الديمقراطية والمجتمع المدني في العالم الإسلامي

الربيع العربي يمهل ولا يهمل

لم تكد تمر ثلاث سنوات على النضال العربي من أجل سيادة الشعوب حتى بدأت وسائل الإعلام تتحدث عن تحول الربيع العربي إلى شتاء عربي. لكن إنغريد تورنر، الباحثة في تاريخ الشعوب بجامعة فيينا، ترى في تعليقها التالي لموقع قنطرة أن الربيع العربي يحتاج إلى الوقت ومازال في بدايته، وأن شبابه سينهضون عاجلًا أم آجلًا من جديد للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وحق تقرير المصير.

دفن الربيع العربي بات يروق لوسائل الإعلام الغربية، بما فيها صحف فكرية رصينة، باستحضارها "شتاءً عربياً" عبر تعليقات مثل: "لا فرصة للديمقراطية في مصر"، ومثل: "إنها تجربة أخفقت منذ فترة طويلة".

إلا أن العملية لا تزال جارية في سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن، ولا يزال هناك من يقاتل ومن يموت، وهناك من يتفاوض أيضًا، ولم يحسم الأمر بعد في أي بلدٍ من بلدان الثورات. لكن ما يصدر عن الأفواه الأوروبية له وقع الشماتة ولسان الحال: "لن تنجحوا على أية حال". لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا لا نمنحهم الوقت؟

ثمة مخاوف في أوروبا من قدوم المزيد من اللاجئين. بطبيعة الحال ستزداد أعدادهم، ولكنها لن تتناقص إلا إذا وجدوا في بلدانهم ظروفًا تجعل معيشتهم جديرةً بالحياة. وعلى المدى المتوسط لن يساعد على ذلك إلا مشاركة مجموع السكان في صنع القرار وتوزيع الثروة الوطنية.

يدور حديث عن فشل كل الفاعلين السياسيين. بالطبع ثمة فشل. لكنه فشل للجميع وفي كل أنحاء العالم. فالمتوقع من الأوساط الفكرية والثقافية دعم مشروع الديمقراطية الكبير في العالم العربي ومؤازرته معنوياً على الأقل بدلًا من مجرّد الابتسام بشماته على انتكاسات واردة في كل الأحوال.

أنصار الرئيس المعزول مرسي يرددون هتافات ضد الأمن والجيش، في القاهرة. photo: Reuters/Amr Abdallah Dalsh
الديمقراطية تحتاج إلى زمن طويل: دول الربيع العربي تحتاج إلى الوقت كي تؤسس مجتمعا مدنيا حرا وترسخ القانون بعد سنوات الحكام السلطويين الطويلة.

 الديمقراطية...سيرورة أبدية

يجري الآن التأكيد على معاداة جماعة الإخوان المسلمين للفكر. ولكن ما هي منزلة بعض الحمقى مقابل 1400 عامٍ من التاريخ الفكري العربي-الإسلامي؟ لم يُمنحوا فرصة التعلّم من الأخطاء. وحيثية ارتكاب الفريق السياسي للإخوان لأخطاء مهنية بالغة لا يعني حتمية فشل الديمقراطية في البلدان العربية أو الإسلامية، ولا يعني على الإطلاق أنَّ الإسلام من الأساس عاجز عن الديمقراطية. لا بدَّ من بذل الجهود حتى يعم الإدراك بأنَّ الديمقراطية ليست حدثًا يجري لمرة واحدة، إنما هي سيرورة دائمة تتطلّب الكدّ والعمل يوميًا، وتتطلب تفاوضًا متواصلاً حتى التوصُّل إلى تسويات.

 فالثورة الفرنسية بدءًا من عام 1789 تُعتبر عادةً أنها قد ساعدت على انطلاق الديمقراطية الأوروبية من خلال تنويرها الرائد الذي يملك جذوره في العصور القديمة. لكن سكان البلدان الغربية اضطروا للانتظار طويلًا حتى استطاعوا نيل حقوقهم العامة في المشاركة في العمليات السياسية، فقد تبعت الثورة ثورة مضادة وانقلابات رجعية وانتكاسات لا تُعد ولا تحصى، ناهيك عن حربين عالميتين ومعسكرات إبادة وجرائم إبادة جماعية.

