بشار الأسد مجتمعا بأحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي في دمشق، الصور د.ب أ
حوار مع الخبير في شؤون العلاقات التركية العربية مصطفي اللباد

''تركيا تعتبر نظام الأسد منتهيا، لكنها تحتفظ معه بشعرة معاوية''

كشفت زيارة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو لسوريا سعى تركيا لزيادة الضغط على نظام الأسد من أجل دفعه إلى وقف العنف ضد المتظاهرين والبدء في إجراء إصلاحات حقيقية. عبده جميل المخلافي حاور الخبير في شؤون العلاقات التركية العربية مصطفي اللباد حول خلفيات الموقف التركي في التعامل مع الانتفاضة السورية الحالية.



سبق زيارة وزير الخارجية التركي إلى سوريا سجال كلامي و"حرب تصريحات بين الطرفين"، كيف تقرأ هذه التصريحات؟

مصطفى اللباد: هذه التصريحات تعكس توتراً عميقاً في العلاقات السورية التركية. وهذا التوتر مرده إلى اختلاف نظرة البلدين حيال ما يحدث في سوريا. النظام في سوريا يريد البقاء، يقمع الانتفاضة الشعبية، في حين أن تركيا ترى في هذه الانتفاضة مطلباً شعبياً وبداية ثورة، وهي تحولت من مجرد التعاطف معها إلى التأييد والتأييد العلني لها. وبالتالي تحولت العلاقات السورية التركية من علاقات ممتازة وتحالفية إلى علاقات يشوبها بعض الجفاء، لأن الجانب التركي أخذ يبتعد عن دمشق ويمارس الضغوط عليها، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يقطع شعرة معاوية معها كي يحتفظ لنفسه بمساحة تسمح له بالتأثير على صانع القرار هناك لجهة تدبير الأمور الداخلية السورية والعلاقات السورية الإقليمية والعلاقات السورية التركية.

تركيا استضافت مؤتمرين للمعارضة السورية كما عقد قادة في حركة الإخوان المسلمين السورية مؤتمراً صحفيا في أنقرة. هل كانت تلك رسائل تركية لدمشق مفادها أنها تمتلك أوراقا للضغط؟


الصورة د ب ا
تركيا بانتظار أفعال لا أقوال من النظام السوري

​​اللباد:

أعتقد أن هذه المؤتمرات تمت برعاية تركية واضحة وبتنسيق مع الأطراف المعنية، وبخاصة حركة الإخوان المسلمين في سوريا. لذلك تتعدى في أهميتها مجرد رسالة إلى دمشق، هي ترقى إلى تأهيل فريق سياسي سوري معارض لمرحلة ما بعد حكم الأسد. من هنا أرى أن هذه المؤتمرات تشي بأن الحسابات التركية سائرة في طريق التصعيد مع سوريا، وأن تركيا تنطلق من أن وقت النظام السوري قد انتهى، وأنها بصدد إعداد البديل المناسب له. وحركة الإخوان المسلمين ترتبط بأوثق العلاقات مع تركيا. طبعا تركيا ليس لها حسابات إيديولوجية فقط، ولكن حسابات مصالح تتعلق بعمقها الجغرافي وبالتوازن الجغرافي السياسي أو الجيوسياسي في المنطقة، لذلك تركيا تُبْدِل تحالفها مع النظام في سوريا إلى المعارضة السورية وبالتحديد مع الفريق والتيار الفاعل فيها أي حركة الإخوان المسلمين.

إذن أنقره أدركت أن نهاية الأسد باتت وشيكة ولابد لها من ترتيب الأوراق مع القوى السياسية القادمة؟

اللباد: نعم، بالطبع هو كذلك. تركيا تعتقد منذ فترة أن النظام السوري في مآزق وأنها ـ تركيا ـ لا تريد أن تفقد صدقيتها في الشارع السوري والشارع العربي باعتبارها دولة داعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان ومنفتحة على الشعوب العربية. فإذا وقفت ودعمت النظام السوري فستنتكس صورتها لدى العرب. هذا في الأساس، ويزيد على ذلك أن تركيا لا تريد خسارة سوريا تماماً، لأن سوريا جار تاريخي لها معه حدود طويلة، وسوريا تفصل جغرافيا تركيا عن عمق الجزيرة العربية وبالتالي لها أهمية جيوسياسية فائقة.

