حميد سكيف، دار نشر اسكوف بيشا
في رثاء الكاتب والناشط الجزائري حميد سكيف

روائي المنفى وصوت من لا صوت لهم

وهب الكاتب والروائي الجزائري المعروف حميد سكيف حياته من أجل الدفاع عن حقوق الضعفاء والمهمشين. حميد سكيف، الذي أغنت مقالاته الصحافية الساخرة موقع قنطرة في السنوات الأخيرة نجا بأعجوبة من عملية اغتيال، ليغادر بلده مكرها برفقة زوجته وأبنائه ويعيش منذ 1997 في مدينة هامبورغ. ريجينا كايل ساغافا تستذكر ابن وهران الراحل حميد سكيف، الذي وافته المنية يوم الجمعة الماضي.

حميد سكيف، دار نشر اسكوف بيشا
"أردت أن أصبح محاميا، وقد أصبحت محاميا، لكن دون بدلة محاماة ودون قاعة محكمة. أنا دائما إلى جانب المضطهدين والمهمشين"

​​ "ينتمي صوت حميد سكيف إلى تلك الأصوات التي نفضل عدم الإصغاء إليها"، كتبت مجلة شبيغل عن روايته "جغرافية الخوف". والآن خفت هذا الصوت وإلى الأبد. ففي يوم الجمعة، الثامن عشر من مارس 2011، في الساعة الخامسة صباحا، توفي الكاتب الجزائري وحامل جائزة أدب المنفى من هايدلبرغ، في مشفى في مدينة هامبورغ، بعد صراع مرير مع مرض السرطان. وفاة تأتي ثلاثة أيام فقط، قبل عيد ميلاده الستين.

ولد محمد بن مبخوت، المعروف بحميد سكيف، في الواحد والعشرين من مارس 1951 في مدينة بوسعدة ، بوهران، في كنف أسرة تعمل بالتجارة. أثرت تجربة الحرب والعنف التي عاشتها الجزائر بقوة على وعيه بالعالم. أحد أعمامه، والذي كان أول المتحدثين الفرانكفونيين في راديو بغداد خلال ثلاثينيات القرن الماضي، سيصبح من كبار الثوريين. وهو بعد في سن الطفولة، يفقد حميد سكيف عينه اليمنى في الحرب، ومنذ سن الثانية عشرة وهو يأمل بأن يصبح صحفيا وشاعرا.

طفولة نضالية

غللاف رواية جغرافية الخوف
"إذا كنت قد غادرت الجزائر فإن الجزائر لم تغادرني البتة"

​​ في عمر السابعة عشرة التقى كاتب ياسين وتتلمذ على يديه في مجال المسرح، وفي سن العشرين نشر سان سيناك أشعارا له في أنطلوجيا الشعر الجزائري الشاب المكتوب بالفرنسية (1971). عمل صحفيا في جريدة الثورة الإفريقية والجمهورية الفرنكوفونيتين وسنة 1973 يعتقل لأول مرة لأنه نشر ربورتاجا نقديا عن الشرطة الجزائرية، لينقل سنة 1974 إلى سجن الجزائر، لأنه رفض إغلاق جريدته. وبعد فترة قصيرة قضاها في المكتب الوطني لدعم الأفلام، ثم نقله، بفعل ضغوط وزارة الإعلام والثقافة الجزائرية، إلى وكالة الأنباء الجزائرية سنة 1975 في ورغلة، وسنة 1978 في وهران، وسنة 1984 في تيبازة. وقد حصل على جائزة السيناريو الوطنية عن فيلمه "طفولة ناعمة" لكن التلفزيون الجزائري وصف الفيلم بالمضاد للثورة، كما امتنعت الصحافة عن نشر قصصه التي كان ينظر إليها على أنها "خطيرة".

وسنة 1990، لما بدأت رياح الليبرالية تهب على الجزائر، أسس الجريدة الاقتصادية "بيرسبيكتيف" وسنة 1992، أسس اتحاد الصحفيين الجزائريين. وفي سنوات 1993 و1994 سقط الطاهر جاووت ويوسف سبتي كأول مثقفين جزائريين، ضحية العنف الإرهابي، وقد نجا حميد سكيف هو الآخر بأعجوبة من عملية اغتيال، ليغادر بلده مكرها رفقة زوجته وأبناءه. وفي سنوات 1995و1996 يحصل على منحة من مؤسسة هاينريش بول، ومنذ 1997 يعيش في هامبورغ، مدعوما من طرف مشروع جمعية القلم الدولية: "كتاب في المنفى" ومؤسسة هامبورغ لدعم اللاجئين السياسيين.

حياة مع الخوف

هو المطارد الذي عاش القمع والرقابة: "لقد أرغموني بمسدس في صدغ رأسي، على قراءة أشعاري راكعا"، عمل بقوة على الدفاع عن المطاردين، بشعره ونثره واختياره لمواضيعه، وبأسلوبه، الذي يذكر بأسلوب المسرحي الألماني برتولت برشت المقتضب والساخر، كما هو الحال في روايته "جغرافية الخوف" مثلا التي حصلت على جائزتين في فرنسا، والتي يتعرض فيها لحياة المهاجرين غير الشرعيين. "أردت أن أصبح محاميا، وقد أصبحت محاميا، لكن دون بدلة محاماة ودون قاعة محكمة. أنا دائما إلى جانب المضطهدين والمهمشين، وكل الذين لا يريد أحد الدفاع عنهم، النساء والأطفال والناس الذين لا يهتم بهم أحد"، قال حميد سكيف سنة 2005 في هايدلبرغ، بمناسبة حصوله على جائزة هيلده دومين لأدب المنفى عن روايته "سعادة الرئيس المحترم"، كما استغل هذه المناسبة لدعوة مدينة هايدلبرغ لتنظيم مهرجان للأدب المغاربي.

وقد كان حاضرا في افتتاح الأيام المغاربية في إطار الأيام الأدبية عام 2007، إلى جانب ألبير ميمي وكريستوف لايستن، كما كان حاضرا سنة 2009 رفقة الحبيب طنغور وليلى أبو زيد، والآن يفقد المهرجان صاحب فكرته، لكن الفكرة تستمر في الحياة والاتساع لتشمل آفاق أخرى، خصوصا وأن حميد سكيف عمل أيضا على مشروع تعاون ثقافي مع مدينة الصويرة المغربية.

إن كرم حميد سكيف وغنى أفكاره واستعداده لمساعدة الآخرين، وعمقه الإنساني، كل ذلك لن تفتقده أسرته فقط. "يتوجب على المرء السفر، لكن عليه أن يكون مثل شجرة"، كتبت الشاعرة الألمانية هيلده دومينه يوما. صدى كلماتها يتردد عند حميد سكيف أيضا :"إذا كنت قد غادرت الجزائر فإن الجزائر لم تغادرني البتة". كانت أمامه مشاريع أخرى وأشياء كثيرة يريد إنجازها، واهتمامه بالفنان عبد القادر قرماز، كان جزءا فقط من ذلك، لكنه اليوم في طريقه إلى أرض الوطن، لعله يجد الآن هناك المأوى الآمن الذي لم يجده فيه حيا. رحمه الله.

ريجينا كايل ساغافا
ترجمة: رشيد بوطيب
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.