حوار مع الخبير الألماني في الشؤون التركية غونتر زويفرت

"الصراع مع الداعية الإسلامي فتح الله كولن يضعف إردوغان"

بينما كان أنصار الداعية التركي فتح الله كولِن حلفاء سياسيين في السابق لحزب رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، صار يدور بين هذين المعسكرين صراع على السلطة. ألكسندرا شرله أجرت الحوار التالي حول خلفية هذا الصراع وعواقبه، مع غونتر زويفرت الخبير الألماني في الشؤون التركية من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية SWP.

- أحيانًا يصف الرأي العام حركة فتح الله كولِن كمنظمة غير حكومية وأحيانًا كشبكة سياسية وكذلك كجماعة دينية أو حتى كنِحلة أو فرقة إسلامية. فكيف تصف هذه الحركة التي أسَّسها الداعية الإسلامي التركي فتح الله كولِن؟

غونتر زويفرت: إنَّها بحسب تعريفي جماعة دينية تركِّز تركيزًا شديدًا على الداعية عبد الله كولن بالذات. ولكنها في الوقت نفسه تنظر إلى تعاليمها الدينية على أنَّها رسالة مجتمعية مدنية كما أنَّ لديها بالإضافة إلى ذلك إرادة سياسية واضحة المعالم. وهذه ظاهرة لا نعرفها في مجتمعاتنا الأوروبية.

لقد نشأت هذه الحركة نتيجة خطب الداعية فتح الله كولن الذي أدرك كيفية إعادة تفسير المطالب المعنوية والأخلاقية التي يوصي الإسلام بها المؤمنين. وتحديدًا ليس فقط من خلال نقل التقاليد الدينية ببساطة، ولكن كذلك أيضًا من خلال معرفة الطبيعة، أي إعادة معرفة الله وإدراكه في قوانين الطبيعة والفيزياء.

وقد عمل ذلك على تمهيد الطريق أمام المحافظين، الذين كانوا ينتقدون في السابق التعليم العلماني انتقادا شديدا بسبب خشيتهم من تزعزع التصورات والرؤى الدينية، فباتوا يرسلون أبناءهم إلى المدارس العلمانية في نهاية المطاف.

فتح الله كولن (يسار الصورة) ورجب طيب إردوغان (يمين الصورة). Quelle: DW
صراع على السلطة في الحياة السياسية والاقتصادية - يقول غونتر زويفرت: "هناك أسباب عديدة للخلافات الحالية القائمة بين حركة كولن وحكومة حزب العدالة والتنمية المحافظ بزعامة رجب طيب إردوغان؛ إذ عملت هذه الحركة على توسيع نفوذها في أجهزة الدولة وربما أكثر بكثير مما تسمح لها به الحكومة".

- كيف يتجلى في يومنا هذا الصراع الدائر على السلطة بين حكومة رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وحركة كولن؟

غونتر زويفرت: المحسوبون على هذه الحركة لهم حاليا سياستهم الخاصة القائمة بذاتها في كلّ من الإدارات والشرطة وكذلك أيضًا في القضاء والجيش ووزارة الداخلية. وتهدف هذه السياسة في المقام الأول إلى إضعاف الحكومة وزعزعة استقرارها وكذلك إلى إطلاق طلقات تحذيرية، وذلك بسبب شعور حركة كولن بالتهديد من حكومة إردوغان. أما في السابق فقد تعاونت الحكومة وحركة كولن بعضهما مع بعض تعاونًا وثيقًا للغاية من أجل إضعاف النخبة العلمانية في البلاد وخاصة من أجل الحد من نفوذ الجيش في الحياة السياسية.

