حوار مع المفكرة التونسية هالة الباجي حول حزب النهضة الإسلامي

"إسلاميو عام 2014 في تونس ليسوا إسلاميي الستينيات"

تنحدر الكاتبة والباحثة الأدبية هالة الباجي من عائلة مؤسس الدولة التونسية الحبيب بورقيبة، وتُعتبر من الأصوات التونسية المستقلة. وهي تراقب أفعال نُخَب الإسلاميين منذ توليهم السلطة في تونس. وترى في حوارها التالي مع كريستينا أوملين لموقع قنطرة، أن حزب النهضة الإسلامي قادر على التعلم من التجارب السياسية.

 قام حزب النهضة الإسلامي بالتخلي طواعية عن مسؤولية الحكم. ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى تونس؟

 هالة الباجي: لقد التزم حزب "النهضة" بكلمته. لقد أعلن الحزب دائماً أنه سوف يتنحى عن الحكم إذا تم ترشيح رئيس للوزراء، وعندما يتم تشكيل لجنة الانتخابات، ويصدر الدستور. وقد كسب الحزب الإسلامي بذلك نقطة لدى الشعب. لم يعد الشعب التونسي يريد ساسة يتشبثون بكل قوتهم في السلطة.  فبعد أن تقدم سياسيو النهضة باستقالتهم، يرى التوانسة أن الإسلاميين يُعلنون مصلحة البلاد فوق مصلحة الحزب. أنا شبه متأكدة من أن هذه الخطوة ستكون لصالحهم في الانتخابات القادمة.

  كيف تقيّمين الدستور الجديد؟

 هالة الباجي: ما رأيته يجعلني أعتقد أن التوانسة خطوا خطوة كبيرة إلى الأمام. لقد أدت المعارضة دوراً كبيراً كمدافع عن الشخصية المدنية للدستور. تأكيد مدنية الدولة، والمساواة بين الرجل والمرأة أمام القانون، وحياد المؤسسات، والاعتراف بحقوق الإنسان وبحرية التعبير عن الرأي وحرية الانتخاب – كل هذا يعني أن الدستور كُتب بروح الثورة.

 

الكاتبة التونسية هالة الباجي. Foto: Hélé Béji
هالة الباجي: "لم يكن الدافع للثورة دينياً، بل كان الاعتراض على التباين في المستوى الاجتماعي والظلم والديكتاتورية. ولأننا مررنا بثورة، فلدينا الآن أحزاب مثل النهضة، أحزاب تريد إثبات التوافق بين الديمقراطية والإسلام".

ولكن الدين ما زال جزءاً من الدستور. والإسلام يُذكر في المادة الأولى.

 هالة الباجي: نعم، كدين التونسيين، وليس كدين الدولة. هذه المادة أُخذت من الدستور الأول الذي وضع في عهد الرئيس الأول الحبيب بورقيبة (1957 – 1987). من وجهة نظري كان ينبغي أن تُلغى المادة. ينبغي علينا أن ننظر إلى المادة نظرة تاريخية كحل وسط بين المعسكرات السياسية. في الوقت نفسه فإن حرية الضمير في الدستور مكفولة، ومن المهم أيضاً أن الدستور ينص على حياد المساجد. لقد شهدت المساجد في السنوات الثلاث الأخيرة كثيراً من الهراء، وقام الأئمة بتحريض المصلين. الدستور يؤكد على إرادة المواطنين وسيادة دولة القانون، لا الدولة الدينية. لا يمكن لتونس أن تتراجع الآن عن ذلك، أياً كان مَن سيتولى الحكم في المستقبل.

 لقد نجحت تونس في الخروج من حالة الجمود. ولمن يدين التوانسة بالفضل في ذلك؟

 هالة الباجي: لنقابة العمال "الاتحاد التونسي للشغل UGTT في المقام الأول ولرابطة أرباب العمل "الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية" UTICA. فأمام تحالف قوة رأس المال وقوة العمل لم تجد الأحزاب مناصاً من الرضوخ. لقد نجح التحالف في إجبار الكتلتين المتعاديتين – الإسلاميين والمعارضة – على الجلوس حول طاولة واحدة واستكمال الحوار مرة أخرى. لقد أوضحت المعارضة للإسلاميين أن التوانسة لا يريدون دولة دينية، والإسلاميون استوعبوا الدرس وأصبحوا أكثر براغماتية.

 رغم أن الأمور تسير إلى الأمام الآن فإن المرء لا يزال لديه شعور بأن هناك "تونسَيْن مختلفتين" تمام الاختلاف – تونس الإسلاميين المحافظين، وتونس المعارضة التقدمية. وبينهما لا شيء. هل ترين الأمر أيضاً هكذا؟

 هالة الباجي: هاتان الـ"تونسان" موجودتان بصورة خاصة في السياسة، أما في المجتمع فإن وجودهما أقل حدة. إن التوانسة يتمتعون فيما بينهم بالتصالح أكثر مما يبدو على السطح. في الحياة اليومية لا تواجههم مشاكل مع الدين والأجانب والثقافة الغربية. إننا نرى شابة محجبة تسير يداً بيد مع امرأة سافرة. عندما أتعامل مع الحرفيين أو مع الصراف في البنك أو مع الموظفة يتولد لدي شعور أنهم أكثر تسامحاً بكثير من النخب. إن مَن يختلف ويتصارع هي النخب.

