إلهان إلكيلتس. DW
حوار مع الباحث في أخلاقيات الطب إلهان إلكيلتس عن الدين والصحة بألمانيا

حوار بين الثقافات على الحد الفاصل بين الحياة والموت

الطبيب التركي الأصل والباحث في علوم الإسلاميات إلهان إلكيلتس هو أول عضو مسلم في المجلس الألماني للأخلاق. الباحث في علم أخلاقيات الطب ينظر إلى مهمته الجديدة كعضو في المجلس الألماني للأخلاق على أنها فرصة للتعبير عن مواقف المواطنين المسلمين في ألمانيا وجعل صوتهم مسموعاً أكثر. جولي شفانيكه تحدثت معه في الحوار التالي لموقع قنطرة.

في أبريل / نيسان 2013 عيّنك الرئيس الألماني عضواً في المجلس الألماني للأخلاق لتكون بذلك أول مسلم في المجلس. كيف جاء تعيينك؟

إلكيلتس: في البداية سئِلتُ عما إذا كنت مستعداً لتولي هذه المهمة، فقد كان هناك مرشحون آخرون، ولكن في النهاية تم تعييني. أعتقد أن قدراتي العلمية والثقافية كانت حاسمة في قرار اختياري.

ما هي مهام العضو في مجلس الأخلاق؟

إلكيلتس: أرى أن واجبي يتمثل في عرض وتحديد التصورات القِيَميّة التي يعتنقها المسلمون الذين يعيشون في ألمانيا فيما يتعلق بموضوعات معينة، مثل الختان والتخصيب الاصطناعي والإجهاض.

وعلينا بالطبع أن نأخذ في الحسبان أن المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا لا يكوّنون مجموعة متجانسة. وهكذا يتم مراعاة هذا التنوع لدى تحديد ملامح المجموعات المتنوعة التي تستخدم حججاً مختلفة.

أعضاء للمجلس الألماني للأخلاق.  Deutscher Ethikrat
نقاشات حادة كانعكاس للواقع المجتمعي: في المؤتمرات التي يعقدها المجلس الألماني للأخلاق يناقش خبراء من كافة التخصصات موضوعات حساسة مثل ختان صبيان المسلمين أو اليهود، وكذلك الإجهاض أو التخصيب الاصطناعي.

​​ هل يمكنك أن تذكر لنا حالة معينة تبيّن وجهة النظر الإسلامية؟

إلكيلتس: نعم، لقد أجرينا نقاشاً محدداً حول موضوع "الختان". خلال النقاشات لم أعرض الأمور الدينية الفقهية والحجج والآراء حول هذا الموضوع فحسب، بل تحدثت أيضاً عن الأشكال المختلفة التي يستقبل بها المسلمون في ألمانيا هذا الموضوع.

وأعتقد أن هذا الأمر ينطبق بصورة خاصة على النقاشات المجتمعية التي لا يكفي فيها عرض المواقف الفقهية فقط، بل لا بد أيضاً من التعبير عن أشكال التلقي والتفاهم الموجودة لدى المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا.

ما الأمر الذي كان، في رأيك، حاسماً بالنسبة للمسلمين في النقاش الدائر حول الختان؟

إلكيلتس: الأمر الحاسم هو أن عديداً من المسلمين يرون أنهم محاصرون في ممارسة شعائر دينهم - ومن المهم أن يتعرض النقاش لهذه النواحي السوسيولوجية.

كيف يمكننا تخيل التعاون بين أعضاء مجلس الأخلاق؟ هل الإجماع هدف يسعى إليه الأعضاء منذ البداية؟

إلكيلتس: أنا لا أكاد أتذكر أن الإجماع المطلق ساد في إحدى القضايا التي ناقشها المجلس الألماني للأخلاق. إنكِ بالتأكيد تعرفين أن المجلس يضم شخصيات من مختلف التخصصات والمواقف السياسية والديانات. ولهذا يكون من الصعب دائماً التوصل إلى إجماع في الرأي.