هناك أسباب عديدة للخلافات الحالية القائمة بين حركة كولن وحكومة حزب العدالة والتنمية المحافظ بزعامة رجب طيب إردوغان: إذ عملت هذه الحركة على توسيع نفوذها في أجهزة الدولة وربما أكثر بكثير مما تسمح لها به الحكومة. وفي الوقت نفسه لا تتكوّن حركة كولن فقط من العاملين في المدارس والكوادر الإدارية، بل كذلك أيضًا من رجال أعمال يرغبون في جني المزيد من الأرباح من ثمار الدولة - أي من المناقصات والأشغال الحكومية ومن تخصيص الأراضي لغرض البناء أو كذلك من برامج دعم التجارة الخارجية. وهذا يعني أنَّ هناك الكثير من الثروة التي يمكن توزيعها، وحول هذه الثروة اختلف الطرفان أيضًا إلى حدّ ما.

- يتميّز كلّ من حركة كولن وحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب إردوغان بطابعهما الإسلامي المحافظ. فما هي على الرغم من ذلك الاختلافات الأيديولوجية القائمة بينهما؟

غونتر زويفرت: من الناحية الإيديولوجية لا توجد بينها تقريبًا أية اختلافات. وكذلك توجد لديهما هوية إسلامية قوية وتوجّهاتهما الاجتماعية والأخلاقية محافظة، وهما يشدِّدان على الأدوار التقليدية للجنسين وعلى الهوية القومية التركية. كما أنَّهما يمجّدان بالإضافة إلى ذلك ماضي تركيا العثماني. ولكن مع ذلك توجد بينهما اختلافات سياسية مهمة وخاصة فيما يتعلَّق بالمسألة الكردية أو العلاقة مع إسرائيل والولايات المتَّحدة الأمريكية.

اتَّضح الصراع بين حركة كولن والحكومة في عام 2010 في المواقف المختلفة من قضية السفينة مافي مرمرة التي حاولت كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة؛ وكانت هذه السفينة تركية والمنظمة الخيرية التي قادت أسطول الحرية إلى قطاع غزة مقرَّبة من حزب العدالة والتنمية.

وفي تلك الأيّام واجهت الاجراءات التي اتخذتها إسرائيل انتقادات حادة في جميع أنحاء تركيا، بينما أدان فتح الله كولن نشاط أسطول الحرية وقال إنَّه كان من المفروض إبان التحضير لهذا الأسطول الحصول على موافقة إسرائيل من أجل نقل المساعدات إلى غزة. وهكذا فإن حركة كولن لا تتبنى مواقف الحكومة التركية الناقدة لإسرائيل والناقدة جزئيا للولايات المتَّحدة الأمريكية أيضاً.

ظافر تشاغليان (يمين الصورة) ووزير الداخلية معمر غولر (يسار الصورة). Foto: picture-alliance/landov
فضيحة فساد لها عواقبها - أعلن يوم الأربعاء ( 25 ديسمبر/ كانون الأول 2013) كلّ من وزير الاقتصاد ظافر تشاغليان (يمين الصورة) ووزير الداخلية معمر غولر (يسار الصورة) بالإضافة إلى وزير البيئة إردوغان بيرقدار عن استقالتهم. وتحوّلت فضيحة الفساد إلى صراع على السلطة بين الحكومة وجهازي القضاء والشرطة اللذين يتهمهما إردوغان بتدبير الفضيحة للنيل من حكومته.

- ما مدى قوة حركة عبد الله كولن سواء داخل تركيا أو على المستوى الدولي؟

غونتر زويفرت: تعدّ حركة كولن على المستوى الدولي حركة مجتمع مدني قادرة على الشروع في مناقشات واتخاذ مواقف. وتحظى هذه الحركة خاصة في الولايات المتَّحدة الأمريكية بسمعة حسنة إلى حدّ ما، وذلك لأنَّها تعتبر هناك بمثابة تيار إصلاحي داخل الإسلام يدعو إلى التعليم العلماني والتعاون مع الكنائس وكذلك إلى الحوار بين الأديان. ولكنها لا تملك في الخارج أية سلطة سياسية.

