لاعبو كرة القدم المسلمون في ألمانيا والاندماج عبر الساحرة المستديرة

عندما يصلي نجم بايرن ميونيخ المسلم فرانك ريبري شكرا لله...

يرى البعض أن الإسلام في حد ذاته يشكل خطرا على القارة الأوروبية، بيد أن لاعب كرة القدم عندما يصلي فإن صلاته تعتبر شكرا لله. ولكن على الرغم من ذلك هل أضحت ملاعب كرة القدم جنة متعددة الثقافات ومساحة لتعزيز الاندماج والتسامح؟ عالم الاجتماع كلاوس ليغوي يقدم إجابة لهذا السؤال.

​​ يهتف مشجعو كرة القدم في ألمانيا وينادونه بـ"غاودي المسلم"، وفق ما سمّته مجلة فوكوس. فارتباط الإسلام بشيء من المرح والسرور قلّما يسمع به المرء في هذه البلاد، فالخوف من الإسلام يعتبر من ضروريات الحياة حتى أنها وصلت إلى حد الهستيريا في الأوساط المثقفة والغنية. ويُعتبر فرانك ريبري "غاودي"، أفضل لاعب في نادي بايرن ميونخ، ليس فقط بسبب الأهداف التي يسجلها وتوجيهه الكرة نحو الهدف بركلاته القصيرة السريعة وأفعاله الشيطانية في معسكر التدريب وفي التلفاز ولكن أيضا عندما يحطّم قوائم المرمى. وأصبح ريبري مسلما بعدما اعتنق الديانة التي تدين بها زوجته الجزائرية. وقبل البدء في اللعب يصلي بلال ريبري، الذي كان يُدعى قبل إسلامه فرانك. وعلى أرض الملعب لا يشرب إلا المياه المعدنية، وعلى صفحة الويب الخاصة به يظهر شعار "الثقة بالله دائما".

عندما يصلي ريبري

كيف يسمح ريبري لنفسه بذلك؟ حول هذا التصرف أجرت صحيفة "بيلد ستايتونج" في سبتمبر / أيلول عام 2007 حوارا بَين دينيا مع نجم نادي بايرن ميونخ، وسألته: "ماذا يدل اسمك الإسلامي 'بلال'؟ ورد قائلا: "لا بد أن أتصل بزوجتي... وأمسك هاتفه الجوال وتحدث برهة، ثم قال إنه اسم أول مؤذن نادى إلى الصلاة في عهد النبي".

زيدان وريبري، الصورة: ا.ب
الساحر زيدان...صحاب الكرة الذهبية إلى جانب ريبيري

​​ "هل تصلي أيضا في الكابينة؟" "لا، أصلي الصلاة التقليدية في البيت أو في الفندق قبل بدء اللعب. ثم أدعو الله على أرض الملعب". "ماذا تفعل في رمضان؟ هل تصوم؟" "هذه مسألة صعبة للاعب كرة قدم محترف. في السابق كانت الأمور أسهل من ذلك، أما اليوم فلا بد أن أراعي أوقات اللعب والتمرين. في مثل هذه المواقف لا يجوز لي الامتناع عن شرب سوائل. والآن في شهر سبتمبر/ أيلول سوف أصوم أيام العُطلة، أما أيام اللعب فلا". لكن إسلام ريبري (الـ"مهمل" في مظهره) لا يكاد يتردد على ألسنة الناس في ملاعب كرة القدم. أما في مدونات كرة القدم فهناك شائعات تقول بأنه تركي أو أُجبر على اعتناق الإسلام. ويتساءل المرء أيضا إذا كان يضرب زوجته أو يجبر بناته على لبس البرقع أو يمول مدارس القرآن. فمثل هذه الشتائم يتلقاها أي إمام في مسجد، ولكنها لا تصل إلى نجم كرة القدم الذي يسحر جمهوره، لدرجة أن بإمكانه أن يطلب مكانا للصلاة في استاد "أليانس أرينا".