أحرقت كنائس على النيل مرات عديدة في الأشهر الأخيرة، وجرى مهاجمة البنية التحتية وتخريبها وتدميرها. وفي أوروبا تمّ تحديد المذنبين بسرعة، وجرى إلصاق تدنيس الحرمات والجرائم بمجموعة منتشرة هنا تدعى "الإسلامويون". المتدينون كانوا الفاعلين بلا شك وبدون أي اعتبار لقرينة البراءة.

لوحة تعبيرية بعنوان (الحرية تقود الناس) بتاريخ 1830. source: DW Archive
"الثورة الفرنسية بدءًا من عام 1789 تُعتبر عادةً أنها قد ساعدت على انطلاق الديمقراطية الأوروبية من خلال تنويرها الرائد الذي يملك جذوره في العصور القديمة. لكن سكان البلدان الغربية اضطروا إلى الانتظار طويلًا حتى استطاعوا نيل حقوقهم العامة في المشاركة في العمليات السياسية، فقد تبعت الثورة ثورة مضادة وانقلابات رجعية وانتكاسات لا تُعد ولا تحصى ناهيك عن حربين عالميتين ومعسكرات إبادة وجرائم إبادة جماعية"، كما ترى الباحثة إنغريد تورنر.

 فرّقْ تسُدْ!

أما في القاهرة فثمة فرضيات أخرى أيضًا، فهناك شائعات مستمرة تقول بأنَّ العنف لا يثيره متطرفون بدوافع دينية (فقط)، بل أيضًا مجموعات من البلطجية مدفوعة من قبل الحكومة. هذا التقليد موجود منذ عهد مبارك، حيث يجري تكليف بعض الأنشطة الحسّاسة لجهات خارج النظام تتمثّل في رجال أقوياء مأجورين. هؤلاء الرجال الضليعون في الأعمال الحقيرة يتمتعون بخبرة خاصة بأعمال العنف الجنسي.

 ولطالما تم في السنوات الأخيرة رصد مثل هذه العصابات الإجرامية (البلطجية) لدى سقوط الكثير من الضحايا، في ميدان التحرير وفي ملعب كرة القدم في بورسعيد سنة 2011، ولدى اقتحام مخيم الاحتجاج في منتصف شهر آب/أغسطس في يوم جمعة الغضب الذي تلاه. من الضروري إيضاح ما إذا كان معظم عمليات تدمير الكنائس والمباني الحكومية والعنف ضد الأقباط من أعمال مثيري الشغب المأجورين – وبالتالي من أعمال الجهات الموكِّلة لهم. ونواياهم يمكن التنبؤ بها بسهولة، حيث أن أسلوب - Divide et impera – فرّق تَسُدْ قد أثبت نجاعته منذ العصور القديمة، وذلك من خلال محاولة التفريق بين مختلف مجموعات السكّان والإيقاع بينهم.

 تتضمن كتب التاريخ الكثير من هذه السيناريوهات. ومن المؤلم أنَّ البشر دائمًا كما يبدو لا يقبلون بالتفاوض باعتباره استراتيجية لحل النزاعات، إلا عندما لا يؤدي إطلاق النار إلى نتيجة مقبولة. يود المرء أن يأمل بألاّ تتكرّر الأحداث إلى ما لا نهاية مع سفك الكثير من الدماء. ولكن يبدو الآن وكأن مصر تعيش ذلك النوع من المراحل التي تأكل الثورة فيها أبناءها.

مصريون متجمعون عند كنيسة قبطية في القاهرة بتاريخ 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2013 بعد مقتل امرأة وإصابة آخرين برصاص رجل يركب دراجة نارية. photo: AP/Mohsen Nabil
"من الضروري إيضاح ما إذا كان معظم عمليات تدمير الكنائس والمباني الحكومية والعنف ضد الأقباط من أعمال مثيري الشغب المأجورين – وبالتالي من أعمال الجهات الموكِّلة لهم"، كما ترى الباحثة إنغريد تورنر.

النضال من أجل السيادة الشعبية

أين صارت في الواقع الآلاف التي ملأت ميدان التحرير في أوائل سنة 2011؟ بطريقة أو بأخرى اختفى كل أولئك الأشخاص عن الانظار ومن شوارع القاهرة ومن وسائل الإعلام ، اختفى الذين حملوا عبء الآمال الكثيرة والذين جرت تسميتهم بالليبراليين، فمنهم من انتقل إلى طرف آخر، ومنهم من توارى عائدًا إلى الحياة الخاصة.

