مسموعة أو مقروءة - قد لا تخلوا مما يشير إلى الحرب.

إنكم رغم تعرضكم للمخاطر أكثر منا، إلا أنكم تواجهون المواقف بهدوء وكرامة. إنني أفكر كثيرا في البركان الذي يوجد تحت لبنان، وأتمنى أن تمر الحرب عليكم بسلام وألا تمسكم بسوء من قبل ومن بعد.

وإلى اللقاء
ميشائيل

بيروت: الخميس، 27 مارس 2003، الساعة 22:53

عزيزي ميشائيل

عباس بيضون، الصورة: لاريسا بندر

​​لم يتأخر الأميركيون. بدأوا الحرب فورا بعد نهاية الإنذار. هنا في لبنان يرابط الناس منذ ذلك الحين أمام التلفزيون. في البدء كان سائقو التاكسي الذين ينقلوني إلى الجريدة ينتظرون من صحافي مثلي أن يخبرهم ماذا ستكون نتائج الحرب على لبنان. روائي موسوس أخبرني أن سيكون لها بالتأكيد نتائج ضارّة على مهنته.

الآن لا يسألني السائقون. إنّهم هم الذين يخبرونني عن خسائر الأميركان. لقد تحوّلوا بالمخيلة أمام التليفزيون إلى مقاتلين يكبّدون الإنكليز والأميركان مزيداً من القتلى. لا أظنّ مع ذلك أنّهم يطمعون في ربح الحرب فهم بالتأكيد لم يصلوا إلى هذه الدرجة من التوهّم.

لكن الناس هنا لا يخوضون فقط الحروب التي يأملون بربحها. إنهم يظنّون أن الحروب الخاسرة أيضا تستحقّ شجاعة وحماسة، بل هم إزاء الشجاعة لا يعودون يسألون عن النتيجة، لقد اعتادوا الخسارة، وما يطمعون به هو قليل من الكرامة.

إذا استثنينا حرب الجزائر فقد هُزموا دائما، وغالباً كان السلاح الأميركاني سبباً في هزائمهم. لكنهم اعتادوا ايضا القتال بلا أمل، فعلوا ذلك في فلسطين ويفعلونه اليوم في العراق. وهم اليوم في أقصى درجات الهزيمة ويعلمون أن الأمريكان يهاجمونهم لأنهم في الدرجة الأولى يستضعفونهم، ولأنهم – الأميركان - يظنّون أنهم يستطيعون بثمن قليل جدا أن يقدّموا في العراق عرض قوة ناجح، ويستطيعون أن ينتقموا في العراق مما حلّ بهم من قاعدة أفغانستان.

الربط بين العراق وأفغانستان ضعيف وقد حاول الأميركان دون جدوى أن يجدوا صلة لكن الجمهور لا يحتاج إلى برهان كبير. إنّ عالم الشرّ والظلام هو دائما عالم تآمر ومكيدة والأشرار سيقدّمون لنا فيما بعد تحت الضرب البرهان الكافي.

ففي المخيلة التوراتية والمخيلة السينمائية لا حاجة الى أدلّة على الشر، لقد توسّل صدام حسين للأميركان وكان مستعدّاً للقيام بأي تنازل لينجوا برأسه. لم يكن مستعدّاً لإحراق سلاحه الشامل وغير الشامل فحسب ولكن أيضا لتقديم إصلاحات من كل نوع والتحوّل من ديكتاتور رهيب إلى وكيل الغرب الأميركي.

لكن الأميركيين كانوا يريدون فقط هزيمة ميدانية، يريدون أن يأتوا إلى هنا لا من أجل النفط فحسب ولكن لمحاصرة شرّ الآخر العربي والإسلامي ولا بدّ من طريقة لمحاصرة شرّ الآخر الأصغر الكوري. عند الآخر فقط يغدو السلاح الشامل خطرا فيما هو أداة خير في يد الغربي والإسرائيلي، لا يحتاج كل ذلك الى برهان بالطبع، إنه يحتاج إلى رؤيا، وقصف العرلق وهزيمته هما الرؤيا المنتظرة.