الإسلام جزء لا يتجزء من كرة القدم في ألمانيا

لِمَ إذن لا يعترض أحد على اعتناق أحد نجوم كرة القدم ديانة غريبة كالإسلام، في حين أن المسلمين الآخرين تحوم حولهم الشبهات؟ لا بد أن يكون ذلك متعلق في المقام الأول بنظرة الإجلال والتقديس التي يحظى بها نجوم كرة القدم، بغض النظر عن الديانة التي يعتنقها. وثانيا، وهو الأهم، أن بلالا "يحرز نجاحا" على أرض الملعب.

ريبيري وعائلته، الصورة: د.ب.ا
"ماذا يعني اسمك الإسلامي 'بلال'؟ رد قائلا: "لا بد أن أتصل بزوجتي... وأمسك هاتفه الجوال وتحدث برهة، ثم قال إنه اسم أول مؤذن نادى إلى الصلاة في عهد النبي".

​​ وطالما أن الأمور تسير على ما يرام فهناك تقبل للرياضة الجماعية المتعددة الثقافات حتى في المجتمعات العنصرية، ويصبح من الأشياء الثانوية سواء كان تعددا ثقافيا أم دينيا، كما هو الحال في منتخب فرنسا لكرة القدم ونادي إنيرجي كوتبوس. فعند كليهما لا تلعب التبعية الدينية إلا دورا ثانويا، ومن يحرز هدفا أو يمهد له أو يمنع الخصم من إحراز هدف يُسمح له بالصلاة. وثالثا أن كرة القدم التي تقوم على مبدأ المنافسة، وعلى المرء أن يهزم خصمه بشرط ألا يلحق به ضررا. ولأن الكل مطالب بالسلوك الحسن فإن كرة القدم تعتبر عند "نوادي الأجانب"، مثل نادي "تركيا سبور برلين" ونادي "كوسفو لكرة القدم"، مجالا مهما للتواصل في المجتمع المتعدد الطبقات، فالكل يلعب في حين أنهم مع نظرائهم. وعلى "أرض الملعب" يُقضى على المتناقضات ويتم تهذيبها.

ملاعب كرة القدم ليست جنة متعددة الثقافات

ولا يتجاوز مستوى التمييز العنصري إلا "الجمهور" الذي يعلن عنصريته أو لا يهمه المباراة، فهؤلاء ينقلب عنفهم العدواني – الشيء الموجود أيضا في كرة القدم ولكنه خاضعا لأحكام الترويض - إلى ثورة إبادية علنية حتى أنها قد تصبح خطرا على "غاودي المسلم". ولا ننسى أي ملعب كرة قدم ليس جنة متعددة الثقافات، فالشتائم ذات الصبغة العنصرية والعداء ضد الأجانب من الأمور المألوفة، سواء على أرض الملعب أم على المدرجات وأماكن وقوف الجمهور المتفرج. ومع كل ذلك فتصرفات ريبري الدينية داخل فريق نادي بايرن ميونخ تشرح كيفية معالجة الصراعات البَيْن دينية بهدوء، على طريقة التعامل مع الكرة على أرض الملعب.

كما تبين أيضا أن المسلمين ليسوا مخلوقات غريبة، وأن الإسلام جزء لا يتجزء من كرة القدم في ألمانيا. ولَيتمنى المرء أن يتعلم جمهور ريبري شيئا من تسامحه تجاه أصحاب الديانات الأخرى ليمارسوها في حياتهم اليومية عندما يشاهدون مآذن أو نساء محجبات. فهنا أيضا يجب تهذيب المتناقضات والقضاء عليها.

كلاوس ليغوي

ترجمة: عبد اللطيف شعيب

حقوق الطبع: كولنر شتات-أنسايجر/ قنطرة 2009

كلاوس ليغوي، مواليد 1950، متخصص في علوم الاجتماع والسياسة ويدير معهد اسن لعلوم الحضارة ويهتم بالبحث في الصراعات الدينية داخل المجتمعات الغربية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.