​​تعرض أنغليكا هارتمان أستاذة الدراسات الاسلامية في إصدارها الأخير بالتعاون مع مجموعة من الباحثين الألمان و باحث تونسي الكيفية التي يتعامل بها المفكرون المسلمون مع تاريخهم في ضوء أوضاع الهيمنة الغربية. فولفغانغ.غ. شفانيتس يقدم قراءة للكتاب.
كتاب "التاريخ والذاكرة في الإسلام"

من يصنع الذاكرة...وكيف يتعامل المفكرون المسلمون مع تاريخهم؟

تعرض أنغليكا هارتمان أستاذة الدراسات الاسلامية في إصدارها الأخير بالتعاون مع مجموعة من الباحثين الألمان و باحث تونسي الكيفية التي يتعامل بها المفكرون المسلمون مع تاريخهم في ضوء أوضاع الهيمنة الغربية. فولفغانغ.غ. شفانيتس يقدم قراءة للكتاب.

يقدم هذا المجلد المتنوع للقارئ الغربي شخصية باربور الذي أسس خلال العصر الوسيط الإمبراطورية المغولية الإسلامية على أرض الهند. إختارت أنغليكا هارتمان أستاذة الدراسات الاسلامية والمشرفة على إصدار الكتاب صورة الغلاف الجميلة بذوق رفيع. في ما مضى كان على العالم الغربي أن يتعلم الكثير من المشرق. وإذا ما كانت بلاد الإسلام آنذاك قد ودّعت للتو حقبة عصرها الذهبي فإن الكفة ما زالت مع ذلك راجحة لصالح المشرق مما جعل أوروبا تستجدي عبر علوم وفنون تلك البلاد دعامة لأسس تحررها من قيود العصور الوسطى. ثم انقلبت الأمور كليا. وقد اتضح ذلك في البداية من خلال الهزائم العسكرية. وعندما انتصر نابليون بونابرت بجيش قليل العدد على مماليك مصر معلنا من هناك في حدود سنة 1800 عن المنحى الجديد للأوضاع العالمية، بدأ الجدال حول أسباب الاختلافات الحضارية.

من يصنع الذاكرة؟

يطرح هذا الكتاب الكيفية التي يتعامل بها المفكرون المسلمون مع تاريخهم في ضوء أوضاع الهيمنة الغربية. من يصنع الذاكرة؟ لمن؟ وبأية طريقة؟ وما الغاية؟ ذلك ما عبّر عنه أكاديميون ألمان وأكاديمي تونسي في ندوة بجامعة يوستوس ليبيك بمدينة غيسن. وتشمل المداخلات المقدمة فترة زمنية واسعة تمتد من ذكرى العصر الذهبي للإسلام، مرورا بإلغاء الخلافة العثمانية من طرف زعيم الإصلاح التركي مصطفى كمال(أتاتورك) سنة 1922، وانتهاء باستعمال الإنترنت حاليا في تونس. تقدم هارتمان لمحات شاملة تستعرض مجمل الجدال الإسلامي حول المسار الذي اتخذه التاريخ. وتركز اهتمامها على نقطتين أساسيتين. تفيد الأولى بأن مفاهيم التذكر والتاريخ قد طبعت بتأثيرات السياسة الثقافية القمعية ووحيدة المصدر داخل الفضاء الإسلامي. وحتى بعد حصول تلك البلدان على استقلالها السياسي فإنها ظلت بعيدة كل البعد عن حرية التعبير والرأي وعن الليبرالية الحقيقية، تقول الخبيرة المختصة.

خريطة الدولة العباسية في اقصى اتساعها
هذا الكتاب الذي قامت بإنجازه أنغليكا هارتمان حول التاريخ والذاكرة في الإسلام يقدم حشدا من المقترحات الجديدة التي تعطي دفعا للبحث عن الهوية من جميع الجوانب.

