مظاهرات ضد الحكومة في القاهرة. د أ ب د
احتجاجات الذكرى السنوية الثانية لثورة 25 يناير المصرية

الحكومة والمعارضة في متاهة العجز عن إنقاذ مستقبل مصر

تسود في مصر حالة ارتباك واضطرابات سياسية في الذكرى السنوية الثانية لثورة 25 يناير، ولا توجد لدى السلطة الإسلامية ولا حتى لدى المعارضة الليبرالية أية خطط مستقبلية لإخراج مصر من هذه الأزمة، بحسب المحلل السياسي كريم الجوهري.

تدور منذ عدة أيَّام معارك شوارع في جميع أنحاء مصر بمناسبة الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية. وكذلك تحوّلت في يوم الأحد (27 يناير/ كانون الثاني 2013) الشوارع الفرعية المحيطة بميدان التحرير إلى ساحة معارك بين الشرطة والمتظاهرين.

وقد طغت على كلِّ هذه الأحداث ردود الفعل الدموية التي شهدتها مدينة بورسعيد نتيجة أحكام الإعدام التي صدرت في حقِّ 21 شخصًا من مشجِّعي كرة القدم المحليين، تم تحميلهم مسؤولية أعمال الشغب الدامية، التي قُتل فيها قبل نحو عام 74 شخصًا في ملعب بورسعيد - وكان جميع القتلى تقريبًا من مشجِّعي الفريق المنافس، نادي الأهلي لكرة القدم الذي جاء ضيفًا من القاهرة.

وتوجد في مصر عدة جبهات تعمل على استقطاب البلاد. ففي حين أنَّ مشجِّعي نادي الأهلي احتفلوا بأحكام الإعدام التي وصفوها بأنَّها "عادلة"، سادت في بورسعيد بعد صدور هذه الأحكام حالة شديدة من اليأس، ثم اقتحم أقارب الأشخاص المدانين والذين كان بعضهم يحملون بنادق هجومية سجن بورسعيد الذي يقبع فيه الكثير من الأشخاص الذين تمت إدانتهم.

وفي تبادل لإطلاق النار وأعمال الشغب التي تلت ذلك قُتل ما لا يقل عن 36 شخصًا. وفي يوم الأحد الماضي تواصلت الاشتباكات أثناء تشييع القتلى في بور سعيد. وفي الوقت نفسه قُتل كذلك ما لا يقل عن 11 شخصًا أثناء اقتحام المباني الحكومية ومكاتب جماعة "الإخوان المسلمون" في الأيَّام القليلة الماضية.

مشجِّعو نادي الأهلي وأقارب الضحايا  وهم فرحون بعد إصدار الحُكم على المتهمين بالإعدام. أ ف ب
مشاعل السعادة بعد الإعلان عن الحكم - عبَّر مشجِّعو نادي الأهلي وأقارب الضحايا عن سعادتهم بعدما حكم القضاء على واحد وعشرين متهمًا بالإعدام في قضية أحداث الشغب الدموية التي شهدها ملعب بورسعيد في شهر فبراير/ شباط 2012.

​​

الحوار من دون خطة وهدف

ولكن ماذا يفعل الرئيس؟ لقد التزم الصمت واجتمع بمجلس الدفاع الوطني المصري الذي تم تأسيسه بموجب الدستور الجديد والمكوَّن من وزراء وضباط في الجيش. وثم دعا في تصريح شديد اللهجة جميع التيارات السياسية إلى الحوار من دون تحديد أي جدول أعمال وهدف لهذا الحوار. وفي يوم الاثنين (28 يناير/ كانون الثاني 2013) أعلن الرئيس حالة الطوارئ في كلّ من مدينة بورسعيد والسويس والإسماعيلية.

وماذا عن المعارضة؟ في نهاية الأسبوع أعلنت "جبهة الإنقاذ الوطني" التي يتزعمها الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي ومرشَّح الرئاسة القومي، حمدين صباحي وكذلك الرئيس السابق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، في مؤتمر صحفي عن مطالب محدَّدة؛ تمثَّلت هذه المطالب في تأسيس "حكومة إنقاذ وطنية" وإعادة صياغة الدستور من أجل إيقاف الاحتجاجات.

