غلاف الكتاب
كتاب عبد الله العروي "السنة والإصلاح":

الاتباع بدل الابتداع ...أسوار ممانعة التغيير

يحتل عبد الله العروي، صاحب "الإيديولوجية العربية المعاصرة" المكانة نفسها التي يحتلها صاحب "الايديولوجية الألمانية" في الثقافة الأوروبية. لقد كان العروي الأكثر راديكالية في نقده للثقافة العربية المعاصرة وخطيها التراثي والليبرالي على السواء. رشيد بوطيب في عرض نقدي لكتاب العروي الأخير، ونقده "الأيديولوجي" لأسس الثقافة العربية القائمة، خصوصا لما يسميه بالثقافة السنية.

غلاف الكتاب
"إن استعمال العروي لكلمة "السنة": إيديولوجي، فهي في نظره رؤية إلى العالم، تؤبد القديم وترفض التجديد"

​​"لم أرفع أبدا راية الفلسفة ولا الدين ولا التاريخ، بل رفعت راية التاريخانية..." يكتب العروي في الصفحات الأولى لآخر كتبه "السنة والإصلاح". وليست التاريخانية في رأيه سوى "معانقة للتاريخ". لن أتوقف عند هذا التعبير الذي يذكر باللغة الدينية، ويؤكد بأن سدنة التاريح لا يختلفون كثيرا عن سدنة المعابد، فالتاريخانية رؤية إلى العالم، تقوم عل فكرة التقدم وتعتبر خط التاريخ تطوريا بالضرورة، إنها نوع من الداروينية التاريخية يفتك فيها الجديد بالقديم ـ لا يجب أن ننسى في هذا المقام مقارنة انجلز لعمل ماركس بعمل داروين، فالثاني اكتشف قوانين البيولوجيا والأول قوانين تطور التاريخ البشري ـ والتاريخاني لا يقرأ في التاريخ، إلا ما يريد قراءته ولا يقرأ في العلم أيضا إلا ما يريد قراءته.

وتهدف التاريخانية من وراء ضبط قوانين التاريخ وتطوره إلى استشراف المستقبل. هذا الادعاء هو ما أثار بالخصوص غضب الفيلسوف الكبير كارل بوبر في "بؤس التاريخانية"، الذي رأى أن التاريخ البشري محكوم إلى حد كبير بالتطور العلمي، تطور لا يمكننا التنبؤ به الآن ما يجعلنا غير قادرين على التنبؤ بشكل التاريخ الإنساني غدا.

ورغم النقد الماركسي، الذي تحامل على بوبر واتهمه بربط التطور التاريخي للإنسانية إلى حد كبير بالتفكير والعلم ورماه بالمثالية لكن لا أحد يمكنه أن ينكر أن التاريخانيين لم يعطوا قيمة للبشر كفاعلين تاريخيين بل أعطوها فقط للتاريخ ذاته أو بالأحرى لسببية تاريخية حتمية ومغلقة، وهو ما يفسر ربط بوبر بين التاريخانية والتوتاليتارية.

التاريخانية ضد الميثولوجيا والفلسفة والثيولوجيا

لكن التاريخانيين، والعروي لا ريب أحد وجوههم المركزية، يفهمون التاريخانية كعلم للتاريخ. وتقترن التاريخانية بأسماء مثل هيغل وكونت وماركس وبعض حركات التفكير الماركسي وبالداروينية الاجتماعية ونشوئية مورغان وغيرها.. وهي اسم لكل النظريات التي تطمح إلى كشف "قوانين" التغيير الاجتماعي.

فماركس مثلا يعتبر أن محرك التاريخ هو الصراع الطبقي، في حين يرى ميل أن تقدم الفكر الإنساني مرتبط بالرغبة في تحقيق مزيد من الرفاهية المادية أو عند ليفي ـ برول يتميز التاريخ بالعبور من العقلية السابقة للمنطق إلى العقلية المنطقية.

أما العروي فيرى أن الفكر التاريخاني هو ذاك، الذي تجاوز أشكال التفكير "التقليدية" و"غير العلمية" ويعني بها الميثولوجيا والفلسفة والثيولوجيا، وبلغة أخرى ذاك، الذي تجاوز الأسس التي يقوم عليها الفكر العربي "المعاصر"، حتى تلك الأكثر تشدقا بالعلم.

كتاب الأيدلوجيا العربية المعاصرة
"العبور من التفكير إلى التأويل، لهو من أهم عمليات العلمنة التي عرفها الفكر البشري، لأن ذلك يمثل خروجا من نفق المفاهيم إلى أفق اللغة والمجتمع والعلاقة مع الآخر"

​​يذكر كتاب العروي "السنة والإصلاح" بكتاب كانط "صراع الكليات" رغم اختلاف السياق التاريخي والفكري لكل منهما، فكتاب كانط الذي بحث إشكالية الصراع القائم بين الفلسفة من جهة والثيولوجيا والقانون والطب من جهة أخرى، ينتصر في النهاية لمركزية الفلسفة داخل الجامعة، باعتبارها المتكلمة باسم العقل، في حين يتبنى العروي التاريخانية باعتبارها المتحدثة باسم التاريخ ضد الميثولوجيا والفلسفة والثيولوجيا والتي تعتبر في رأيه أشكالا فاسدة للفكر، إذ "لا علم إلا علم التاريخ" كما يقول ماركس. إنها نزعة مركزية سواء تلك التي حكمت كانط أو هذه التي تحكم العروي وهي غالبا ما تتناسى أقاليم التفكير والتعبير الأخرى، بل هي تتناسى بأن التاريخ نفسه يمشي "كأن به قلق".