رغم ذلك فإن تبادل الحجج والمواقف ممكن بالطبع. وفي بعض الأحيان ننجح في التوصل إلى حل وسط، مثلما حدث في النقاش الذي دار حول الختان. أما إذا لم نتمكن من ذلك، فهناك تصويت خاص يسمح للأشخاص الذين يجدون أنفسهم في موقف الأقلية بأن يعبروا عن رؤيتهم للأمور.

صبي تركي قبيل إجراء الختان له.  أ ب
يرى إلكيلتس أن "المسلمين يعتبرون ممارسة الختان جزءاً من هويتهم الإسلامية، ولهذا يُنظر إلى منع هذا الطقس باعتباره تضييقاً على الحريات الدينية".

​​ما هو الأثر الاستقطابي الذي خلّفه النقاش حول الختان في رأيك؟

إلكيلتس: في البداية كان الأمر مثيراً بالنسبة لي أن ألاحظ أن حوار الطرشان هو ما ساد النقاشات الداخلية، وأيضاً النقاشات في المجتمع، إذ تكوّن فجأة موقفان متطرفان: فمن ناحية كان هناك أولئك الذين سبوا الآخرين معتبرين إياهم "نازيين"، من الناحية الأخرى كان هناك من يصف المسلمين بأنهم "برابرة غير متنورين".

إنني أرفض كلا الموقفين المتطرفين، وأرى أنهما لا يخدمان النقاش، لأنهما لا يقدمان حججاً موضوعية ولا يتطرقان إلى موضوع النقاش.

يجب علينا، بحسب رأيي، أن نخوض نقاشاً مناسباً حول موضوع الختان في داخل مجلس الأخلاق. إنني أستطيع أن أتفهم كلا الموقفين والحجج التي تُساق؛ بمعنى أنني أدرك أن ختان الصبيان يمثل بالمعنى القانوني إيذاء للسلامة الجسدية، إذ أن الختان يجري بدون أي داع طبي أو موافقة من شخص بالغ.

من ناحية أخرى فإن المسلمين يعتبرون هذه الممارسة الدينية جزءاً من هويتهم، ويشعرون بأن المنع يضيق الخناق على حريتهم الدينية. حتى يمكن الوصول إلى توافق فمن المهم في النقاش أن تتسم كافة المواقف بانفتاح معين تجاه الآخر، وهكذا حاولت أن أقوم بدور الوسيط في هذا النقاش.

 ما هو موقفك الشخصي في النقاش حول الختان؟

إلكيلتس: برأيي فإن للحرية الدينية وزناً أكبر من إيذاء السلامة الجسدية، فالختان لا يسبب عطلاً للعضو الجسدي إذا تم بطريقة صحيحة وبواسطة متخصص. كما أن الضغط الذي يتولد لدى المسلمين في حالة المنع سيكون كبيراً جداً لأن الختان طقس مهم بالنسبة لهم.

من ناحية أخرى، لقد قلت إن المسلمين عليهم أن يتناقشوا حول هذه الإشكالية بين بعضهم البعض، دون ضغط من الخارج. أما حين يسود منذ البداية موقف يولد ضغطاً أو يهدد بالمنع، فمن المفهوم أن يتخذ المرء عندئذ موقفاً مناهضاً.

إذا نظرنا تجاه المنطقة الإسلامية، هل نجد مؤسسات شبيهة تهتم بقضايا الأخلاقيات البيولوجية؟

إلكيلتس: هناك مؤسسات مختلفة في العالم الإسلامي، على سبيل المثال هناك جهات في المملكة العربية السعودية تصدر فتاوى بشأن قضايا أخلاقية خلافية. في تركيا هناك معهد الشؤون الدينية في أنقرة الذي يجيب على الأسئلة الموجهة إليه، وينشر فتاوى بشأن موضوعات معينة، مثل نقل الأعضاء أو الإجهاض.

