صورة غلاف الترجمة
هارتموت بوبتسين يضع ترجمة ألمانية جديدة للقرآن:

التأويلات الأوروبية تلقي بظلالها على ترجمة القرآن

صدرت مؤخرا وبعد طول انتظار الترجمة الألمانية للقرآن التي أنجزها البروفسور هارتموت بوبتسين أستاذ العلوم لإسلامية في جامعة إرلانغِن. وبالرغم من بعض الإشكالات، إلا أنَّ هذه الترجمة هي الأفضل بين كافة الترجمات الألمانية المتوفرة، كما يرى شتيفان فايدنر في هذه المقالة.

صورة غلاف الترجمة
يريد بوبتسين أن يوفق بين الشكلين المتباعدين لترجمة القرآن إلى الألمانية، أي بين الترجمة المفرطة في حَرفيتها إلى حدِّ عدم الفهم والتي أنجزها رودي بارِت في سبعينيات القرن الماضي وبين الترجمة الشعرية التي أنجزها فريدريش روِكرت في القرن التاسع عشر.

​​ يُعتبرُ القرآن الذي بالكاد يمكن ترجمته من أحدث النصوص الأساسية التي لها ثقلٌ عالميٌ ومن أكثرها صعوبةً. هنالك أكثر من عشر ترجمات ألمانية للقرآن، لكن جلها أصبح قديمًا من الناحية اللغوية والعلمية. ولا توفِّر أية ترجمة من هذه الترجمات مدخلاً حقيقيًا إلى كتاب المسلمين المقدس. فهل تُغيِّر الترجمة الجديدة التي أنجزها البروفسور هارتموت بوبتسين Hartmut Bobzin أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة إرلانغِن والتي صدرت مؤخرًا من هذه الحال؟

إنَّ القراءة المتفحصة الأولية تبيِّن بوضوح الإشكاليات الذي تتصف بها هذه الترجمة أيضًا. ففي السور الأولى التي تلي سورة الفاتحة جاء في ترجمة بوبتسين: "هذا هو الكتاب الذي ليس فيه ريب – وهو هدى لمن يهاب الله" [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين]. إنَّ ترجمة كلمة "كتاب" هي ترجمة لا تراعي السياق الزمني، إذ لا يمكننا قراءة القرآن كما نقرأ أيَّ كتابٍ آخر، لأنه ليس مبنيًا بشكلٍ تسلسلي من أي طراز كان ولا يتسم بأي نوعٍ من البناء النسقي. فالمقصود هنا ببساطة الرسالة [السماوية]، لكن بوبتسين لا يريد أنْ يبتعد عن تصوُّر الإسلام كدين مثله مثل الديانتين المسيحية واليهودية.

وإذا راجعنا التعليقات المرفقة في آخر الكتاب سوف نجد التالي بخصوص هذه الآية: "يمكن ترجمة هذه الآية أيضًا هكذا: هذا الكتاب – لا ريب فيه (...)". القارئ الفطن سوف يسأل عن معنى وجود ريبٍ "في" رسالة [سماوية] غيرَ معنى أنه يمكن الشك بها؟ بعد اتضاح هذا المغزى لا يكون معنى الجملة سوى "هذا الكتاب منزهٌ عن أي شك وهو مرشدٌ لمن يهاب الله".

200 صفحة من التعليقات

هارتموت بوبتسين
الدكتور هارتموت بوبتسين أستاذ العلوم الإسلامية وفقه اللغات السامية في جامعة فريدريش ألكسندر – إرلانغن. يتمحور عمله البحثي على القرآن وعلى تاريخ التأويل الأوروبي للإسلام.

​​ هنالك سببٌ خاص لأن تكون مثل هذه الآيات الواضحة نسبيًا مضلِّلة لدى قراءتها في صيغة الترجمة التي أنجزها هارتموت بوبتسي. والسبب أنَّ كل تاريخ التأويل الأوروبي للقرآن يلقي بظلاله على ترجمة بوبتسين. لذلك يجري الحديث عن "كتاب" بالرغم من أنَّ القرآن ليس كتابًا، ومن هنا تأتي الدِّقة التي تنقصها الحماسة في المكان الخطأ لدى تصنيف كلمة "شك" من الناحية النحوية. والجدير بالذكر أنَّ مائتي صفحة من التعليقات ذات الطابع الفقه لغوي (فيلولوجي) تُذيِّل ترجمة هارتموت بوبتسين التي تتألف من ستمائة صفحة.

تتصف التعليقات بالنباهة والأمانة الشديدة ووعي الإشكاليات وسعة المعرفة. لكنها لا تفيد القارئ بقدر ما تفيد المترجم في وقاية نفسه من النقد وباعتباره جزءًا من الحوار مع باحثي علوم القرآن الآخرين. عندما يترجم هارتموت بوبتسين "حواجز الله" يكتب في التعليقات حرفيًا "حدود الله"، ومن ليس له ثقافة بوبتسين سيفكر عند قراءة كلمة حواجز بالحواجز المستعملة لفصل خط السكك الحديدة عن الشوارع، ولا يفكر بكلمة ألمانية جميلة مثل Grenzbäume (شجرٌ يرسم حدودًا). الكلمتان ليستا خطأ، لكن الملاحظة في التعليق تبذر بذور الشك بالترجمة، بينما هي تهدف في الأصل إلى إزاحة هذا الشك.