ولكن الوضع في تركيا يختلف عما هو عليه في الخارج؛ حيث خلقت هذه الحركة في تركيا ومن خلال شبكتها التربوية والتعليمية نخبة تربوية وتعليمية من المحافظين الجدد. وبالإضافة إلى ذلك تُجرى حاليًا تحريات حول تورّط أبناء ثلاثة وزراء بارزين داخل حكومة إردوغان في قضايا فساد. ويعزوا الكثيرون هذه التحريات إلى أنشطة حركة كولن - ويعتبرونها جزءًا من الصراع الدائر على السلطة بينها وبين الحكومة.

- هل سيؤدِّي هذا الصراع على السلطة إلى إضعاف إردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية - خاصة بالنظر إلى الانتخابات الرئاسية والمحلية في تركيا والتي سيتم إجراؤها قريبًا في عام 2014؟

غونتر زويفرت: أجل، فهذا الصراع على السلطة يضعف الآن إردوغان وحزبه. ومن خلال الكشف عن قضايا الفساد هذه في محيط أسر بعض وزراء حزب العدالة والتنمية أصيبت سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية بأضرار كبيرة لدى الناخبين. لقد كان إردوغان يصوّر حزبه، حزب العدالة والتنمية، على أنَّه الحزب الذي لن يتورّط على الإطلاق في قضايا فساد - وساهمت هذه الصورة إلى حدّ كبير في نجاحه.

وإذا صار الناخبون الآن ينظرون إلى حزب العدالة والتنمية على أنه حزب فاسد تمامًا مثل أسلافه، فسوف يشكِّل ذلك ضربة حاسمة لإردوغان وستؤدِّي هذه الضربة من دون شكّ إلى حصول حزبه على عدد أقل من الأصوات. لقد أثار إردوغان من خلال ردوده القاسية على المظاهرات التي خرجت في الصيف غضب الأتراك الليبراليين ضدّه - والآن باتت أيضًا فضيحة الفساد تشكِّل عبئًا على علاقة المواطنين المتديِّنين المحافظين مع الحكومة.

 

 

حاورته: ألكسندرا شرله

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: دويتشه فيله/ قنطرة 2013

 

يعمل الخبير الألماني في شؤون تركيا، الدكتور غونتر زويفرت، باحثًا لدى مجموعة أبحاث علاقات الاتحاد الأوروبي الخارجية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) في برلين. صدرت له مؤخرًا دراسة حول حركة عبد الله كولن. كما شغل منصب المدير الأكاديمي لمعهد الدراسات الشرقية في اسطنبول وكان لعدة أعوام مراسلاً صحفيًا مستقلاً في تركيا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "الصراع مع الداعية الإسلامي فتح الله كولن يضعف إردوغان"

الصراع بين طيب اردوغان وفتح الله كولن سياسية واقتصادية والهيمنة على مؤسسات الدولة التركية، وبما أن السلطة السياسية بشكل مباشر بيد أردوغان والسلطة الغير المباشرة بيد فتح الله كولن، فاختلفت الآراء حول بعض الأمور السياسية كم ذكرت في المقالة، والاختلافات تطورت وأدت إلى صراعات قضائية وحتى إلى القضاء النهائي على الخصم، فنرى أن حكومة طيب أردغان أظهرت قوتها على فتح الله كولن، وإلى نهاية إنتخابات 2015 سوف تستمر، وبعدها تحسم النتيجة لصالح أحد الطرفين.

نظام الدين ابرا...07.02.2015 | 18:37 Uhr

الصراع بين طيب اردوغان وفتح الله كولن سياسية واقتصادية والهيمنة على مؤسسات الدولة التركية، وبما أن السلطة السياسية بشكل مباشر بيد أردوغان والسلطة الغير المباشرة بيد فتح الله كولن، فاختلفت الآراء حول بعض الأمور السياسية كم ذكر الكاتب في المقالة، والاختلافات تطورت وأدت إلى صراعات قضائية وحتى إلى القضاء النهائي على الخصم، فنرى أن حكومة طيب أردغان أظهرت قوتها على فتح الله كولن، وإلى نهاية إنتخابات 2015 سوف تستمر، وبعدها تحسم النتيجة لصالح أحد الطرفين.

نظام الدين ابرا...07.02.2015 | 18:38 Uhr