حوار مع نجيب عبد المولى:

تعليم مادة حقوق الإنسان في ظل الديكتاتورية

كيف تمكن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي من البقاء كل هذه الفترة الطويلة في الحكم رغم الوعي القوي بالقيم الديمقراطية لدى الأوساط الشعبية المتعلمة؟ عن ذلك تحدث الباحثان سوزانه كورنيرت عثمان وسرحان دويب في مؤسسة جورج إيكرت للبحث في الكتب المدرسية مع الدكتور نجيب عبد المولى، الذي يعمل ومنذ فترة طويلة في مجال تعليم مادة حقوق الإنسان في وزارة التربية التعليم التونسية.



سيد عبد المولى، منذ متى ومادة حقوق الإنسان حاضرة في المدارس التونسية وكيف تطورت؟

نجيب عبد المولى: إن حقوق الإنسان ترفض أشكال التمييز وتعد الناس بحياة كريمة. وبالنظر إلى ذلك فقد بدأ تعليم مادة حقوق الإنسان

الصورة ا ب
"نظام بن علي نجح في التغطية على فهم حقوق الإنسان بفساده وقمعه، والمقررات المدرسية لم تكن متورطة في الإستغلال الأيديولوجي"

​​منذ سن أول قانون للتعليم في تونس عام 1958. وقد نص هذا القانون على مبدأ المساواة في مجال التعليم. وإذا نظرنا إلى هذا القانون فسنجده يتضمن مبدأ الحرية والكرامة والمساواة في العديد من بنوده. أما قانون 1991 فقد مثل لحظة أساسية في تطور تدريس مادة حقوق الإنسان، بنصه الواضح على إجبارية التعليم. وقد أضيفت إلى ذلك مادة "التربية الوطنية" كمادة مستقلة، يدرسها أساتذة تلقوا تكوينا في مجال القانون أو الفلسفة.

ما هي النماذج التي تأثر بها المتخصصون في الكتاب المدرسي وتطوير التعليم؟

عبد المولى: يقوم التعليم المدرسي في تونس على مضامين مختلفة، ينتمي بعضها إلى الميراث العربي ـ الإسلامي. لكن حتى فيما يتعلق بهذا الميراث، يتم اختيار نصوص تنتمي إلى الفلسفة العقلانية والتنويرية. وهي تلك النصوص التي ساهمت في تطور تاريخ الأفكار الأوروربي بشكل كبير. أما المكون الثاني فهي الحداثة الغربية، إذ نجد مضامين في المقررات المدرسية تنتمي إلى حقبة النهضة الإيطالية والتنوير الأوروبي. ومنذ تأسيس مدرسة الصادقية على يد خير الدين باشا (1820ـ1889)، وقبل الإستقلال التونسي، تبنت المدرسة التونسية مبادئ التنوير. وقد ساهم المتخرجون من مدرسة الصادقية بدور كبير في حركة التحرر الوطني وحركة بناء الدولة بعد الإستقلال.

نقف في الكتب المدرسية على مراجع مختلفة، أوروبية وعربية، في المقابل تندر الإشارة إلى حزب بن علي الحاكم أو إلى الإسلام، هل يمكن أن نتحدث هنا في رأيكم عن استراتيجيات معينة؟

عبد المولى: يتم تفسير حقوق الإنسان في الكتب التونسية استنادا إلى مصادر عربية وأوروبية، في تأكيد للتوجه الحداثي لكتابات تنتمي

الصورة ا ب
"قانون التعليم التونسي تقدمي ومستقل عن الأيديولوجية التي كانت حاكمة"

​​إلى الثقافتين. أما المراجع الإسلامية فلا يتم الرجوع إليها إلا في الكتب المتعلقة بالتربية الإسلامية. حزب بن علي لم يكن حزب أفكار وقيم، بل حزبا يقوم على شبكة من العلاقات، ومؤلفو الكتب المدرسية نأوا بأفسهم خصوصا عن الإشارة إلى الحزب الحاكم. لم يكن هناك تنافس في الأفكار.

