حوار مع مخرج الفيلم التونسي "البحث عن محيي الدين بن عربي"

"نحن لا نعرف تراثنا العربي الإسلامي"

ينتقد المخرج التونسي والفنان التشكيلي ناصر خمير، في حواره التالي مع كريستينا أوملين لموقع قنطرة، تحويل الحياة الإسلامية إلى نوع من الثنائية: كل شيء هو إما "حرام" أو "حلال". لكنه ينتقد أيضاً عدم التعمق في فلسفة الثقافة العربية الإسلامية، ويرى أن الإسلام في الحقيقة هو ثقافة مصالحة مع النفس ومع الآخر. ولتسليط الضوء على جوهر الإسلام يسعى في فيلمه إلى اقتفاء أثر الفقيه الإسلامي والفيلسوف والشاعر المتصوف ابن عربي، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي.

السيد خمير، في فيلمك تقتفي آثار محيي الدين بن عربي، الفقيه الإسلامي الكبير والفيلسوف والشاعر الذي عاش في القرن الثالث عشر. ماذا كان الدافع الأساسي بالنسبة لك لإخراج هذا الفيلم؟

ناصر خمير: "البحث عن محيي الدين" فيلم عن الشيخ المتصوف الكبير محيي الدين بن عربي. الفيلم رحلة بحث عن هذه الشخصية عبر عشرة بلدان، وخلالها يتعرف المشاهد على جوهر الديانة الإسلامية. مَن يشاهد هذا الفيلم، تتكون لديه فكرة واضحة للغاية عن الإسلام.

 وما هو إسلام ابن عربي؟

ناصر خمير: إننا نجد الإجابة في عديد من التفاصيل الصغيرة. تحضرني قصيدة لابن عربي تعكس بشكل جيد موقفه الفلسفي:

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ                  فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

 

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ                     وألوحُ توارةٍ ومصحفُ قرآنِ

 

أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجهتْ                   ركائبُه، فالحبُ ديني وإيماني

Der arabische Philosoph Ibn Arabi; Foto: wikimedia
يُنظر إليه بإجلال كواحد من أكبر علماء المذهب الصوفي في الإسلام: نشأ الفقيه والفيلسوف والشاعر ابن عربي في إشبيليه وعاش هناك ما يزيد عن ثلاثين عاماً، وتوفي عام 1240 في دمشق.

هذه الأبيات توضح جوهر الإسلام توضيحاً دقيقاً إلى حد كبير: هذه الرؤية للإسلام تكاد تكون مجهولة. وسط كل هذه الفوضى بخصوص الإسلام كان هدفي أن أجعل أفكار هذا الشيخ أكثر شهرة. ابن عربي يقوم بترتيب هذه الفوضى.

هل لك أن توضح ما تقصد؟

ناصر خمير: سأعطيك مثالاً: خلال حقبة معينة كانت النظافة والطهارة من سمات الإسلام. أما اليوم فلدينا في تونس أقذر شوارع في العالم. هذا مثال يظهر بشكل جيد كيف تحدث أشياء شاذة باسم الدين. لقد استولت طبقة من فقهاء الدين على الإسلام اليوم في تونس وجعلته رهينة. إنهم يشوهون الإسلام، ويشوهون الحياة ويحولونها إلى نوع من الثنائية، كل شيء هو إما "حرام" أو "حلال".

حتى الآن لم أحصل إلا على ردود فعل إيجابية على الفيلم. غير أن المجتمع التونسي اليوم مشغول بأشياء أخرى. المجتمع يصم آذانه الآن بعض الشيء إذا دار الأمر حول الثقافة، أو حتى حول الإسلام.

ولكن الدين الإسلامي مهم بالنسبة إلى كثير من التونسيين.