ماذا يمكن لتركيا أن تفعل في حال أصر النظام السوري على موقفه إزاء الاحتجاجات؟

اللباد: تركيا سوف تتصاعد في مطالبها من النظام السوري، ستقوم بفتح معسكرات للاجئين السوريين، كما فعلت في السابق، وسيكون بيدها ورقة قطع العلاقات مع سوريا وبالتالي سوريا ستتضرر. وربما تشارك تركيا في العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على دمشق، والتي من المتوقع أن تتصاعد في المرحلة القادمة، كما يمكن أن تصوت تركيا ضد النظام السوري في أي ترتيبات قادمة، وربما أيضا تغلق حدودها السياسية أمام هذا النظام، وبالتالي سيقع في عزلة كبيرة، ستزداد عزلته. ولن يبقى لسوريا إلا فقط إيران، التي لا تملك حدودا مشتركة مباشرة معها. أعتقد أن تركيا تملك الورقة الأفضل في مقابل سوريا في هذا الموقف.
لكن لا يمكن الاستهانة بقدرات النظام السوري على الإيلام وعلى المماطلة، لأنه محشور في الزاوية، يلعب أوراقه الأخيرة. في حين أن تركيا ستواصل الضغط عبر تأطير وحشد المعارضة السورية ومواصلة الاجتماعات وبلورة خطط لبديل محتمل لنظام الأسد وربما تحصيل اعتراف دولي بهذا البديل؛ بحكومة في المنفى. وفي النهاية الطرف الذي يحدد إيقاع التصاعد والتصادم في العلاقات السورية التركية هو الشعب السوري، لأنه كلما تصاعدت انتفاضته الشعبية، التي تبدو منتصرة الآن، كلما زادت عزلة النظام وكلما تأزمت العلاقات السورية التركية.

هناك من يعتقد أن واشنطن تتجنب الدخول في مغامرة غير محسوبة العواقب مع النظام السوري، ولذلك فهي توعز لتركيا بتكثيف الضغط على نظام الأسد. فهل يمكن القول إن تركيا تخوض حرباً بالوكالة إن جاز التعبير؟


الباحث المصري مصطفى اللباد
"تركيا سوف تتصاعد في مطالبها من النظام السوري، ستقوم بفتح معسكرات للاجئين السوريين، كما فعلت في السابق، وسيكون بيدها ورقة قطع العلاقات مع سوريا وبالتالي سوريا ستتضرر"

​​اللباد:

أعتقد أن هذا فيه شيء من المبالغة، لأنه لا ننسى أن تركيا لها حدود كبيرة مع سوريا، وبالتالي الأوضاع في سوريا تهم تركيا أولا وأخير، لكن هذا الاندفاع التركي في الموضوع السوري له أبعاد تتخطى العلاقات التركية السورية، لتصل إلى العلاقات التركية الإيرانية والتنافس التاريخي بين تركيا وإيران على زعامة المنطقة. وسوريا كانت رمانة الميزان وبيضة القبان في السباق الإقليمي بين تركيا وإيران، لأنها احتفظت بعلاقات جيدة مع الطرفين.
ولذلك فتغير النظام في سوريا سيعني ضربة لإيران وسيعني تغيير التوازنات في المنطقة، وبالتالي سيصب ذلك أيضا في صالح الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك تنظر الأخيرة لتركيا وما تفعله بعين الرضا، لأن هناك تطابقا في المصالح فيما يخص الموضوع السوري. لا أعتقد أن الولايات المتحدة أسندت دورا ما لتركيا، لكني أعتقد أن هناك تفاهماً تركياً أمريكيا حول ما يجري في سوريا وحول الدور التركي الذي يحظى بالتأكيد بدعم أمريكي على هذه الخلفية.

هل من الممكن أن تشارك أنقره في أي عمل عسكري حتمل من قبل حلف الناتو في سوريا؟

اللباد: لا أعتقد أن تركيا لها مصلحة في نشوب أعمال عسكرية في سوريا لأن ذلك سيوتر الوضع أكثر وسيخلق فراغاً أمنياً وسيهدد حدود تركيا أكثر. وربما يكون الأنسب والأكثر مواءمة للمصالح التركية هو مواصلة الضغط الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي على النظام في سوريا بالتوازي مع تصاعد هذه الانتفاضة الشعبية. عتقد أن الحديث عن مشاركة تركية في تدخل عسكري في سوريا سابق لأوانه، لكنه يبدو في هذه اللحظة في غير صالح المصالح والتصورات التركية بخصوص مستقبل سوريا بعد بشار الأسد.

قلت إن سوريا كانت تلعب دور "بيضة القبان" في الحراكات الإقليمية واستطاعت أن تجمع تناقضات التصادم الإقليمي بين تركيا وإيران وتوظف ذلك لمصلحتها. هل يمكن القول إن هذه البيضة قد انكسرت؟

اللباد: أعتقد بالفعل أنها تهشمت وأن سوريا في موقف لا تحسد عليه. استطاع النظام السوري أن يحتفظ بتوازنه برشاقة على حبل ممتد بطول الشرق الأوسط، لكن سوريا تقع الآن في قبضة المصالح الإيرانية تماماً ولا تستطيع أن تناور بهذه العلاقات على تحسين علاقاتها مع أي طرف غير عربي أو حتى مع أي طرف عربي. لذلك بيضة القبان انكسرت وسوريا تبدو معزولة إقليميا ودولياً أكثر من أي وقت مضى.

أجرى الحوار: عبده جميل المخلافي
مراجعة: أحمد حسو
حقوق النشر: دويتشه فيله 2011

مصطفى اللباد، خبير في شؤون العلاقات التركية العربية، مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية بالقاهرة ورئيس تحرير مجلة "شرق نامه" التي تعني بشؤون إيران وتركيا وآسيا الوسطى.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.