حوار مع كرم أوكتم حول إدارة الشؤون الدينية التركية "ديانات"

هل يودّع المسلمون في ألمانيا "الفاتيكان الإسلامي"؟

يُنظَر إلى إدارة الشؤون الدينية الإسلامية التركية "ديانات" التي يعمل بها حوالي 100 ألف شخص كمؤسسة شبيهة بـ "فاتيكان إسلامي مصغّر". هذه الإدارة ومركزها في العاصمة أنقرة تسعى أيضا إلى تشكيل الحياة الدينية للمسلمين الأتراك القاطنين في غرب أوروبا. لكن ما مدى تأثيرها الفعلي؟ لمعرفة المزيد حول ذلك أجرت كلاوديا منده الحوار التالي مع كِرِم أوكتم المحاضر في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد.

سيد أوكتم ، كيف تؤثر إدارة الشؤون الدينية التركية "ديانات" على رواد المساجد في ألمانيا؟

كرم أوكتم: لا ينبغي تصوُّر التأثير على أنه يأتي بشكلٍ مباشر، لأن الأمر يتعلق بشكلِ تنظيمٍ ذي مستويين، فمن جهة هنالك في ألمانيا إدارة الشؤون الدينية "ديانات" والبنى التابعة لجمعية الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (ديتيب) التي تعلوها، ومن جهة أخرى هنالك جماعات المساجد المترسخّة في الحياة اليومية الألمانية.

ترسل إدارة الشؤون الدينية "ديانات" أئمَّة إلى مساجد الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (ديتيب) في ألمانيا وتدفع لهم رواتبهم. وهم تابعون للملحقيات الدينية في القنصليات التركية، وبالتالي فإنَّ الأئمَّة يمثلون إلى حدٍّ بعيدٍ نهج التعاليم والتطبيقات الإسلامية التي يجرى صياغتها في تركيا. بمعنى آخر هناك جزء من جماعات المساجد مرتبط أكثر بالمستوى الشعبي في ألمانيا وجزء آخر يسترشد بتركيا عن طريق "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" و"ديانات".

هل تؤثر إدارة الشؤون الدينية على الجدل في ألمانيا بشكل مباشر؟

كرم أوكتم: لا يوجد تأثير مباشر عامةً، ففي النقاش الذي دار حول الختان الديني على سبيل المثال، تركت الجمعياتُ الإسلامية المنظماتِ اليهودية تعبر عن آرائها عمومًا، ولم تتخذ الملحقيات الدينية في القنصليات التركية موقفًا من النقاش الدائر داخل ألمانيا. كما أنَّ المتحدثين باسم الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية أمام الجمهور الألماني هم من النشطاء الذين يعملون ويعيشون هنا بشكل دائم.

الدكتور كرم أوكتم محاضر في علم الاجتماع الديني في جامعة أكسفورد. Foto: DW
يقول الدكتور كرم أوكتم: "من شأن نجاح تطوير فقهٍ إسلاميٍ خاصٍ في ألمانيا أنْ يقدم أيضًا الحوافز للنقاش حول الإسلام والحداثة في تركيا وفي غيرها من البلدان الإسلامية".

هل توجد مواقف مختلفة بين "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" و "إدارة الشؤون الدينية"؟

كرم أوكتم: لا يحيد الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية بشكل ملحوظ عن مواقف "ديانات" الرسمية، لكن هذه المواقف يجري التفاوض بشأنها في الدوائر الداخلية حتمًا. إنَّ طبيعة تأثير "ديانات" بنيوية، لكنَّ هناك متّسعًا للنشطاء، ضمن هذه البنية، الذين جاؤوا إلى ألمانيا كجزء من اليد العاملة الوافدة ممن يعيشون هنا منذ فترة طويلة جدًا. ومن الممكن أيضًا أنْ يكون بين هؤلاء أئمَّة كانت "ديانات" قد أرسلتهم في الأصل إلى ألمانيا، ثم بقوا هنا وصاروا يستندون أكثر فأكثر إلى السياق الألماني، وهذه هي الأصوات التي تـُسمع أكثر في النقاش العام.

هل ينفصل الجيل الشاب تدريجيًا عن "ديانات"؟ مثلاً عند نشوء شبكات محلية مثل "شورى هامبورغ" التي تنتمي إليها أيضًا جماعات من مساجد "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية"؟

كرم أوكتم: يوجد في ألمانيا عمومًا علاقة متوتِّرة بين التوجُّه إلى البلد الذي يعيش فيها المرء من ناحية والتوجُّه إلى البُنى التي لا تزال تستند في الكثير من الجمعيات إلى تركيا من ناحية أخرى. لقد أُنشئ شكلٌ تنظيميٌ جديدٌ من خلال "شورى هامبورغ" وهو تكتّل عددٍ من جماعات المساجد في المدينة. وهذا رفع منسوب الضغط باتجاه الاسترشاد بسياق المكان. كما نرى بوضوح كبير أنَّ لدى "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" أيضًا انفتاحًا على ألمانيا.

كيف تغيرت "إدارة الشؤون الدينية" في ظل حكم رئيس الوزراء أردوغان؟

كرم أوكتم: بدأت "إدارة الشؤون الدينية" نشاطها في ألمانيا في مطلع الثمانينيات وأسست اتحاد "ديتيب" بهدف إبعاد حركة "ميللي غوروش" المنافسة. وكانت حركة "ميللي غوروش" تعتبر في تركيا وقتذاك معاديةً للدولة وكان هناك توجُّه لاستعادة ميل الجاليات التركية نحو تركيا من خلال إسلام دولة ذات توجُّه كمالي ]نسبة لمصطفى كمال أتاتورك [، لكن في ظل حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الوزراء أردوغان ضاقت الفجوة بين إسلام الدولة والحركات الإسلامية. إذًا لم يكُن هناك تلاقٍ بين "ديتيب" وحركة "ميللي غوروش" في السابق، ولم يتعامل بعضهما مع بعض، على المستوى الرسمي على الأقل. أما اليوم فالعلاقة أكثر انفتاحًا بكثير، حيث ينظم "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" أيضًا احتفالات كبيرة مثل عيد المولد النبوي ويدعو إليها جميع المنظمات الإسلامية التركية الأخرى.