من جهتي كنت أفضّل حرباً خاطِفة وسريعة، لم أرد أن يموت أحد في سبيل طاغية كصدام حسين. كتبت مقالة بعنوان "يُهزم وحده". لكن كثيرين شعروا أن السبب في الحرب هو استضعاف العراق واستضعاف العرب عامة، كان في هذا مذلة اضافية لشعب يرى نفسه دائما مباحا ودائما خارج القانون.

لا قانون يردع الإسرائيليين عن دفن الناس تحت الركام ولا قانون بالطبع سيمنع الأميركيين عن دفن الناس أيضا تحت الركام. يكره الناس صدام حسين لكن لا يثق أحد في الولايات المتحدة. مهما كان التحليل لم يستطع أحد أن يجد في أول دبابة أمريكية محترقة سوى رمز لعمى القوة وعقاب لغرورها.

لم يستطع معظم العرب إلا أن يفكروا بأن هزيمتهم ستكون أقل وضعفهم سيكون أقل من ذلك. نتيجة الحرب محسومة حتى الآن لكن ماذا لو تكبّد الأميركان خسائر فعالة على الطريق، ماذا لو فهم الشعب الأميركي أن ليس من اعتداء بلا ثمن، ماذا لو فكروا بأن العالم لم يقف ضد الحرب بلا سبب، وأن الشيطان الذي رآه بوش ليس حقيقيا ولا يمكن بسهولة تسليم قيادة البلد لمدّعي النبوة.

كنت مع حرب خاطفة لأنني لا أقبل أن أتمنى الموت للعراقيين أو الأمريكان، لكن المقاومة ستثبت كم أن سياسة بوش ليست رؤيا بقدر ما هي حماقة، وأن ربط القوة بالهداية والخير والحكمة ادّعاء كبير. وإذا حصل ذلك ففيه بالتأكيد خدمة لأمريكا والعالم.

عباس بيضون

برلين: الثلاثاء، 1 أبريل 2003، الساعة 15:13

عزيزي عباس

ميشائيل كليبرغ، الصورة: لاريسا بندر

​​بعد أسبوع ونصف من الحرب حدثت أشياء بألمانيا، لم أكن أتخيل أنها ممكنة. لا أعني بذلك المظاهرات السلمية اليومية المناهضة لبوش، فهذه المظاهرات كانت موجودة دائما وفي كل مناسبة والمتظاهرون ينتمون أغلب الأحيان إلى جماعات من قطاعات اجتماعية محددة فهم إما أعضاء بالحزب الاشتراكي الديمقراطي أو من المتعاطفين معه أو من الخضر أو النقابيين أو من فصائل صغيرة متفرقة من اليسار أو مجموعات هامشية أخرى.

لا ما اعتبره فعلا جديدا هو ذاك الحنق على الحكومة الأمريكية والسأم من بياناتها الحمقاء ومن غرورها الاستعماري الذي تعامل به بقية العالم، بما في ذلك حلفاءها. وهذا الحنق والغضب، لا يقتصر على تلك الجماعات التي ذكرتها بل يتعداها:

لقد رأيت في الأيام الأخيرة وأنا في كامل دهشتي، كيف أدار بعض أناس ظهرهم للولايات المتحدة ووضعوا جل آمالهم في تطوير مشروع أوروبا الموحدة، بعد أن كانوا يرون من قبل أن مستقبلنا السياسي والاقتصادي والثقافي لن يكتب له النجاح إلا بالدعم والتضامن الوثيق (التبعية) مع الولايات المتحدة.