لاحظنا وجود تناقض كبير بين القيم المثالية لحقوق الإنسان في كتب التربية الوطنية والواقع السياسي للنظام القديم، كيف يمكننا شرح ذلك وكيف تعامل المسؤولون عن المقررات المدرسية مع ذلك؟

عبد المولى: إن التناقضات بين القيم المثالية في الكتب المدرسية والحياة الواقعية أمر عادي. فنظام بن علي نجح في التغطية على فهم حقوق الإنسان بفساده وقمعه، والمقررات المدرسية لم تكن متورطة في الإستغلال الأيديولوجي. إن قانون التعليم يشهد عل ضرورة احترام الإنسان وهويته وكرامته وحريته وانتمائه القومي أو الإقليمي في ظل انفتاح على البعد العالمي. إن قانون التعليم التونسي تقدمي ومستقل عن الأيديولوجية التي كانت حاكمة..

هل توجد في رأيكم علاقة بين تدريس مادة حقوق الإنسان وإسقاط النظام الذي كان يحكم البلاد؟

عبد المولى: إن هناك علاقة غير مباشرة بين تدريس مادة حقوق الإنسان وإسقاط نظام بن علي، فتدريس حقوق الإنسان يعلم التلاميذ بشكل منهجي النظر بعين نقدية إلى الواقع ومن وجهات نظر مختلفة. كما أن ذلك يعلم التلاميذ فضح التزييف الذي يمارسه النظام، والذي يعمل النظام عبره على تقديم نفسه كحام لحقوق الإنسان وإخفاء خروقاته الصارخة. لكن لما وصلت الديكتاتورية إلى حد لا يطاق، ثار مجموع المجتمع ضدها.

هل يمكن اعتبار تونس حالة خاصة داخل الوطن العربي؟

عبد المولى: مقارنة بالدول العربية الأخرى فإن الشعب التونسي غير محكوم بالتفرقة الطائفية أو الإثنية أو الدينية. إن المذهب السائد هو المذهب السني. كما أن الدولة، ومنذ استقلال البلاد عام 1956، تأسست على قيم حديثة، منها تلك المتعلقة بوضع المرأة مثلا. كما أن إنتشار التعليم ساهم بشكل كبير في تغيير الذهنيات، لكن ديكتاتورية بن علي حالت دون أن يأتي تعليم المرأة وتحريرها بثماره.

أي مستقبل في رأيكم لتعليم حقوق الإنسان في تونس والعالم العربي، وما هي العراقيل التي يتوجب تجاوزها؟

عبد المولى: ما حدث في الرابع عشر من يناير في تونس أمر مؤثر، لأن جدار الخوف انهار، وهو الجدار الذي حال دون مقاومة الناس للديكتاتورية ، فالتلميذات والتلاميذ كانوا يدرسون من جهة عن حرية التعبير والمساواة أمام القانون وحكم الدستور واستقلالية القضاء، ومن جهة أخرى كانوا يلحظون تناقضا لواقعهم مع هذه المبادئ. وهذا الوضع دفع بالشباب إلى الإنسحاب من الأنشطة العامة. لكن الوضعية تغيرت اليوم. فالناس بدأو يشعرون بأن تونس وطن لهم. والقيم القانونية استعادت مصداقيتها، لكن كل تغيير جديد يحمل معه مشاكله، إذ لم يعد هناك تفريق بين الحق في الحرية والحرية في معناها اليومي. فالحرية المطلقة قد تقود إلى الفوضى وإلى خرق للقوانين. ولهذا فإن السؤال الملح اليوم يتعلق بتطوير الوعي بالحقوق المدنية. وتنتظر المواطنين التونسيين واجبات صعبة: تشكيل مجلس وطني دستوري وتنظيم انتخابات ديمقراطية. وهو ما يتطلب ثقافة واعية وملتزمة على المستوى العمومي، وتطبيق القانون دون خروقات واحترام ميكانزيمات المراقبة التي تسهر على حماية الأملاك العامة.

 

أجرى الحوار: سوزانه كرونيرت عثمان وسرحان دويب

ترجمة: رشيد بوطيب
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.