ناصر خمير: في عهد بن علي عمل المسؤولون على أن تذبل أرواح التونسيين. لقد ساعد بن علي بعض الناس على أن يكتسبوا ثراءً مادياً، هذا مؤكد، ولكن الأغلبية كانت تعاني نفسياً من انتشار الخوف. ولذلك لدينا في تونس اليوم أناس على درجة عالية جداً من التعليم وبشهادات أكاديمية ممتازة، إلا أنهم يعانون من فقرٍ في الجانب الإنساني لديهم. إنهم يعتقدون أن الحقيقة لا يمكن تفسيرها إلا علمياً، وأن ذلك جزء من الحداثة.

العلوم الإنسانية يتم تهميشها – الفلسفة والأدب والفنون، كل هذا لا وزن له بالنسبة لهم. الصورة السائدة للعالم هي صورة ميكانيكية تقنية. إذا استخدمنا تشبيهاً من السُّلَّم الموسيقي، فسنقول إن هؤلاء الناس يعيشون في نظام لا يتجاوز نوتتين أو ثلاث نوتات موسيقية.

هناك إذن فراغ ما خلفته الديكتاتورية ...

Tunesiens langjähriger Diktator Zine El Abidine Ben Ali; Foto: AP
ناصر خمير: " في عهد بن علي عمل المسؤولون على أن تذبل أرواح التونسيين. لقد ساعد بن علي بعض الناس على أن يكتسبوا ثراءً مادياً، هذا مؤكد، ولكن الأغلبية كانت تعاني نفسياً من انتشار الخوف".

ناصر خمير: هناك أمران: من ناحية هناك ذلك الفراغ، من ناحية أخرى هناك الرعب من تعقُّد هذا العالم. ولكن بدلاً من مواجهة هذه التحديات، فإن الناس يتخلون عن التفكير، ويصطفون خلف مَن يفكر بدلاً منهم، حزب مثلاً أو خطيب ديني. إنهم يتخلون عن التفكير لأنهم ببساطة جبناء. اقتران الجبن بالجهل – هذا هو المزيج الذي يدفع بالناس إلى ارتكاب أبشع الأشياء باسم الحقيقة.

وكيف ضاعت إذن كل قيم الإسلام هذه؟ لقد كانت هناك تقاليد جامعية ثرية. جامعة الزيتونة مثلاً يجب أن تدافع عن سمعتها.

ناصر خمير: ترتكز الجامعات إلى حد كبير على الثقافة الغربية من دون أن تضع الثقافة العربية في الوقت نفسه موضع تساؤل ودون أن تجددها. إن التعامل المعمق مع الثقافة العربية – بمعنى التساؤل عما يمكن الحفاظ عليه وعما يمكن التخلي عنه بكل ثقة – لم تحدث قط من الأساس. البعض يريد أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه في زمن السلف الصالح، ولا يريد التحرك  – هؤلاء هم السلفيون. والبعض الآخر لا يريد أن يسمع شيئاً من ذلك، ولا يريد سوى الحداثة والعلم والتكنولوجيا – هؤلاء هم العلمانيون.

هذه ليست في الحقيقة مشكلة دينية، بل ثقافية. إنها نوع من عدم القبول بفكرة أن العالم يمر بتحولات، وأن الإنسان يمكن أن يفقد شيئاً خلال ذلك. ولأننا فشلنا في مواجهة هذه المشاكل ذهنياً، فقد أخرجوا الدرع الديني ليحتموا به. وهذا خطأ عظيم.

بالإضافة إلى ذلك فقد عاد عدد قليل من التوانسة الذين درسوا في الخارج إلى بلادهم. وما كان يمكن تعلمه من المواجهة مع الغرب، كان يمكن أن يكون قراءة جديدة الإسلام.