قبل بدء الحرب بعدة أسابيع سمعت سياسيا يقول باستهجان: إن مصير النموذج الألماني الفرنسي هو مزبلة التاريخ. ليس لنا مستقبل إلا من خلال الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة. الآن يبدو أن كثيرين صاروا يفهمون أنه قد يكون هناك بديل للتبعية العمياء للولايات المتحدة التي تشبه قيادتها في تعبيرها عن مصالحها بعصبية دينية وبردود أفعالها المناهضة للديمقراطية، تلك الدول المارقة التي تحاربها.

ونحن ليس لدينا فقط البديل، بل ويتزايد شعور الناس أكثر فأكثر هنا، أننا في أوروبا نستحق شيئا أفضل من أن نكون عرائس ماريونيت لأمريكا يحكمها بوش. أريد أن أعرض عليك اقتباسا من مقال للكاتب النمساوي البارز روبرت ميناسه Robert Menasse وقد نشره قبل أسبوعين في مجلة “Literarische Welt”. من الأفضل ألا نتعرض مطلقا لهذا الوعي الأوروبي- الديمقراطي الذي استيقظ فجأة:

"صحيح أن قانون بوش القائل بشن الحروب ضد الدول التي تستطيع أن تدفع ثمنها بعد الحرب، يعد أول تجديد يدخل على نظرية الحرب منذ كلاوزيفيتس Clausewitz ، لكن بقدر طليعية هذه الفكرة فهي استجابة بدائية على التخلف بنية النظام السياسي الاجتماعي الأمريكي مقارنة بأوروبا.

ففي حين أن السياسة الأوروبية قد تخطت مسألة الوطنية أو القومية، ما يزال من الممكن اعتبار أن سياسة الولايات المتحدة هي سياسة مصالح وطنية. وجدت أوروبا بعد تجاربها في النصف الأول من القرن العشرين طريقها إلى سياسة السلم، بينما ما تزال الولايات المتحدة تستخدم سياسة الغزو العسكري وتأمين الأسواق والموارد من خلال القوة العسكرية، رغم تجاربها في النصف الثاني من القرن العشرين.

قد تكون الولايات المتحدة رائدة في مجال التطوير التقني وبالتالي فهي تسبق أوروبا بصورة نوعية في إنتاج الثروات الاجتماعية، لكن من ناحية توزيع هذه الثروات على المجتمع فتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأخيرة.

إن الفارق بين اقتصاد السوق الأمريكي واقتصاد السوق الاجتماعي الأوروبي كبير جدا كالفرق بين الكتابة المسمارية ومعروضات معرض فرانكفورت للكتاب. ربما إن أفكار عصر التنوير قد تحققت في الولايات المتحدة قبل مائتي عام بشكل أوسع مما كان عليه الحال في "القارة القديمة". حاليا تعد الولايات المتحدة متخلفة حتى عن أفكارها الدستورية الخاصة. بدءا من تأثير الدين على السياسة ووصولا إلى تطبيق عقوبة الموت، تتبدى الولايات المتحدة حتى للمتعاطفين معها على أنها دولة نامية في مجال التنوير."

أستطيع أن أتذكر جيدا قبل سنوات عندما كنت أعيش في فرنسا، أن الحكومة الفرنسية كانت هي الحكومة الأوروبية الوحيدة التي عارضت خطة أمريكية في مجال تصدير واستيراد السلع الثقافية (الكتب والأفلام،إلخ..) انشغلت كل الصحف الفرنسية بالكتابة عن هذا الموضوع، في حين لم يذكر أحد شيئا عنه في ألمانيا.

في ذاك الوقت بدأت المقاومة الفرنسية للعولمة التي لا تخدم إلا المصالح الأمريكية ونشأت من خلال هذه المقاومة منظمة أتاك “Attac” التي أصبحت حاليا متواجدة في كل أنحاء العالم.