الجهل بالتاريخ

أما النقطة الثانية فمفادها أن بعض الأكاديميين المسلمين يرون سبب "التخلف الحضاري" في الجهل بالتاريخ الخاص وعدم الاستعداد للانفتاح على التطورات المستجدة. الكاتب المغربي الطاهر بن جلون يتكلم عن "تخلف شديد عن التاريخ". ومن جهة أخرى يمكن، إذا نظرنا الى النبي محمد والخلفاء الأربعة الحديث عن "هوس بالتاريخ" حسب هارتمان. إلا أنها تتدارك بأن عددا قليلا فقط من المثقفين والمصلحين المسلمين يمارسون نقدا ذاتيا منظما في ما يخص مسألة الوعي التاريخي. لكنها لا تتوانى كذلك في نقد الغرب.

الوجه المزدوج للحداثة

ذلك أن الوجه المزدوج للحداثة لا يتمثل فقط في دعم حقوق الإنسان والحقوق الفردية والديمقراطية في بلاد المشرق، بل هناك أيضا ممارسات العنصرية واضطهاد الأقليات والتعدي على الكرامة الإنسانية. إن هذه الازدواجية بالذات-كما يمكن أن نلخص أطروحتها الأساسية- هي التي تكوّن النواة التي تتأسس عليها الذاكرة المشتركة، وكذلك نواة مسارات التذكر الفردي المتعددة لدى الناس في الشرق الأدنى والأوسط. ولا تقل آراء عدد آخر من المؤلفين أهمية وإثارة عن هذا الطرح. غيرت هندرش من جامعة دارمشتادت يعتبر أن التاريخ الحديث يمثل بالنسبة للعرب "تاريخ القرار الأجنبي وتاريخ الشعور بالعجز وبذلك استحالة القدرة على وضع التاريخ الخاص داخل علاقة تفاعل عقلاني مع التطورات الواقعية للحداثة."

اللاتكافؤ يمكن للقارئ أن يعترض هنا بأن هناك بالتأكيد علاقة لاتكافؤ قد نشأت منذ البداية بين الغرب والإسلام، لكن ألم يمارس الحكام المسلمون وطبقاتهم المهيمنة سلطتهم هم أيضا واستفادوا من هذه العلاقات؟ ألم يقوموا بتجاربهم على غرار القيادات العثمانية واتبعوا سياسات نشطة؟ ليتذكر المرء فقط هذا التصريح المفرط في الوثوق بالنفس الذي جاء على لسان أتاتورك في خطاب الإعلان عن إلغاء نظام الخلافة، والذي تناولته بياتريس هندرش بالتحليل هنا: "توجد داخل هذا العالم البشري أمة تركية عظيمة تضم ما يزيد عن المائة مليون نسمة. هذه الأمة لها تاريخ عميق يتناسب و توسعها على امتداد أرض المعمورة." يالها من جملة جريئة تنطبق في نهاية التحليل على مجمل الشعوب الإسلامية!

الإنترنيت كمؤسسة عائلية

أما هينّر كيرشنر فيشرح كيفية استخدام الأنترنت في تونس كمؤسسة عائلية. ذلك أن الوكلاء (بروفايدر) المحليين يشتغلون مثل مصفاة دقيقة، و يعمدون بواسطة برامج تنقية إلى حبس الصفحات الخاصة بقناة السي آن آن مثلا ومنظمة العفو الدولية وبعض التنظيمات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة. ومع ذلك تنحسر سلطة الحكومات المطلقة عن مفاهيم مثل الماضي والتاريخ والمستقبل. هذا الكتاب الذي قامت بإنجازه أنغليكا هارتمان حول التاريخ والذاكرة في الإسلام يقدم حشدا من المقترحات الجديدة التي تعطي دفعا للبحث عن الهوية من جميع الجوانب.

فولفغانغ غ. شفانيتس

ترجمة علي مصباح

حقوق الطبع قنطرة 2005

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.