المفكر التونسي محمد الطالبي، الصورة: بأيتا شتاوفر
كتاب محمد الطالبي: "أفكار مسلم معاصر"

على خطى نولدكه.....نحو رؤى إسلامية تنويرية

عن دار الفينيق المغربية صدر باللغة الفرنسية كتاب المفكر التونسي المشهور محمد الطالبي :"أفكار مسلم معاصر". وهو كتاب يتناول القضايا الملحة التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم سواء تلك المتعلقة بالاجتهاد والتأويل أم بالعلمانية أم بالتطرف والانفتاح على الآخر. رشيد بوطيب يعرض أهم محاور الكتاب.

المفكر التونسي محمد الطالبي، الصورة: بأيتا شتاوفر
" ليس الدين هوية ولا ثقافة ولا أمة. إنه علاقة شخصية بالله"

​​ لا يعد محمد الطالبي، الذي يعتبر أحد مؤسسي الجامعة التونسية وأحد أنصار الفكر البورقيبي قبل أن يتحول نظام بورقيبة إلى ديكتاتورية فجة، أحد دعاة تجديد الفكر الإسلامي وحسب، بل هو أيضا من المنافحين الراديكاليين عن حرية التعبير وحرية الفكر في تونس. فبعد أن رفض نظام بن علي السماح له بتأسيس مجلة تؤسس لتأويل جديد للإسلام وبعد أن منعت الرقابة كتابه "عيال الله"، الصادر سنة 1992 والذي يضم بين دفتيه حوارات مع الطالبي تسلط الضوء على تأويلاته الدينية بخصوص قضايا اجتماعية مثل الإجهاض والتبني والإرث والعلاقة بين الدين والسياسة، تبين له أن عمله كباحث مرتبط صميميا بحياته في المدينة، وحرية شعبه وليس فقط عملا نظريا، لينضم إلى "المجلس الوطني للحريات في تونس" وهو مجلس غير معترف به رسميا، يدافع عن الحريات المدنية وينتقد ويعري أخطاء النظام الحاكم.

إن وضعية محمد طالبي لا تختلف عن وضعية مفكرين تونسيين كبار من أمثال هشام جعيط وعبد المجيد شرفي، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين من النظام من جهة ومن الأصولية من جهة أخرى، وهم الذين يدافعون عن أنوار إسلامية، تلخصها كلمات طالبي:"ليس الدين هوية ولا ثقافة ولا أمة. إنه علاقة شخصية بالله، طريق إليه. يمكننا أن نكون مسلمين بثقافة هولندية، فرنسية أو صينية".

أولوية الحرية

غلاف كتاب ليطمئن قلبي للمفكر الطالبي
يحاول الطالبي الإجابة عن تساؤلات تتعلق بكيفية الوصول إلى قراءة معاصرة للإسلام

​​ ويلخص عبد فيلالي الأنصاري، الذي قدم لكتاب محمد الطالبي مضمون الكتاب في السؤال: "كيف يمكننا أن نكون مسلمين اليوم؟" وهو سؤال يطرح قضية قراءة الأصول في ضوء العصر. هل علينا أن نستسلم لاجتهاد السلف أم أنه يتوجب علينا قراءة الأصول قراءة جديدة تتلاءم مع العصر؟ إنه لا ريب سؤال عن الحرية، فالطالبي يؤكد أن الإيمان الحقيقي ليس ما نرثه ولكن ما نختاره عن قناعة، ولا يمكن أن يكون للإيمان قيمة في غياب الحرية وسيطرة ثقافة الجبر.

ويحتذي الطالبي بريجيس بلاشير في قراءته للقرآن والذي اقتفى بدوره خطى المستشرق الألماني الكبير ثيودور نولدكه في كتابه "تاريخ القرآن" والذي أكد على فكرة أن كل ميراث ديني قديم عرف العديد من الإلحاقات والإضافات والتغييرات عبر الزمن وأن ذلك يستدعي ضرورة مراجعته من جديد. إنه يدعو لبناء مجتمع يحكمه الإقناع وليس الفرض. لأن كل مجتمع يحكمه الفرض، يحتقر الفرد وحريته ويضحي به لصالح القواعد، والفاشية خير دليل على ذلك.

"هم رجال ونحن رجال"

يقول الطالبي في الفصل الرابع من كتابه:" الله لا يتكلم فقط مع الأموات ولكن مع الأحياء أيضا. وإذا ما كان كلامه فعلا حيا كما يقول الحديث، فيتوجب علي أن أفهمه بعقليتي الراهنة وبالنظر إلى وضعيتي الحالية. إن هذه القراءة الدينامية هي ما أقترحه ضد قراءة جامدة ، متحجرة ومحافظة، تقتل كلام الله".

إن الطالبي يريد كما يقول أن يعيد الكلام إلى الله ويحرره من أولئك الذين يدعون امتلاك حقيقته. إن امتلاك الحقيقة هو نوع من الارهاب الفكري الذي يرفض التسامح ويبغي فرض وجهة نظره على الآخرين، ولهذا يدعو الطالبي إلى ضرورة قراءة النص الديني قراءة معاصرة تؤكد على حرية الإنسان في فهم هذا النص وفقا للعصر الذي يعيش فيه، واعتمادا على مناهج العصر وهو ما قام به المسلمون الأوائل الذين اعتمدوا على الثقافة الهيلينية في فهم النص القرآني، وما هي السكولائية؟ يتساءل الطالبي، إن لم تكن التوفيق بين الهيلينية والوحدانية.

​​ ويضرب الطالبي في موضع آخر مثلا بالعبودية، التي لا يحرمها القرآن، ويتساءل: "هل بإمكان أحدهم اليوم أن يدافع عن العبودية باسم القرآن؟" إنه سؤال محرج لأولئك الذين يقدسون ظاهر النص ويغفلون عن روحه. فالطالبي يؤكد بوضوح أولوية الواقع على النص، كما أكد من قبله المعتزلة أسبقية العقل على النقل. إن الشروط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي منطلق قراءة القرآن وليس التفاسير القديمة.

ولهذا السبب ينتقد الطالبي الإسلاموية ويعتبرها أداة سياسية في يد التوتاليتارية الثيولوجية، مؤكدا بأن القرآن ليس كتاب سياسة ولكنه كتاب دين، وأن الإسلام ولد علمانيا، لأنه لا وجود لكنيسة ولا لإكليروس بداخله. ولهذا فهو لا يرفض العلمانية إلا إذا تحولت إلى نزعة معادية للأديان، كما يرفض كل تلك الفتاوي الدينية التي تحكم بقتل "المرتد" عن الإسلام كتلك التي أطلقها محمد الغزالي مبرئا ساحة قتلة فرج فودة أو تلك التي أطلقها الخميني بحق سلمان رشدي، ويرى بأن "قتل المرتد" وسيلة بيد العلماء المحافظين لفرض رأيهم والتخلص من خصومهم، وهي بلغة أخرى وسيلة لتعطيل التفكير وتجريم الحق في الاختلاف. يقول الطالبي:"لقد خلق رجال الدين الوسيلة التي ستستعملها السلطة السياسية ضد خصومها".

رشيد بوطيب
قنطرة: 2008

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.