يبدو الأمر تقريبا وأن الأوروبيين قد صحوا من غفوتهم فعلا. لو حدث ذلك فعلا فسيكون ذلك أمرا نافعا على المدى الطويل، حتى بالنسبة لكم في الشرق. فلننتظر إن كان تحرر الأوروبيين مجرد نار تنطفئ جذوتها سريعا، أما أنهم يعنون تحررهم من أمريكا بصورة جدية. فلو استطاع الأمريكيون إسقاط صدام بسرعة وبدون إراقة دماء كثيرة، وإذا ما تناولوا بعد ذلك، وعلى عكس ما هو متوقع، القضية الفلسطينية بجدية، فسيستعيدون حظوتهم لدى الأوروبيين بسرعة، مثلما فقدوها الآن بسرعة.

مع تحياتي
ميشائيل كليبرغ

بيروت: الجمعة، 11 أبريل 2003، الساعة 15:28

عزيزي ميشائيل

عباس بيضون، الصورة: لاريسا بندر

​​لم أشارك في تظاهرة، أسمع عنها من الذين يرونها وسيلتهم الوحيدة ليشاركوا في الأحداث. أكره احتفالية هذه التظاهرات وأشعر دائماً أنّ من فيها هنا يقلدون أنفسهم ويستعيدون بلا أي ابتكار أموراً باتت من حطام حياتهم، لكنني أسمع السائقين الذين ينقلونني في سرفيساتهم والركّاب الذين يصادف أن ألتقيهم في السيارة، وجميعهم فخورون بمقاومة العراقيين وجميعهم لا يريدون أن يفكّروا أن المعركة مع ذلك محسومة ولا أمل للعراقيين بأن ينجوا منها.

والناس هنا مع العراق، لماذا لا أقول إنهم مع صدّام حسين ونظامه لسبب بسيط، أنه قاوم وكبّد الأمريكيين خسائر في السلاح والأرواح. ليس السلم الذي يهمّ الناس هنا، يهمّهم أن يواجهوا الأمريكيين بأي ثمن، يهمّهم أن يتجرأوا على الأمريكان ولا يفكّرون بالنتيجة.

إنهم نفس الأشخاص الذين يستطيع البوليس السياسي أن يميتهم رعباً ويمنعهم من أن يتنفّسوا. لا أفهم كيف يمكن لأناس سحقهم الخوف أن يبدو شجعاناً في مواجهة القوة الأعظم في العالم. لا أعرف، لكني أفكّر أحياناً في أنّ الناس يخافون الاستبداد أكثر مما يخافون الحرب، يخافون التعذيب والإهانة أكثر مما يخافون الموت، لا أفهم لكني أحزن حين أرى أناساً يهمّهم فقط أن يموتوا بكرامة لم يتمتعوا بها في حياتهم.

لقد أتى يوم تساءلت فيه الصحف الفرنسية عن الجماهير العربية، قالت يبدو أن الجماهير العربية وهم، لأنهم لم يروا هذه الجماهير في الشارع تناضل في سبيل السلم فيما خرج الناس في أبعد البلدان ضدّ الحرب على العراق، لأقل أن السلم بالنسبة لهذه الجماهير ترف لا تفكّر به، إنها تفكّر بأمور أكثر ضرورية. بالكرامة مثلاً، إنْ لم نقل بالدواء والطعام اللذَين افتقادُهما أيضاً إهانة كبرى، إنها تفكّر بالكرامة والآن حين واجه العراقيون، مهما تكون الطريقة والسبب، الأميركيين أحسّ الجميع أنهم معنيون ما دامت الكرامة الآن هي المسألة.

لكن هذه مسألة خطرة فالكرامة مسألة قديمة إنها ليست على كلّ حال مسألة معاصرة تماماً، الآخرون يطالبون بالسلم والعدالة، أما هنا فإن المهم هو الشرف. ومع الشرف هناك تراث قبيلي يمكن أن يفرض نفسه:

الشجاعة، التضحية، القتال، وهذه جميعها قيم حرب لشعوب هي دائماً مهزومة ودائما عطشى إلى نصر واحد، أو على الأقل إلى مواجهة كريمة. ذلك يجعلنا مستغرقين في أمور غير معاصرة ومن الصعب انطلاقاً منها أن نتواصل مع العالم أو نتحاور معه أو ندخل في معاركه ومواجهاته.