ويدهشنا العروي بهجومه السطحي في أغلب الأحيان على الفلسفة، الذي يذكر بماركسية القرن التاسع عشر وبالوضعية التي نادت بموت الفلسفة، وبخسه لدورها التاريخي والتنويري والمعرفي والتربوي، مستعملا عضلاته التاريخانية أو الايديولوجية، غير واع بعظمة الانتقال من "المفهمة" إلى "التأويل" داخل الفلسفة، فليست الفلسفة بالضرورة وعدا أو طوبى، ليست بالضرورة ماركسية، فالمفاهيم لا سماء لها يقول دولوز، بل إن العبور من التفكير إلى التأويل، لهو من أهم عمليات العلمنة التي عرفها الفكر البشري، لأن ذلك يمثل خروجا من نفق المفاهيم إلى أفق اللغة والمجتمع والعلاقة مع الآخر، وهذا ما تحقق مع فلسفة الحياة وهايدغر والهيرمينوطيقا و"النظرية الفرنسية" والبراغماتية اللغوية"، وهو ما يمثل تنسيبا لكل أشكال الفكر الحتمي.

نظرة "ماركسوية" إلى الثيولوجيا

غلاف كتاب العرب والفكر التاريخي
"الأولى أن يكون العنوان الحقيقي لكتاب العروي هو السنة ضد الإصلاح"

​​يهاجم العروي من جهة أخرى الثيولوجيا، فهي في رأيه تتبع ولا تبتدع، إنها سلوك اتباعي. ويغفل في حكمه التطور الكبير الذي حدث داخل الثيولوجيا والزلازل التي تعرض لها البناء الثيولوجي من الداخل وتحت تأثير الخارج، ولنأخذ المسيحية مثلا، فهل مسيحية القرون الوسطى التي كانت تحشر أنفها في كل كبيرة وصغيرة وتقوم على شيطنة كل أشكال التفكير الأخرى هي نفسها مسيحية البابا بنيدكت السادس عشر الذي يدعو إلى حوار بين العقل والدين وإلى الانفتاح على الأديان والثقافات الأخرى؟ لقد شهدت الثيولوجيا المسيحية تحولا كبيرا وثورات داخلية وتاريخا طويلا من العلمنة ومراجعة الذات، بل وداخل الإسلام نفسه عرف الأصل قراءات مختلفة وتطورت عنه مذاهب مختلفة بله ومتناقضة، بعضها ذهب إلى حد المطالبة بإعادة النظر بالأصول.

لقد كان العروي في نظرته إلى الثيولوجيا فيلسوفا تقليديا أكثر منه تاريخانيا يطلب القبض على قوانين تطورها التاريخية. لقد حكم عليها منذ البدء بأنها تمثل حقيقة مطلقة ومغلقة لا تقبل الاجتهاد. لهذا فإن العنوان الحقيقي لكتاب العروي هو "السنة ضد الإصلاح". إن العروي لا يصغي إلى التاريخ، بل إلى قوانينه التي اختارها بنفسه له واختزله فيها شأن كل تاريخاني، فتتحول التاريخانية إلى شكل من أشكال "التأرخخ"، أو إلى ثيولوجيا للتاريخ، إنها الرؤية الماركسية التقليدية ولا يفعل العروي أكثر من إسقاطها على التاريخ الإسلامي ومجمل الفكر الإسلامي، وبجرة قلم واحدة يطرد الاختلاف من داخل هذا الفكر.

لم تقم الثيولوجيا الإسلامية على الاتباع، بل حتى في اتباعيتها كانت مجددة:"فهم رجال ونحن رجال"!
وكما ينتصر العروي للمؤرخ على الفيلسوف، يدافع عن المؤرخ ضد الفقيه، متهما الفقيه بالتدليس وخدمة السلطة والاحتماء بكلام الله لسرقة حقوق البشر، ويرى أن دور المؤرخ يقوم على فضح حيل الفقيه، وبلغة أخرى على تجاوز النص إلى الواقع، فكرة درج العروي على ترديدها في العديد من كتبه، كما لو أن النص ليس جزءا من الواقع وصدى له. إن استعمال العروي لكلمة "السنة": إيديولوجي، فهي في نظره رؤية إلى العالم، تؤبد القديم وترفض التجديد، وواجب الفكر التاريخاني إنقاذ العلم والسياسة منها. قد نفهم دفاع العروي عن العلم ضد السنة، لكن من ننقذ ممن: السنة من عبث السياسة أم السياسة من السنة؟

إن الثيولوجيا التاريخية التي تسكن فكر العروي، لن تستطيع أكثر من استبدال جثة بجثة أخرى على حد تعبير سيوران في نقده للأنوار التي ثارت على الله لتسقط في الذات. إنها نوع من النوستالجيا اللاتاريخانية إلى زمن انقضى زمنه ورؤية إلى العالم انفض عنها العالم.

رشيد بوطيب
قنطرة 2008

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.