ومع ذلك، تعتّم "إدارة الشؤون الدينية" على جزءٍ من التنوع الديني والعرقي في تركيا؟

كرم أوكتم: نعم، فالعلويون، على سبيل المثال، لا يوجد لهم في مؤسسات الدولة التركية سوى حيِّزٍ ضيّق. أما الأكراد فلديهم اليوم المزيد من الإمكانيات. لكن هذه الشبكات لا تقدم للعلويين أي خيار، لذلك نجدهم يتوجهون في ألمانيا أكثر إلى المجتمع الألماني وتنظر الدولة إليهم باعتبارهم شريكًا.

شعار إدارة الشؤون الدينية التركية "ديانات". Logo Diyanet
تأثير واسع المدى: "ديانات" في تركيا هي الإدارة الدينية الرسمية لتركيا وتشرف على أكثر من ثمانين ألف مسجد، وهي التي تعيِّن أيضًا الأئمَّة العاملين في تركيا. ورئيس الإدارة يتبع لرئيس الوزراء التركي، وبالتالي يتمتع بتأثيرٍ كبيرٍ على ممارسة الإسلام في تركيا.

هل ستؤدي إقامة فروع لتدريس الفقه الإسلامي في الجامعات الألمانية إلى تراجع نفوذ "إدارة الشؤون الدينية"؟

كرم أوكتم: بالفعل يمكن أن يحصل ذلك على المدى الطويل. وقد أشارت "ديانات" مرارًا وتكرارًا إلى أن تعيين أساتذة الفقه الإسلامي في الجامعات الألمانية دون التعاون مع الإدارة الدينية غير مرغوب فيه، فمن وجهة نظر "ديانات" هناك خطر من أن يزداد في ألمانيا نفوذ شكل من أشكال الإسلام، يقلِّل من مراعاة العنصر التركي. وهذا ليس في مصلحة منظمة تابعة للدولة التركية تودُّ أنْ تمنح المواطنين في بلاد المهجر الشعور بأنهم أتراك أيضًا.

لكن "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" ممثل في مجالس فروع الفقه الإسلامي في الجامعات.

كرم أوكتم: كان موقف "ديانات" أقرب إلى الرفض حتى عام 2012. ومع ذلك، حاول "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" منذ البداية المشاركة في إقامة فروع تدريس الفقه الإسلامي في الجامعات، ولكن هناك أمثلة أخرى في أوروبا، أثّرت فيها "ديانات" على إقامة مثل هذه الفروع، إذ جرى تزويد الفرع في جامعة ستراسبورغ بوجهات نظرٍ تركيةٍ واضحة، ومعظم المحاضرات تــُـلقى هناك باللغة التركية، بينما استطاعت كليات الفقه الإسلامي في ألمانيا تجنُّب توجُّهٍ واضحٍ نحو تركيا كهذا، ومن الممكن أن يدفع هذا "ديانات" و"الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" إلى مراجعة موقفهما وإعادة تموضعهما.

هل يؤثر النقاش الألماني أيضًا على سياسة الإدارة الدينية التركية؟

كرم أوكتم: لا يزال هذا التأثير قليلاً حاليًا، لكن من شأن نجاح تطوير فقهٍ إسلاميٍ خاصٍ في ألمانيا أنْ يقدم أيضًا حوافز للنقاش حول الإسلام والحداثة في تركيا وفي غيرها من البلدان الإسلامية. هذه تأثيرات ممكنة على المدى المتوسط والبعيد تأتي بعد أن تحتل كليات الفقه الإسلامي مكانًا لها في الأوساط العلمية الألمانية، وهنا يمكن أن يتضمن هذا مناظيرَ نقدية ومناهجَ متَّبعة في اللاهوت المسيحي وكذلك جوانبَ ثقافية ودينية مقارِنة. ومن شأن هذا أن يُثري الفقه الإسلامي.

كيف ستتغيّر علاقة تركيا بمواطنيها في بلاد المهجر؟

كرم أوكتم: تريد الدولة الألمانية على المدى الطويل أن يعتبر المواطنون من أصل تركي أنفسهم ألمانًا، هذا هو الهدف المركزي للاندماج. ويثار في هذا السياق بطبيعة الحال التساؤل حول إنْ كان ضغط مجتمع الأغلبية المُطالِب بالاندماج متماشيًا مع عرض التوصُّل للاندماج. سياسة تركيا إزاء ذوي الأصول التركية غير مرغوب فيها من وجهة النظر هذه، لأنها توجّه الأفراد أكثر نحو تركيا، لكن أيضًا ليس من حق مجتمعٍ ليبراليٍ أن يحرم أعضاءه من هذا الخيار.

بالتأكيد هي خطوة في الاتجاه الصحيح أن يكون بالإمكان دراسة الفقه الإسلامي في ألمانيا دون الاضطرار إلى اللجوء إلى مؤسسات الدولة في تركيا، لكن سوف يستغرق الأمر بعضًا من الوقت حتى تتطوَّر ملامح فقهٍ إسلاميٍ يتجاوز تأثيره حدود ألمانيا.

 

 

 

حاورته: كلوديا منده

ترجمة: يوسف حجازي

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

الدكتور كرم أوكتم ... محاضر في علم الاجتماع الديني في جامعة أكسفورد.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.