لا يفهم العالم لماذا ينتحر كثير من العرب في عمليات فدائية. ولا يفهم العرب، حتى أولئك الذين يقفون ضد العمليات الانتحارية، أن توصف العمليات الانتحارية بأنها عمل لا أخلاقي. إنهم يرونها على الأقل تضحية كبرى وشجاعة فائقة.

الأرجح أن معركة كبرى كالحرب على العراق تنقذ قليلاً كرامة العرب، إنها حرب كبرى حرب ضد العالم والهزيمة فيها محتملة والصمود لفترة قريب من أن يكون نصراً. لكن هذا أمر ليس فيه مكان للسياسة ولا الاقتصاد ولا المصلحة ولا علم الحساب. أمر لا يوجد فيه إلا بسيكولوجيا بحتة ومن جديد نطرح السؤال: أين نحن؟ في أي زمن نعيش؟

عباس بيضون

برلين: الأحد، 25 مايو/أيار 2003 الساعة 18:02

“The bloody dog is dead!”

ميشائيل كليبرغ، الصورة: لاريسا بندر

​​هذا ما قيل في الماضي بكل بساطة ووضوح يا عزيزي عباس، هكذا صارت الأمور عند نهاية الحرب التي لا جدال في عدالتها ضد الألمان: عندما أعلنت السلطات أن الديكتاتور ذا الشارب الصغير قد مات وأن قوات الحلفاء متواجدة في ذاك الوقت في برلين، كان ذلك إيذانا بنهاية الحرب، وبدأ السلام وبدأت إعادة البناء.

وخرج المنهزمون الألمان، الذين كانوا يطلقون نيرانهم حتى وقت قريب على أعدائهم البلشفيين - اليهود، حاملين رايات الاستسلام البيضاء وتقدموا بالشكر والعرفان للحلفاء الذين خلصوهم من الفاشية، وولوا وجوههم -حسب قوات الشرطة العسكرية التي واجهتهم- شطر الديمقراطية أو شطر الاشتراكية.

أجل لقد تبين لنا نحن الألمان، بعد أن قتلنا ثلاثين مليونا من البشر، وبعدما راح ضحية الحرب سبعة ملايين من ذوينا، تبين لنا بوضوح ما علينا أن نفعله ونفذناه حرفيا بكل حماس، نفذنا ما توقعه وطلبه منا قاهرونا/محررونا، وانحنينا لهم معبرين عن جزيل الشكر والعرفان وقلنا "آه، لو كان لنا أن نعرف ذلك من قبل لما…"

آه يا سيد بوش، إنك تظن أن الأمور قد تسير في كل مكان على هذا المنوال، أليس كذلك!

تظن أن الطغاة يموتون أو يعتقلون في نهاية الحرب، وأن على الشعب أن يفهم أنه لم يقهر وإنما تم تحريره، وأن عليه أن يفهم أن السلطة يجب أن تؤول للمنتصر، وأن على الشعب بعد كل ذلك أن يتقدم للمنتصر بالشكر والعرفان.

بيني وبينك يا عباس، إذا ما نظرنا إلى السجون والمقابر الجماعية والشواهد الأخرى على فظاعة حكم صدام، فلا يمكن للمرء إلا أن يكون شاكرا للأمريكيين على إنهاء حكم هذا النظام. السؤال الذي يطرح نفسه ليس له علاقة بمشروعية وقانونية هذه الحرب، فمن السخف تناول هذا الموضوع بالنقاش بعد مرور أسابيع على نهاية الحرب.