ولكن السؤال هو: إلى أي حد تكون هذه الفتاوى مهمة بالنسبة للمسلمين، ففي بعض المسائل تختلف الإجابات في العالم الإسلامي، كما أنه لا يمكن فهم الفتوى على أنها القرار الرباني الوحيد الممكن. على المسلم المعني أن يدرس هذا القرار، ثم يصدر قراره الشخصي الذي يمليه عليه ضميره.

ولهذا فإنني أدعو في مثل هذه المواقف إلى توعية المريض، ليس فقط من الناحية الطبية، بل أيضاً من الناحية الفقهية. هناك على سبيل المثال خلال شهر رمضان فترات لا يمكن تناول الأدوية فيها.

هناك مرضى مسلمون كثيرون لا يعرفون أن بإمكانهم الإفطار إذا كان الصوم يؤثر سلباً على صحتهم. فإذا لم يكن المرء يعرف ذلك، فإنه يمارس دينه على نحو مختلف.

رجل دين يهودي يتابع إحدى جلسات البرلمان الألماني بونديستاغ التي تناقش موضوع الختان المفروض أيضاً في الديانة اليهودية.  د أ ب د
التسامح والانفتاح على العالم: الباحث في العلوم الإسلامية إلهان إلكيلتس يعتبر قرارات البرلمان الألماني "بوندستاغ" التي أصدرها في ديسمبر/ كانون الأول 2013 حول السماح بالختان إشارة مهمة لإدماج الثقافات والأديان المختلفة في النسيج الألماني.

​​هل مررت خلال ممارستك المهنية كطبيب مواقف لاحظت فيها أن الفروض الدينية تمثل ثقلاً على عاهل المريض؟ وكيف تصرفت في حالة كهذه؟

إلكيلتس: نعم، واجهتنا حالة كهذه في ماينتس: كان يتحتم إعطاء المريض الذي يواجه الموت جرعة قوية من الأدوية المهدئة، ولم يكن المريض يعرف موقف الدين من إجراء كهذا، ولهذا أراد أن يتحدث مع أحد الأئمة حول هذا الموضوع. رتبنا له لقاء مع إمام، وبعد أن تم إطلاع المريض على الموقف الطبي والفقهي قام باتخاذ قراره الشخصي.

كباحث في أخلاقيات الطب أتبنى الرأي القائل بأن مثل هذه الرغبة بإجراء حديث مع أحد الأئمة لا بد أن تأتي من المريض نفسه أو من أحد أقربائه. أما أن يجيء أحد ويقول للمريض: "أنت مسلم، وهذا الموقف لن تستطيع أن تتعامل معه من الناحية الفقهية، ولهذا سنحضر لك إماماً"، فأنا أعتبر ذلك بالتأكيد استراتيجية خاطئة.

هل هناك رعاية روحية للمسلمين الذين يعيشون في ألمانيا؟

إلكيلتس: ليس هناك في الوقت الحالي رعاية روحية مهنية تغطي كافة مناطق ألمانيا بالنسبة للمسلمين. توجد بعض المشروعات هنا وهناك في كليات الطب التابعة للجامعات حيث يتم تدريب العاملين المتطوعين في دورات، غير أن ذلك لا يُقارَن بالتدريب الاحترافي الذي يُقدَّم في مجال الرعاية بالمرضى المسيحيين. الواقع يؤكد أن الطلب على ذلك كبير، ولكن للأسف لا تكفي البنية التحتية الحالية بمشروعات كهذه لكي تغطي الطلب الموجود.

 

 

حاورته: جولي شفانيكه
ترجمة: صفية مسعود
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013

إلهان إلكيلتس طبيب وباحث في العلوم الإسلامية من أصل تركي، وعضو في المجلس الألماني للأخلاق، وهو يعمل منذ ديسمبر / كانون الأول 2012 في كلية الطب بجامعة إسطنبول.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.