الموسيقار السوري مالك جندلي: الصورة غيتي اميج
حوار مع الموسيقار السوري مالك جندلي:

''الشعب السوري سيمفونية جميلة ينقصها فقط إيقاع الحرية''

لا يدخر الموسيقار السوري المعروف مالك جندلي جهدا في التعبير عن معارضته لنظام بشار الأسد، إذ أقام في الأول من سبتمبر/ أيلول، وهو اليوم العالمي للسلام، حفله الخيري الأول في ألمانيا لمساندة الثورة السورية. مارتينا صبرا التقت الفنان جندلي ودار بينهما هذا الحوار.



سيد جندلي، قلت إنك ستجلب معك شيئا مميزا لهذا الحوار. ما هو هذا الشيء؟

مالك جندلي: نعم. لدي هنا قطعة من ما يعرف بـ "الشبشب". لدي الجزء الأمامي من نعل مطاطي ملون صغير. هذا النعل هو لطفل تمكن من الفرار، عبر جبل الزاوية، من سوريا إلى تركيا، سليما دون إصابات، على الرغم من القصف العنيف لسلاح الجو السوري. قام بعض الطلاب السوريين بجلب هذه القطعة من النعل، بعد زيارتهم لمخيمات اللاجئين في تركيا. قمنا بعرضها في مزاد خيري نظم على هامش الحفل الخيري الذي أقمته. وقد تم جمع آلاف اليوروهات من قبل الجمهور. أعتقد أن هذا هو أغلى حذاء رأيته في حياتي. إنه ليس من ماركة قوتشي ولا ماركة أرماني. هذه الماركة تدعى "الحرية". انظري إلى هذه القطعة؛ إنها حقا لا تقدر بثمن ...

قدمت خلال العامين الماضيين العديد من الحفلات الناجحة في مختلف أنحاء العالم، من بينها حفلات في نيويورك ولندن وفيينا. كيف شعرت وأنت تقيم حفلك الأول في ألمانيا؟


غلاف الألبوم
"بدون حرية ليس هناك فن، وبدون حرية ليس هناك تقدم": الألبوم الجديد لمالك جندلي "إيميسا"، سجله بالتعاون مع الأوركسترا الفيلهارمونية الروسية.

​​جندلي:

ولدت في ألمانيا عام 1972، وزرت فيها روضة الأطفال. لقائي الأول مع الموسيقى كان هنا. انتقل والدي إلى سوريا، عندما كنت في السادسة من عمري. ولكن حتى سن الثانية عشرة، كنت آتي كل صيف إلى ألمانيا، إلى "المدرسة الصيفية" في فالدبرويل، وهي بلدة صغيرة لا تبعد كثيرا عن مدينة بون. وكنت آخذ هناك دروس البيانو. ولكن للأسف، لقد فقدت الاتصال مع معلمتي.
زيارتي الأخيرة لألمانيا كانت في الثمنانينات من القرن الماضي، أي قبل حوالي 30 عاما. إنه شيء رائع أن أكون هنا مجددا. الحفل الذي أحييته في مبنى الكابيتول في مدينة أوفنباخ حظي بحضور جماهيري كبير، وكان مناسبة رائعة للتواصل مع الألمان ومع الجالية السورية، وبنفس الوقت لتقديم شيء للأطفال السوريين، ولثورتهم وللحرية.

عشت وترعرعت في مدينة حمص. فكيف تمكنت من تعلم البيانو هناك؟

جندلي: في الواقع كان ذلك تحديا كبيرا. لم تكن هناك في حمص مدرسة للموسيقى. دروسي الأولى في الموسيقى أخذتها على يد مدرس للعزف على آلة البوق. ولكن في دمشق كان هناك مدرسون ممتازون للبيانو وبالتحديد في معهد تشايكوفسكي. واضطررت لأن أستقل الحافلة كل يوم خميس، وأسافر من حمص إلى دمشق، قاطعا مسافة تزيد على 100 كيلومتر، ثم أعود في اليوم نفسه. وكان ذلك يستغرق أربع إلى خمس ساعات. وفي وقت لاحق تقدمت بأوراقي للدراسة في الخارج وحصلت على منحة دراسية كاملة في الولايات المتحدة الأميركية.

نشات في ظل نظام البعث، وسافرت بين الولايات المتحدة وسوريا عندما كان نظام الأسد ما يزال مستقرا. إلى أي مدى استوعبت فكر البعث واعتنقته؟ وكيف نجحت في التخلص من ذلك؟


د ب ا
مالك جندلي: "تمكن نظام الأسد من أن ينتزع من الناس إنسانيتهم، وأن ينتزع الحرية وكذلك المشاعر الجوهرية، أي تلك المشاعر الإنسانية القادمة فعلا من القلب".