 ولماذا تتصارع هذا الصراع المرير؟

 هالة الباجي: من أسباب الصراع أنها لا تعرف بعضها البعض معرفة حقيقية. هناك سوء تفاهم كبير يسود بينهم، سوء تفاهم مبني على الخوف. الإسلاميون لديهم خوف من التحديثيين. المرجعية الروحية والتاريخية والسياسية للتحديثيين هو الحبيب بورقيبة. في مستهل فترة حكمة قرر الحبيب بورقيبة أن يستبعد الدين تماماً من الحياة السياسية. هذا الإرث ما زال حياً حتى اليوم. كان ضعف نظام بورقيبة يكمن في أنه بُني على ملاحقة الإسلاميين. وعندما يتم بناء شيء على أساس الملاحقة لا يمكن أن يستمر فترة طويلة.

يعتبر السياسي التونسي الحبيب بورقيبة مؤسس تونس الحديثة. Foto: dpa/DW-Fotomontage
"كان ضعف نظام بورقيبة يكمن في أنه بُني على ملاحقة الإسلاميين. عندما يتم بناء شيء على أساس الملاحقة لا يمكن أن يستمر فترة طويلة".

للأسف فإن المثقفين التوانسة منقسمون. البعض يدافع عن الإسلام، والبعض الآخر يعتقد أنه ينبغي إحداث قطيعة تامة مع التراث. لقد جعل الحبيب بورقيبة الدين مسؤولاً عن كل ما هو سيء، مسؤولاً عن الضلالات والجهل وعدم المساواة بين الرجل والمرأة. السير ناحية التقدم كان يعني بالنسبة لبورقيبة تدمير العادات والتقاليد والموروثات أيضاً. هذه الحداثة لم تأتِ بثمارها. فالدين ليس هو السبب الحقيقي لتخلفنا الاقتصادي والاجتماعي والعلمي. طوال ستين عاماً لم نستطع بناء مجتمع حديث كما هو الحال في أوروبا حيث يتمتع القضاء باستقلالية عن السياسة وحيث يتم مواجهة المشكلات الاجتماعية. لقد أخفقت السياسة.

 متى تفاقم الصراع مع الإسلاميين؟

 هالة الباجي: منذ الانتخابات التي جرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 أصبح الصراع أشد حدة، ثم وصل إلى ذروة جديدة بعد اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير (شباط) 2013. آنذاك أشار الجميع على الفور بأصابعهم تجاه حزب "النهضة"، وتم وصمه بأنه حزب توتاليتاري. غير أن الإسلاميين تطوروا، وتغيروا. إسلاميو عام 2014 ليسوا إسلاميي الستينيات. لماذا تحول بعض الإسلاميين إلى العنف؟ نعم، هناك متطرفون في صفوف الإسلاميين.

 وما هي، في رأيك، أسباب العنف؟

 هالة الباجي: أعتقد أن التونسيين أخفقوا في إفساح مكان لحزب محافظ داخل المنطومة السياسية. ليس هناك مجتمع يتكون من قوى تقدمية فحسب. من هذا المنطلق أدافع عن النهضة: إننا في حاجة إلى توازن بين القوى السياسية. هل هناك بلد ما في هذا العالم ليس به على الأقل قوة سياسية محافظة وأخرى تقدمية؟

احتجاجات في تونس بعد اغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد. Foto: AFP/Getty Images
الاغتيالات السياسية تفجر الغضب والسخط: اغتيال شكري بلعيد، السياسي المعارض والمحامي ومنتقد الإسلاميين، في فبراير (شباط) أدى إلى سقوط أول حكومة تحت قيادة حزب "النهضة" الإسلامي. وقد تفاقمت الأزمة السياسية في تونس في أعقاب اغتيال النائب اليساري القومي محمد براهمي في يوليو (تموز) 2013.

 الإسلاميون هم إذن القوة المحافظة في تونس؟

 هالة الباجي: بالضبط. هذا المكان لم يشغله المحافظون قط في الماضي في تونس. إذا كررنا أخطاء الماضي، فإن الأخطاء تتضخم وتصبح أكثر ظلماً، لأن الناس في تونس انتخبوا الإسلاميين. هناك ميل كبير في قطاعات من الشعب إلى النخب الإسلامية المحافظة. الإسلاميون هم النخبة التي نجحت إلى حد ما في احتواء موجة شعبية والتأثير عليها.