ولماذا لم يتم البدء قَطّ بهذه القراءة الجديدة؟

ناصر خمير: لأننا نفتقد الأساس الذي يمكن أن نبدأ عليه أبحاثنا. لا أحد قام بتمويل هذا الأساس، رغم أن المنطقة العربية بها ملايين كثيرة من دخل البترول. ليس هناك حتى معجم تاريخي للغة العربية. كثيراً ما أقول: إذا كان مقياس الأمل هو كمية العمل التي يجب علينا القيام بها فإننا أكثر الناس أملاً، لأن أمامنا الكثير وعلينا أن ننجزه.

منذ ما يزيد عن خمسين عاماً لم يعد في تونس مكان للثقافة، الثقافة الأصيلة غير المنسوخة، ولا مكان لفنٍ لديه رؤية ويقدم إجابات عندما يتوقف المنطق أو لا يجد العقل حلولاً. الثقافة في تونس هي في المقام الأول حدث ضخم احتفالي – عيد، تسلية خالصة. كل قرية صغيرة لها مهرجانها الخاص، مقارنة بذلك فإن حجم الانتاج الثقافي الرفيع والنوعي صغير نسيباً. ورغم أن البلد له تراث ثقافي ثري، فإننا لا نعرف الكتاب لدينا أو الخطاطين أو المعماريين. مع وجود هذا التجاهل فإن الثقافة تحفر قبرها بيدها. نحن لا نعرف شيئاً عن تراث بلدنا.

Demonstration von Jugendlichen gegen die Regierung in Tunis im April 2012; Foto: Amine Landoulsi/AP/dapd
شباب بلا أفق: لم تهدأ البلاد منذ اندلاع الثورة التونسية في يناير/ كانون الثاني 2011 التي أدت إلى سقوط زين العابدين بن علي بعد أن تربع سنوات طويلة على كرسي الحكم. والشبان معرضون أكثر من غيرهم للفقر ونسب البطالة العالية، ما يدفعهم إلى القيام باحتجاجات ضد الأوضاع الاجتماعية المزرية في بلادهم.

أنت ترسم صورة سوداوية للغاية لوضع الثقافة في بلادك ...

ناصر خمير: غياب الجودة والامتياز واضح في كل مكان. لكن الامتياز تحدٍ، وهو ما يتطلب الدقة. لكننا نحاول دائماً أن نتأقلم بشكل من الأشكال مع الظروف. منذ سنوات ونحن نخترع وسائل لكي نتنصل عن المسؤولية، ولكي نسير في مسار متعرج. كيف لنا أن نكون أحراراً دون تحمل مسؤولية حقيقية؟ لا حرية بلا مسؤولية. بدلاً من ذلك فقد ربيّنا أنفسنا على عدم تحمل المسؤولية، وعلى التأقلم مع الظروف. يسقط المجتمع شيئاً فشيئاً في ما يشبه المستنقع الذي لن نستطيع الخروج منه بقوتنا الذاتية.

أي الصعوبات تواجه الجيل الجديد في تونس؟

ناصر خمير: الجيل الجديد اليوم يعيش بلا هوية، وبلا جذور، إنه يحيا بلا جاذبية أرضية. كل واحد منهم يستطيع أن يحكي لي عن جهاز الآي باد الذي يملكه، كلهم يسبحون على السطح، يتحدثون عن آخر المخترعات وكأننا نعيش في مدينة أمريكية. لكننا في تونس.

 ما يقلقني بالفعل هو هذا الكره الذي يتغلغل إلى كل مكان. كراهية الإسلامويين للغرب، وكراهية اليسار للإسلاميين. وكأن الكراهية هي المحرك الوحيد الذي يدفعنا إلى الأمام في الوقت الحالي.

فيلمي يتحدث عن النقيض من ذلك: الفيلم له تأثير مهدئ وسلمي. إنه يظهر الإسلام كثقافة مصالحة، المصالحة مع النفس ومع الآخر. كما أنه يبين أن على المرء أن يبذل جهداً حتى يستطيع أن يقابل الآخر بروح التفهم.

 

 

حاورته: كريستينا أوملين

ترجمة: سمير جريس

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.