وفي هذا المؤتمر الصحفي ذهبت المعارضة إلى حدّ الإعلان عن نيَّتها مقاطعة الانتخابات النيابية في حال عدم تلبية مطالبها. وذلك حسب شعار: "عزيزنا مرسي، أعطنا ما نريد، وإلاَّ فإنَّنا لن نخوض الانتخابات النيابية ضدّ إخوانك في جماعة الإخوان المسلمين". وهذا كمن يريد الإضرار بنفسه.

لا توجد حاليًا لا لدى محمد مرسي ولا لدى المعارضة أية فكرة عن كيفية التعامل مع مصر وكذلك مع المشكلات السياسية والاقتصادية المتفاقمة. ومنذ عدة أشهر شعار مرسي والإخوان المسلمين هو "كلّ شيء سيتحسن إذا منحتمونا مزيدًا من الوقت".

شاب في القاهرة يرسم رسماً جدارياً انتقادياً للإخوان المسلمين. رويترز
شبح الإخوان المسلمين - يتَّهم تحالف المعارضة المكوَّن من قوى يسارية وليبرالية وقومية الرئيس محمد مرسي باغتصاب السلطة السياسية والسعي إلى إقامة دكتاتورية جديدة تحت عباءة الدين.

​​

دولة داخل الدولة

ولكن لا توجد أية اقتراحات محدَّدة لتحسين الأوضاع والخروج في آخر المطاف من الأزمة. وحتى الآن لم يفعل محمد مرسي أي شيء لتفكيك جهاز الدولة غير الفعَّال والفاسد الذي تركه حسني مبارك. وحتى الآن ما تزال وزارة الداخلية تتمكسَّك بالممارسات البوليسية القديمة التي تعود إلى عهد الدكتاتورية بكلِّ غطرستها وحصانتها، وتشكِّل بذلك دولة داخل الدولة، وتُجري بعيدًا عن جماعة "الإخوان المسلمون" والمعارضة حساباتها الخاصة من أجل بقائها.

وبحسب خبراء الطب الشرعي فقد تم قتل المتظاهرين التسعة في السويس مؤخراً من مسافة قريبة، بل وأصيب بعضهم قد من الخلف. وحتى الآن لم تتم مساءلة الأجهزة الأمنية وحملها على تبرير موقفها.

وكذلك ترفع المعارضة شعارًا تبسيطياً مفاده: "أي شيء ولكن ليس الإخوان المسلمين". وفي المظاهرات التي شهدتها الشوارع في الأيَّام الأخيرة كان الكثير من المتظاهرين يردِّدون: "الشعب يريد إسقاط النظام، االشعب يريد إسقاط مرسي".

غلاء فاحش وأجور متدنية

ولكن بغض النظر عن أنَّ هناك شيئاً ينال من مصداقية الديمقراطية، عندما يريد البعض إسقاط رئيس منتخب، وذلك لأنَّهم لم يتمكَّنوا في الانتخابات من هزيمته وهزيمة جماعته "الإخوان المسلمون"، فإنَّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن: وماذا بعد؟

يبدو حاليًا أنَّ لا أحد في المعارضة قادر على تقديم إجابة على هذا السؤال. وكذلك لا يستطيع في الوقت الراهن أي طرف في مصر تقديم رؤية لمعالجة المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المواطنون؛ أي الاقتصاد المتعثِّر وارتفاع الأسعار مع استمرار تدني الأجور، بالإضافة إلى الحاجة الملحة إلى توفير فرص عمل، ناهيك عن إصلاح أجهزة الدولة الذي ينتظره المصريون منذ فترة طويلة.

أو مثلما عبّر عن ذلك ناشط ميدان التحرير، وائل خليل بقوله: "على الأرجح أنَّ هذه لعنة المومياء الفرعونية. لا الإخوان المسلمين ولا المعارضة أدّوا واجباتهم السياسية".

 

كريم الجوهري
ترجمة: رائد الباش
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.