متظاهرات: احتجاجاً على اغتصاب رجال الأمن لإحدى الفتيات في تونس. الصورة: دويتشه فيله
كتاب ''المرأة العربية الجديدة'' للكاتبة الألمانية غابي كراتوخفيل

هل ستلتهم ثورات الربيع العربي حقوق المرأة العربية؟

للربيع العربي وجهه الأنثوي؛ هذا ما يتناوله كتاب المؤلّفة الألمانية غابي كراتوخفيل، الذي يسلط الضوء على معلومات شخصية وشيّقة عن 26 اِمرأة عربية من 17 بلداً عربياً، يحكين فيه كيف استطعن مواجهة عقلية التمييز الاجتماعي والقانوني في بلدانهن، وكيف نجحن - رغم كافة العقبات - في تحقيق أحلامهن؛ كما يتناول الكتاب الحضور النسائيّ القوي في شوارع مصر وتونس وليبيا؛ مارتينا صابرا قرأت الكتاب، وتحدثت مع مؤلّفته غابي كراتوخفيل.

حين دخل أحد الزبائن معرضاً شهيراً للسيارات في دبي، بغرض تسليم سيارته إلى ورشة المعرِض لصيانتها: كانت في انتظاره مفاجأة. فالشخص العامل الذي خرج من تحت منصة رفْع السيارات، بيديه الملطختين بالزيت حاملاً كشافاً ضوئياً، لم يكن يرتدي بدلة العمل الزرقاء، التي يُعرَف بها الميكانيكيون، بل كان رأسه ملفوفاً بمنديل، ويرتدي عباءة سوداء طويلة كالتي ترتديها النساء في دول الخليج. كما أنه لم يكن رجلاً، بل كان امرأة.

كانت مريم درويش، وهي أم لأربعة أولاد بالغين، مهووسة بالسيارات منذ نعومة أظافرها. كانت تحلم بأن تعمل كمكيانيكية سيارات، غير أنها أُجبرت على الزواج في سنة الثانية عشرة. وفي عمر الثالثة عشرة رُزِقَت بطلفها الأول. وحين كَبُرَ أطفالها تمسَّك زوج مريم بمنع زوجته من العمل.

​​لكن مريم درويش كانت مصممة على السير في طريقها، كما تقول مؤلّفة الكتاب غابي كراتوخفيل. "لقد قامت بتطليق نفسها بنفسها، وهو أمر أصبح مسموحاً به للنساء في الإمارات العربية المتحدة منذ عام 2005، وبعد الطلاق أمسكت بزمام المبادرة. وتقدّمت مريم درويش لدى شركة "الفطيم موتورز"، أحد أكبر معارض السيارات في دبي، بطلب للعمل. وهناك، اقتنع المسؤولون بمهاراتها وبحماستها للسيارات، وهكذا تم توظيفها".

نساء عربيات خارقات

مريم، التي تعلمت ميكانيكا السيارات، هي إحدى النساء العربيات الست والعشرين الناجحات مهنياً، اللاتي قابلَتْهُنّ غابي كراتوخفيل، وحاوَرتْهُن قبل أن تكتب كتابها عن سِيَر حياتهن. كراتوخفيل، التي نالت درجة الدكتواره في العلوم الإسلامية وتعمل منذ عشر سنوات كمدرِّبة في مجال مهارات التواصل بين المجتمعات والثقافات المختلفة، معجبة للغاية بالنساء العربيات القويات، وذلك منذ أن كانت طالبة شابة تدرُس اللغة العربية في مصر.

وتقول كراتوخفيل متذكِّرة: "سكنتُ طوال عام لدى عائلة مصرية في القاهرة. وقد أذهلتني للغاية كيفية تربية الأم، "طانط" رئيفة، لأولادها الخمسة. لقد كانت امرأة قوية من كل النواحي وبكل معنى الكلمة".