السؤال الذي يطرح نفسه هو أي نظام سيحل محل النظام السابق؟ هل ستأتي دولة دينية إسلامية تحت إمرة الأئمة الشيعيين؟ من صدام إلى الحكم الإسلامي، كالمستجير من الرمضاء بالنار، لو صارت الأمور في هذا الاتجاه، فستكون تلك نتيجة مريرة للحرب، ولكن ما هي الخيارات الأخرى؟

فيم يا ترى فكر الأمريكيون؟ هل كانوا سذجا لدرجة الاعتقاد في وجود تشابه بين الألمان عام 1945 والعراقيين في الوقت الحالي، هل ظنوا أن العراقيين سيقبّلون أقدامهم ويحاولون أن يكونوا طلابا يجدون في تعلم الديمقراطية؟

أو هل الأمر بالنسبة لهم سيان بخصوص من سيتولى الحكم بعد ذلك، أهم شيء هو سيطرتهم على النفط وأن تحصل شركاتهم مكاسبها من إعادة البناء. هل لديهم خطة نموذجية طوباوية لدمقرطة المنطقة بأسرها، من خلال إسقاط بعض الأنظمة الاستبدادية الأخرى، أم أنهم بلهاء وسذج، وإمبرياليون مثلما تعتقد في ذلك الانتليغنتسيا الأوروبية؟

من الصعب وضع تصورات واضحة بشأن هذه الأسئلة ولذلك لم تعد أجهزة التلفزيون تطرحها. أجل لقد اختفى العراق من الصفحات الأولى للصحف والمجلات، لقد تناولناه بما فيه الكفاية، بل وأكثر من اللازم، الآن يجب أن نسمع شيئا آخر، بعض الشيء عن السياسة الداخلية الألمانية وبعض الشيء عن زلزال الجزائر…

لكن هذه هي أحد الحقائق عن الحرب: ما نأمله وما نريده، ما نراه وما لا نراه، ليس له أي دور في مجريات الأحداث. ستقرر الولايات المتحدة الأمريكية عمل أشياء معينة. وسيفرح العراقيون وباقي العرب أو سيغضبون لتلك القرارات، وستزيد كراهيتهم للولايات المتحدة أو ستقل. أما نحن في أوروبا، فستصل إلينا في الوقت المناسب أنباء بهذا الخصوص. وأعني بالوقت المناسب، ما بعد اتخاذ القرارات.

م. كليبيرغ

بيروت: الثلاثاء، 17.6.2003، الساعة 13:15

عزيزي ميشائيل ...

عباس بيضون، الصورة: لاريسا بندر

​​لن يقول أحد هنا أن الأمريكيين حرروا العراق، كما فعلوا بألمانيا، رغم نقاط التشابه الكثيرة. السبب هو أن الأمريكيين أنفسهم لا يريدون ذلك. يتكلم بوش عن الديمقراطية، لكنه يتكلم أكثر عن إرادة الله، عن مشيئة المسيح، عن الحرب ضد الشر. هذا كلام سمعه العراقيون من قبل بطريقة أخرى، سمعوه من صدام الذي كان هو الآخر يظن أنه شبه مكلفٍ من الله وسمعوه أيضاً من رجال الدين والحركات الأصولية الدينية.

إنهم يعرفون أنه كلام بلا معنى، ويتعجبون من أن يقوله رجل يستمد كل قوته من العلم والتكنولوجيا. الخلاصة أن خطاب بوش لم يقنع أحداً بضرورة الحرب، ولن يقنع أحداً بتفسيره لها. لكن الأمر المهم الذي حصل هو أن العراقيين تخلصوا من صدام حسين.

المقابر التي تكتشف كل يوم، تبين كم أن هذا انتصار حقيقي. إنه انتصار يتيم بلا صاحب، لكنه رائع. أهم حدث في حياة العراقيين لم يشاركوا فيه. لقد جاءهم كهدية، وهذا مربك كثيراً. إنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بها. جربوا درسهم الأول في الديمقراطية ضد الأمريكيين أنفسهم. كان عليهم أن يصيحوا ويحتجوا ويقوموا بتظاهرات، وقد فعلوا ذلك بكثرة، كأنهم لا يريدون أن يشبعوا من اللعبة الجديدة التي لم يعتادوا عليها.