 وأين تكمن الأسباب من وجهة نظرك؟

 هالة الباجي: أعتقد أن للسؤال بعداً أخلاقياً. في عقود الديكتاتورية انفصلت السياسة عن الأخلاق. كان كل شيء مسموحاً من أجل مصلحة الدولة العليا، حتى ارتكاب أفظع المظالم. لم يكن الدافع للثورة دينياً، بل كان الاعتراض على التباين في المستوى الاجتماعي والظلم والديكتاتورية. ولأننا مررنا بثورة، فلدينا الآن أحزاب مثل "النهضة"، أحزاب تريد إثبات التوافق بين الديمقراطية والإسلام. هذه هي رؤيتهم.

أنصار حركة النهضة في تونس.  Foto: Reuters
ميلٌ تجاه النخب الإسلامية المحافظة: يشكل الإسلاميون نخبة نجحت بشكل مقنع في احتواء تيارات شعبية والتأثير عليها.

 وكيف تبدو التغيرات لدى الإسلاميين؟

 هالة الباجي: عندما أتذكر اللقاءات التي ظهر فيها الإسلاميون بعد الانتخابات مباشرة فقد كانوا أكثر تطرفاً من اليوم بكثير. أما الآن فقد قبلوا بالجزء الأعظم من مطالب المعارضة في الدستور الجديد. يتميز حزب النهضة إذن بقدرة فائقة على التأقلم مع الظروف الجديدة. لقد أدركوا أنهم لا يمكن أن يعيشوا في عالمهم المغلق. إنهم أبعد نظراً من المعارضة. أعتقد أنه يصعُب على المعارضة القبول بأن الإنسان من الممكن أن يكون ذكياً ومحافظاً في آن واحد. علينا أن نقبل بوجود بشر لا يعتبرون التقدم بالضرورة هدفاً ينبغي الوصول إليه.

 ما هي الأخطاء التي ارتكبها الإسلاميون؟

 هالة الباجي: أكبر خطأ ارتكبه الإسلاميون أن رد فعلهم لم يكن بالسرعة الكافية. لقد سمحوا للسلفيين بأن يرفعوا الرايات السوداء ولم يتنصلوا من أفعالهم، وهكذا أكدوا مخاوفَ الناس. لقد أطلقوا سراح الجهاديين من السجون في عفو شامل معتقدين أنهم لن يفعلوا شيئاً ضدهم لأن الإسلاميين في الحكم.

رائد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية. Foto: Reuters
تحولٌ إلى البراغماتية: "إسلاميو عام 2014 ليسوا إسلاميي الستينيات ... لقد أشار الجميع بأصابعهم تجاه حزب النهضة وتم وصمه بأنه حزب توتاليتاري. غير أن الإسلاميين تطوروا، وتغيروا"، مثلما ترى هالة الباجي.

 وأين ترين فرص "النهضة"؟

 هالة الباجي: للنهضة فرصة واحدة فحسب. على الحزب أن ينفصل عن الجناح العنيف داخل الحركة، وإلا فلن يصبح حزباً ديمقراطياً شعبياً. وهذا هو ما أستشفه من أفعالهم. لقد تغير الوضع. في الشهور الأخيرة من حكم "النهضة" كان هناك موقف قمعي تجاه الجهاديين. كان على الحزب أن يقوم بهذه القطيعة مع تاريخه. ينبغي على حزب النهضة أن يواصل السير في هذا الطريق. كما يجب أن يُعاد النظر تماماً في عملية التربية الدينية في المساجد بأكلمها.

 الانتخابات القادمة ستُعقد في خريف عام 2014 – ماذا يحدث إذا كسب حزب النهضة الانتخابات مرة أخرى؟

 هالة الباجي: إنني أعتقد أن حدوث سيناريو كهذا محتمل. لن تستطيع المعارضة بأكلمها منع قطاعات عريضة من الشعب من انتخاب حزب "النهضة" مرة أخرى. ولكن المعارضة أيضاً لعبت دوراً مهماً. لقد أوضحت للنهضة أننا مسلمون، غير أننا لا نقبل أن نُحكم باسم الدين. الدين شأن خاص. قد تكون هذه ربما المرة الأولى التي يقوم فيها مجتمع في المنطقة العربية بالتعبير عن ذلك بمثل هذا الوضوح. منذ سنوات الستينيات ونحن نشهد تحرراً في القيم المجتمعية، هذا شيء يريد التوانسة التمسك به. وعلى حزب "النهضة" أن يقبل ذلك.

 
 

حاورتها: كريستينا أوملين

ترجمة: سمير جريس

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "إسلاميو عام 2014 في تونس ليسوا إسلاميي الستينيات"

اعجبني هذا التقييم الموضوعي الذي تطرحه الاستاذة هالة الباجي فهي تدافع عن الاختلاف وتقدم وجهة نظر متميزة. العالم العربي والاسلامي عموما يحتاج الى مثل هذه الاصوات الموضوعية والتي تتكلم باستقلالية وصدق

فؤاد جابر كاظم04.04.2014 | 14:24 Uhr

حوار اكثر من رائع ومتوازن مع المفكرة التونسية هالة الباجي التي أشكرها على هذه الرؤية البعيدة عن التسطيح والاستغباء. شكرا موقع قنطرة لهذا الجهد الاعلامي..

حامد خلدزني 14.05.2014 | 18:03 Uhr