​​جندلي:

كي أكون صادقا معك – من يجلس أمامك الآن هو كاذب محترف. كنت أكذب كل صباح بقولي إني أحب الأسد، وفي المساء كنت أكره النظام. كان يجب على كل تلميذ في المدرسة أن يهتف ويقول التالي: "بالروح بالدم نفديك يا حافظ"، وبعدها "يا بشار". يتكرر ذلك كل يوم. ثم نعود إلى البيت لنسمع من أهلنا: "لا، الأسد ليس رجلا طيبا!". كان ذلك انفصاما في الشخصية، وكان يجب علينا أن نعيش، نحن الأطفال، مع هذا الوضع. وبعدما سافرت إلى الولايات المتحدة، استغرق الأمر 10 سنوات تقريبا، حتى تمكنت من تنقية روحي، وأن أقول الحقيقة دون أن أضطر للكذب.

العديد من الفنانين العرب المشهورين، مثل الفنانة اللبنانية فيروز أو المطرب السوري صباح فخري، لاذوا بالصمت، حتى الآن، حيال العنف الذي يمارسه نظام الأسد. لماذا هذا الصمت برأيك؟

جندلي: إنه أمر مثير للاشمئزاز، أن يقوم النظام بسلب الناس، وكذلك الكثير من الفنانين، القدرة على التفكير. وأن يتمكن نظام الأسد في أن ينتزع من الناس إنسانيتهم، وأن ينتزع الحرية وكذلك المشاعر الجوهرية، أي تلك المشاعر الإنسانية القادمة فعلا من القلب. والفنان الذي لا يقف إلى جانب أطفال سوريا في هذه اللحظة، هو بدون قلب. وأنا أسمي هذه النوعية من الفنانين "الطبول الفارغة"، لأن ما يصدر عنهم يتوافق مع إيقاع جرائم الديكتاتور.

هل تعتقد أنه يفترض بالموسيقيين في ألمانيا وأوروبا أن يتخذوا موقفا أكثر وضوحا لصالح الثورة السورية، أو الثورة بشكل عام؟

جندلي: نحن بحاجة للتمييز بين الناس العاديين والحكومات. تم تسجيل ألبومي "إيميسا"، وهو الاسم القديم لمدينة حمص، والذي أهديته للثورة السورية، بالتعاون مع الأوركسترا الفيلهارمونية الروسية. وهذا يعني بالنسبة لي أن شعب روسيا يقف مع شعب سوريا، وليس مع الحكومة. بعض الموسيقيين في موسكو بكوا عندما سجلنا مقطوعة "القاشوش". الفن هو بالنسبة لي رسالة عالمية، إنه البحث عن الجمال والحقيقة.

في عام 2011 ألفت "سيمفونية القاشوش" وأهديتها لرجل الإطفاء والمطرب الشعبي، ابراهيم القاشوش، الذي غنى خلال مظاهرات حاشدة في مدينة حماة أغنيته المشهورة ضد بشار الأسد "يلا ارحل يا بشار". على إثرها جرى خطف القاشوش و تعرض للتعذيب بوحشية، ثم قتل وتم تشويه جسده. ماهو المعروف عن القاشوش؟ وهل هو من ألف حقا أغنية "يلا ارحل يا بشار"؟

الصورة دويشته فيله
أطفال الحرية بانتظار الحرية والخلاص من الديكتاتورية

​​جندلي: كل ثورة عبر التاريخ ولها أسطورة. الأسطورة الموسيقية للثورة السورية هي إبراهيم القاشوش. حتى وإن كان في الواقع مجرد رجل إطفاء من حماة، ولكنه بالنسبة لي أول فنان سوري كسر جدار الخوف.
لقد مهد الطريق للموسيقيين والفنانين الآخرين وأشعل الثورة الثقافية. لأن الثورة السورية لا تتعلق فقط بالحرية وحقوق الإنسان. إنها ثورة ثقافية أيضا. فبدون حرية ليس هناك فن، وبدون حرية ليس هناك تقدم.