صياغة شعرية

لا ينتهي الأمر بمائتي صفحة. فالتعليقات على التعليقات قيد الإعداد كما أُعلِن! وستتضمن هذه التعليقات المطولة تحديدًا تلك المعلومات الضرورية التي قلما يستطيع أحد قراءة ترجمة القرآن بشكلٍ جيدٍ بدونها كما يقول بوبتسين. من يقرأ السورة السادسة والتسعين في ترجمة هارتموت بوبتسين لا يحصل ولا حتى على إشارة واحدة تفيد بأنَّ هذه أول سورة أُوحي بها للنبي بحسب الفهم الإسلامي، أو على أنَّها إحدى أولى السور على أية حال.


إن الصياغة الشعرية للنص القرآني التي يرى فيها العرب عظمة الإعجاز اللغوي تتحقق لدى بوبتسين عبر السجع الذي يستخدمه حيثما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وذلك باعتدالٍ وحذرٍ، لكن عمومًا بشكلٍ ممتاز.

​​ إن الصياغة الشعرية للنص القرآني التي يرى فيها العرب عظمة الإعجاز اللغوي تتحقق لدى بوبتسين عبر السجع الذي يستخدمه حيثما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وذلك باعتدالٍ وحذرٍ، لكن عمومًا بشكلٍ ممتاز. تبدو نزعة بوبتسين للترجمة الحرفية مشوِّشةً أحيانًا. ففي السورة السادسة والستين إياها يُترجم بوبتسين مستعملاً كلمة "اللاصق" غير الجميلة ولا يقصد بذلك شريط اللصق بل شيئًا خُلِقَ الإنسان منه: "اقرأ باسم ربك (...) الذي خلق الإنسان من لاصِقٍ" [خلق الإنسان من علق]. والمقصود نطفة أو سائل منوي وهذا لا يتبيَّن للأسف إلا لدى قراءة التعليق.

توفيق بين أشكال الترجمة المتباعدة

يريد بوبتسين أن يوفِّق بين الشكلين المتباعدين لترجمة القرآن إلى الألمانية، أي بين الترجمة المفرطة في حَرفيتها إلى حدِّ يعيق الفهم والتي أنجزها رودي بارِت Rudi Paret في سبعينيات القرن الماضي وبين الترجمة الشعرية التي أنجزها فريدريش روِكرت Rückert Friedrich في القرن التاسع عشر. وبذلك يكون بوبتسين أكثر من بذل جهدًا بين مترجمي القرآن إلى الألمانية حتى الآن. ويُعتبر الجانب التصميمي من أهم ما نجح به وتمييز به عن كافة المصاحف الألمانية بأشواط بعيدة، فسور القرآن منسقة على شكل سور منفصلة، وهناك فراغات مريحةٌ بين السطور.

كان من الأسهل لو تم اعتماد هذا المبدأ بشكلٍ حازمٍ، ولو أنَّ التفسيرات الواردة التي جُمعت فيها أجزاءٌ من سور قد فُصلت عن بعضها وكانت على شكلِ مقاطع منفصلةٍ، ليتبيَّن بذلك للقارئ قبل كل تعليقٍ من التعليقات أنَّ عليه أنْ لا يستغرب عدم تناسق الكثير من المواضع، وعدم وضوح الكثير من الارتباطات والصلات. رغم الأسلوب المحافظ الذي اتبعه هارتموت بوبتسين إلا أنَّ الترجمة جاءت مدهشة في نهاية المطاف وهي أفضل ترجمات القرآن المتوفرة حاليًا، حتى وإن كان تميُّزها مبنيًا أكثر على العمل الفيلولوجي المستمر مما هو مبني على سلك مناهج جديدة في ترجمة القرآن.

شتيفان فايدنر
ترجمة: يوسف حجازي
حقوق النشر: قنطرة 2010

مراجعة: هشام العدم

القرآن بترجمة جديدة لهارتموت بوبتسين بالتعاون مع كاتارينا بوبتسين. عن دار نشر C.H. Beck، ميونيخ 2010، 825 صفحة.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : التأويلات الأوروبية تلقي بظلالها على ترجمة القرآن

أودّ أن أسأل عن المؤلف هارتموت بوبتسين ودرجته العلمية وعلاقته بالغة العربية وعلوم القرآن، والتاريخ العربيّ لأن في الترجمة شروطا ينبغي التقيّد بها لضمان ترجمة سليمة وهل هي ترجمة للمعاني أم هي ترجمة حرفية...عفوا لأنّني لا أتقن اللغة الألمانيّة .

ياسين 25.06.2014 | 11:57 Uhr

جاء في المقالة " إن الصياغة الشعرية للنص القرآني التي يرى فيها العرب عظمة الإعجاز اللغوي"، وهنا لا بد من تنبيه مهم جدا، وهو أن القرآن لم يُصَغ صياغة شعرية، بل أسلوب القرآن أسلوب بديع لم تعهده العرب من قبل، والقرآن نفسه ينفي أن يكون هو في ذاته شعرا، أو أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم شاعرا.

Anonymous26.06.2014 | 19:38 Uhr