لقد صرخوا ضد البطالة والجوع، احتجوا على النهب، ذهبوا بالملايين إلى عاصمة الشيعة المقدسة باكين نادبين، بكوا، صرخوا. فالحرية كما نعلم لا تمنح. إنها قاسية وهي تنتقد وتسبّ. بالفعل بدأ السب والعنف الرمزي. بعد قسوة صدام الستالينية يحضر العنف المضاد، وهو أيضاً مكبوت ويبحث عن ضحية.

من المخيف أن لا تنتهي دورة العنف. مخيف أكثر أن يوجد بين الضحايا والمنفيين من يريد أن تستمر طاحونة العنف. لم يعرف العراق منذ تأسس ديمقراطية فعلية. دمر صدام حسين وحكمه الدولة والمجتمع من الداخل.

في السنوات العشر الأخيرة من حكمه كان العراق غابة، وكل أشكال الاعتداء مسموحة ويقوم بها البعثيون والمخابرات وأقرباء الرئيس. لم يكن هناك أي قانون. العراق الذي يغلي اليوم هو العراق الذي أفرغه صدام حسين من أي مرجع أو قانون.

لذلك لا أحد يعرف ماذا يجب أن نفعل. وفي انتظار الجواب يتلهى الناس بحزازاتهم وأحقادهم. الغريب أن العرب الآخرين لا يفهمون هذا. إنهم يبدأون الحديث عن مقاومة مسلحة ضد الأمريكيين، وكأن لا يكفي العراقيين خمسين سنة من الدم والقتل والمقابر. وكأن على العراقيين أن يبدأوا حلقة أخرى من الدم والعنف.

عزيزي ميشائيل ...

الوضع مربك. لا يريد أحد أن يفهم ما يجري. الجميع يتمسكون أكثر بمسبقاتهم الايديولوجية، وكأنهم يخافون من أن يبدأ عصر جديد. إنهم يتكلمون مجدداً عن الاستعمار والمقاومة. لا يريدون أن يفهموا أن زوال ديكتاتورية 50 عاماً حياة جديدة.

لمجرد أن ذلك حصل على أيدي الأمريكيين المكروهين. لكن الانفصال عن الواقع يتم بشكل كبير. وأخشى أن نعيش في حالة انفصال إرادية ومقصودة عن الواقع. إننا لا نريد ببساطة أن نبدأ. هناك دعوة لا نريد قبولها.

إننا نتردد ولا أحد يهتم فعلياً بمساعدتنا. لقد ربح الأمريكيون الحرب، لكنهم يظنون أن كل الحماقات مسموح بها للمنتصر. لقد استقبلهم الناس كمحررين وينتهي الأمر بأن يكرهوهم. ليس هذا شيئاً على كل حال. ربما يجد العراقيون وهم في أعرق بلد عربي تقريباً وسائل للدفاع عن شخصيتهم.

وسائل غير المقاومة المسلحة بالطبع. إذا وجدوا هذه الوسائل فيمكن لبقية العرب أن يتعلموا منهم، يمكن لبقية العرب أن يتخلصوا من خجلهم من أنفسهم وشعورهم العميق بالذنب والعجز وأن يجدوا لحظة تاريخية لهم.

لقد انتهى نظام صدام حسين والأنظمة التي تشبهه مهددة. لقد انتهى عصر. قد نمر بفترة فراغ كبيرة بعد ذلك، لكننا نأمل ببداية أخرى.

إذا حدث في العراق شيء جدي، سنتوقف عن الخجل من أنفسنا، لأننا تركنا الأمريكيين يقومون عنا بما لم نستطع أن نفعله. سنبدأ بالتفكير بالمستقبل. وربما سنفكر بأن الحرية هي أيضاً ثروة كالنفط وأننا يمكن أن نستغلها في سبيل عصر آخر.

عباس

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.