ألفت في ربيع عام 2011 نشيد "وطني أنا، وأنا وطني". وبعدها بأسابيع قليلة، أي في نهاية يوليو/ تموز، جرى الاعتداء على والديك في حمص. اقتحم شبيحة النظام منزلهما وضربوهما بعنف، متسببين بإصابات خطيرة لهما. كيف كان شعورك عندما علمت بذلك؟ هل فكرت في التوقف عن تصريحاتك العلنية ضد النظام؟

جندلي: بصراحة كان الأمر ثقيلا جدا. يشعر المرء بالذنب، وبأنه ضعيف وغير نافع. كان ذلك فعلا مشينا، أن يضربوا والدتي ويكسروا أسنانها. وكل ذلك لأنهم لا يستطيعون الوصول إليّ. أنا مواطن أميركي، ولا يمكنهم أن يمسوني. ولكن المسألة بالنسبة لي هي مسألة شرف. فإذا كانت الحرية هي أن أقف في وجه مثل هذا الطاغية، فأنا أحب الحرية، وأنا على استعداد للموت في سبيلها.

بعض المراقبين يبدون متشائمين ويرون أن أوضاع الناس في سوريا ستكون أسوأ إذا سقط الأسد، لأن البلد سوف يتفتت، سواء من الناحية الاجتماعية أو الجيوسياسية.

جندلي: كلما استمر العنف أكثر كلما ازدادت صعوبة إيجاد حل سياسي. ما نشهده الآن هو سقوط للإنسانية. ولكني لا أريد أن أتخلى عن الأمل. أعتقد أنه يمكننا بناء سوريا جديدة، سوريا أفضل. الأطفال سينيرون لنا الطريق. الشعب السوري لديه الإمكانية كي يصبح سيمفونية جميلة تضم جميع الألوان المختلفة. ولكن الشيء الوحيد الذي ينقصنا لتحقيق ذلك هو إيقاع الحرية.
سوريا هي مهد الحضارات، وعلى أرضها تاريخ يمتد لأكثر من عشرة آلاف عام. الأبجدية الآولى وضعت في سوريا، والتدوين الموسيقي اخترع هناك. وحتى مبتكر حواسيب أبل، ستيف جوبز، كان مرتبطا بسوريا بطريقة أو بأخرى، فوالده، عالم البيولوجيا، هو من عائلة جندلي من حمص؛ وهو بالمناسبة ابن عم والدي.

نحن لا نريد أن يحكمنا مجرم، لا نريد أن يكون رئيس جمهوريتنا شخصا محتالا يكذب علينا طوال الوقت، ويقول أن الحضارة السورية عمرها 40 عاما، أي أنها بدأت مع حكم الأسد الديكتاتور. دعيني أصيغ ذلك بعبارة أخرى: لقد حررنا أنفسنا. ليس هناك طريق للعودة. ولا مستقبل لبشار الأسد. إنه مجرم حرب ويجب أن يحاكم عن كل تلك الجرائم أمام المحكمة الجنائية الدولية.

 

حاورته: مارتينا صبرا
ترجمة: فلاح آل ياس
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2012

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ''الشعب السوري سيمفونية جميلة ينقصها فقط إيقاع الحرية''

لكل أسف نحن عاجزون إلى هذه اللحظة عن القيام بأي دور ثقافي ذو شأن أو تأثير فكري فاعل ذي قيمة وانتشار كوننا جهلة في التقييم الموضوعي وغير مالكين أساسا لمعايير التقييم والتصنيف المفترض اعتمادها للتأسيس لحركة فنية ثقافية صلبة بعيدا عن المواقف السياسية (وأقول المواقف السياسية وليس السياسة وشتان بين الاثنين). كل ذلك في ظل عهود طويلة من الحرمان النقدي والضحالة في التحليل والمقاربة. على كل الأحوال ليس هذا بغريب، فالحالة العربية المهترئة لا يمكن لها أن تنضح إلا بما يجول في حشاها، أعجبنا ذلك أم لا. العبء المقيت من جهل تام بالفن والثقافة والغياب التام (تغييب) للمؤسسات القادرة على النقد والمراجعة لا يمكن أن يفرز إلا أشباه المثقفين ومدعي الفنون. وليس احتفالنا بهذا "الفنان" و ذلك "المثقف" إلا لأنه مُصطف معنا سياسيا وليس على الإطلاق نابعا من قدرة وامتلاك للوسائل التي تمكننا من تقييمه فنياً.
وهذا الجهل العام المزري استغله واستثمره الانتهازيون والمزيفون والمحتالون والنصابون من أبناء الجلد العربي الفاشلين في الخارج كما في الداخل وليس الجندلي إلا واحدا من هؤلاء. التاريخ سيعريهم عاجلا أم آجلا وإن ترك هامشا لذكرهم فليس إلا للكتابة عن غشهم وفشلهم الذريع.

مخزوق01.10.2014 | 17:27 Uhr