وفيما بعد، وبحكم عضويتها الفاعلة في غرفة التجارة العربية الألمانية "Ghorfa"، قابلت غابي كراتوخفيل مراراً سيدات أعمال ناجحات من العالم العربي؛ على سبيل المثال: مها الغنيم، التي تعمل في مجال الاستثمار المصرفي وتدير في الكويت صناديق تستثمر المليارات؛ والاقتصاديّة دينا الفارس، من المملكة العربية السعودية التي تخرجت في جامعة أوكسفورد. إذ لم تؤسِّس دينا الفارس أول مزرعة للأسماك في السعودية فحسب، كما لم تنجح في تصدير الكفيار فقط، بل تمكَّنت أيضاً في ربيع 2011 من انتزاع حق النساء في توقيع العقود بأنفسهن- من دون تدخُّل الرجال.

غابي كراتوخفيل ترى أن كل هذا لا يتّفِق مع الصورة النمطية الشائعة عن المرأة العربية بأنها مقموعة، وتقول: "بكتابي أردت بكل بساطة إتاحة منبر لهؤلاء النساء كي يُعَبّرْن عن أنفسهن. كان هدفي هو تسليط مزيد من الضوء على سِيَر حياة هؤلاء النساء، وهي سِيَر شيقة ومشجعة، والأسئلة التي شغلتني هي: كيف كان طريقهن إلى النجاح؟ أين كانت تكمن الصعوبات؟ وكيف تغلبن عليها؟"

في العالم العربي لا يزال وضع استقلالية المرأة وتحرُّرها متردّياً بالمقارنة مع بقية العالم. رغم ذلك فإن النساء، اللاتي تعرض غابي كراتوخفيل سِيَرَهن في كتابها، نجحن في التغلب على الصعوبات؛ وهو ما يرجع إلى مجموعة متكاملة من العوامل المختلفة: إذ كانت قوة الشخصية، في كل الحالات، أحد العوامل؛ وكان يقف خلف نجاح الابنة، أحياناً، أب ليبرالي أو أم ليبرالية؛ وكانت هناك، في حالات قليلة، عائلات ذات نفوذ قوي قامت بدعم بناتهنّ.

طالبات كلية دار الحكمة في جدة، د ب أ
انطلاقة للمرأة السعودية في الحياة المهنية: كُليّة دار الحكمة للبنات في جدة تتيح، منذ مايو/ أيار 2011، للطالبات الدارسات للحقوق والقانون فرصة الالتحاق بممارسة مهنة المحاماة، لأول مرة في المملكة العربية السعودية.

​​

صورة جديدة تقدمها المرأة العربية عن نفسها

لكن غابي كراتوخفيل تعرِض في كتابها أيضاً سِيَر نساء عربيات تمكَنَّ من شق طريقهن المهني دون أية مساندة من الوالدين أو العائلة. وبالنسبة لهؤلاء النساء كان هناك عامل آخر هو الحاسم، ألا وهو: التعليم. كما وبرغم التمييز الاجتماعي والقانوني الذي يعانين منه، أصبح عدد البنات اللاتي يذهبن حالياً إلى المدرسة أكبر من أي وقت مضى. وأضحى عدد البنات والنساء، في المدارس الثانوية لبعض الدول العربية وفي جامعاتها، يتساوى مع عدد الصبيان والرجال، بل ويفوقه أحياناً.

ولا تريد هؤلاء النساء العربيات، المتعلمات تعليماً جيداً، الاقتصار على الزواج والإنجاب فحسب، بل خوض مضمار العمل أيضاً، وكسب العيش بأنفسهن، وقول كلمتهن في المجتمع. ولم يعُد الزوج بالنسبة لهن هو العائل فحسب، بل إنه الشريك أيضاً. وهذا كذلك هو أحد دواعي انخفاض عدد المواليد في الكثير من بلدان العالم العربي؛ ولهذا كانت كان حضور النساء كثيفاً فيما يسمى بالربيع العربي في مطلع عام 2011.

لكنّ وفي غَمْرة التحمس لهذا التغير الاجتماعي ولهذا الوعي الجديد للمرأة العربية تبرز بعض الشكوك. فبعد انقضاء حوالي عام ونصف على الثورات وصلت الأحزاب الإسلامية في تونس ومصر إلى الحكم، وما لبثت أن أعلنت عن إرادتها في الرجوع، حتى عن التغييرات القانونية الضئيلة التي كانت أُقِرت لصالح المرأة من قبل، كما صرَّحت هذا الأحزاب برغبتها في اعتماد تقسيم تقليدي للأدوار وبشكل دستوريّ: فالرجل يعمل ليعول العائلة، والمرأة تطيع. وبات هذا الجدل يتسم بالحدة، وخصوصاً في تونس.

عِلماً بأن تونس كانت البلد العربي الوحيد الذي أعلن المساواة بين الرجل والمرأة رسمياً في عام 1956: حين تمَّ منع تعدد الزوجات، وأصبح للمرأة الحق في تطليق نفسها بنفسها، تماماً كالرجل. والآن يريد حزب "حركة النهضة" الإسلامي الحاكم إلغاء مادة المساواة بين الجنسين في الدستور الجديد.

تونسيات يطالبن بضمان حقوق المرأة في الدستور التونسي.دويتشه فيله
تونسيات يطالبن بضمان حقوق المرأة في الدستور التونسي.

​​

ربيع عربي مناهض لحقوق المرأة؟

غير أن تونسيات كثيرات لا يُرِدْنَ القبول بذلك. وإحدى هؤلاء النساء تقول كلمتها في كتاب غابي كراتوخفيل، وهي المحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان بشرى بلحاج حميدة، التي ترأّست لعدة سنوات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات (ATFD) ، وهي جمعية تتبنى الدفاع عن حقوق المرأة. وفي الكتاب تعرب بشرى بلحاج حميدة عن قلقها البالغ بخصوص التحوُّل المعادي للنساء بعد الربيع العربي في تونس.

لكن هذه المحامية تؤكد أيضاً على ضرورة النقاش الاجتماعي الجاري الآن. "إن الوضع الليبرالي نسبياً للمرأة في تونس لم يكن نتيجة تفاعُل اجتماعي، بل كان إملاءً من الأعلى"، كما تقول غابي كراتوخفيل. ومن السهل أن يفقد المرء حقوقاً لم تُنتزع عبر الكفاح، بل مُنحت له منحاً.

من جانب آخر، يهاجم الإسلاميون المتطرفون في تونس النساء العاملات لأنهن غير محجبات، في حين لا يفعل الإسلاميون الممسكون بزمام الحكم شيئاً حيال ذلك ولا يعلّقون بمجرد كلمة واحدة حول الموضوع. وفي مصر، نجد النساء الإسلاميات المتنقبات بالأسود يقمن بدعاية تلفزيونية عارمة للمطالبة بفرض النقاب الكامل على النساء، بينما يطالب نواب في البرلمان – ومنهم نائبات - بإعادة تطبيق قوانين معادية للغاية للمرأة.

فهل تَلْتَهِم الثورات العربية بناتها؟ ليس هذا مستبعداً. غير أن الصراع حول مستقبل المجتمع في تونس ومصر وليبيا ما زال في بدايته. وكتاب غابي كراتوخفيل – الذي يُلقِي أيضاً نظرة على دول الخليج وعلى البلاد العربية غير الثورية - يُظهر أن العالم العربي يتغير، وأن النساء هن اللاتي يحددن سرعة التغيير.

مارتينا صبرا
ترجمة: صفية مسعود
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2012

صدَرَ كتاب "المرأة العربية الجديدة" للمؤلفة غابي كراتوخفيل في شهر أغسطس/ آب 2012 لدى دار النشر "أوريل فوسلي" orell.füssli في زيورخ، ويحتوي الكتاب على 271 صفحة.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل ستلتهم ثورات الربيع العربي حقوق المرأة العربية؟

“إن في روايات "أجاثا كريستي" أكثر من 60 جريمة، وفي روايات كاتبات أخريات أكثر من هذا العدد من القتلى، ولم يرفع أي مرة قارئ صوته ليحاكمهن على كل تلك الجرائم، أو يطالب بسجنهن. ويكفي كاتبة أن تكتب قصة حب واحدة، لتتجه كل أصابع الاتهام نحوها، وليجد أكثر من محقق جنائي أكثر من دليل على أنها قصتها. أعتقد أنه لا بد للنقـاد من أن يحسموا يوما هذه القضية نهائيا ، فإما أن يعترفوا أن للمرأة خيالا يفوق خيال الرجل، وإما أن يحاكمونا جميعا

لونا لامياء 14.11.2012 | 17:46 Uhr