 لكنهم عاجلًا أم آجلًا سوف ينهضون من الخفاء وسوف يدفعهم سخطهم للمطالبة مجددًا بالخبز وبالمشاركة في تقرير المصير، وهذا يعني السيادة الشعبية، فهي وحدها تشكل ضمان المشاركة السياسية والاقتصادية للجميع.

 لم تنشأ ديمقراطيات مستقرة في كثير من الدول الغربية إلا بعد سنة 1945. أي بعد قرن ونصف القرن على اندلاع الثورة الفرنسية، وما زالت هناك ضرورة لجهود يومية، وما زالت الشعبوية والمصالح الجزئية والجماعات اليمينية المتطرفة تهدد إنجازات المشاركة ودولة الرفاه الاجتماعي وحقوق الإنسان.

 بطبيعة الحال ربما تكون التطورات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط مختلفة تمامًا زمنيًا وبنيويًا ويكون مسارها مختلفًا عن السيرورات المعروفة حتى الآن للديمقراطية. إلا أنَّ النضال العربي من أجل السيادة الشعبية لم يبلغ من العمر ثلاث سنوات بعد. انطلقت الشرارة في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2010 عندما قام بائع الخضار محمد بوعزيزي بإضرام النار في نفسه، وأشعل الثورات العربية. وأصبح بوعزيزي مباشرة بطلًا تجاوز الحدود، بحيث صار حتى كل تلميذ عربي يعرف اسمه.

 الربيع العربي يحتاج إلى الوقت.

 

 

إنغريد تورنر

ترجمة: يوسف حجازي

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2013

 

إنغريد تورنر، أخصائية في علم الشعوب، ومحاضرة في معهد الثقافة والأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة فيينا وعضو مبادرة الرصد الإعلامي المشارك www.univie.ac.at/tmb 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الربيع العربي يمهل ولا يهمل

„‎هذا مانريد الكثير ان يفهمه ولكن الاذان لاتريد ان تصغي...مقال في غاية الرصانة والعمق ...اعجبني جدا التحليل والعودة الى الوراء للاستشهاد.

هاجر معروفي 28.12.2013 | 14:09 Uhr

هذا المقال يعنى ضمنيا ان مرسى كان على حق جاء عن طريق انتخابات حره نزيهه ولم تذق مصر طعم الحريه كما شهدت فى عهده ولكنك لو قلت ذلك فى مصر الان فانت مدان بتهمه الارهاب اتفق مع الكاتبه على ان الوقت لا يزال مبكرا بالمقارنه مع الثوره الفرنسيه او حتى الولايات المتحده التى حدثت فيها حرب اهليه طاحنه استمرت سنوات ويعجبنى تحليلها الواقعى بان ما يحدث فى مصر الان لا يمت للديمقراطيه بصله رغم الابواق الناعقه كل يوم بانها ستكون انتخابات حره نزيهه لا شك ان الجيش يقوم بدور الوصى على البلاد ناهيك عن المنافع الاقتصاديه

هيثم شاكر27.03.2014 | 14:14 Uhr

هذا المقال يعنى ضمنيا ان مرسى كان على حق جاء عن طريق انتخابات حره نزيهه ولم تذق مصر طعم الحريه كما شهدت فى عهده ولكنك لو قلت ذلك فى مصر الان فانت مدان بتهمه الارهاب اتفق مع الكاتبه على ان الوقت لا يزال مبكرا بالمقارنه مع الثوره الفرنسيه او حتى الولايات المتحده التى حدثت فيها حرب اهليه طاحنه استمرت سنوات ويعجبنى تحليلها الواقعى بان ما يحدث فى مصر الان لا يمت للديمقراطيه بصله رغم الابواق الناعقه كل يوم بانها ستكون انتخابات حره نزيهه لا شك ان الجيش يقوم بدور الوصى على البلاد ناهيك عن المنافع الاقتصاديه

هيثم شاكر27.03.2014 | 14:14 Uhr

لابد من اعلام الحرب على السيسي الجائن. فكيف دخل الجيش المصرى اذا فانها مومرة كبري اشرف على تنفييذها السيسي ونفذها؟

محمد عافية29.05.2014 | 13:12 Uhr

القاتل عبدالفتاح اليسيسي ومحمد ابراهيم اعداء الاسلام فعلى مصر الحرب على عبدالفتاح السيسي ومحمد ابراهيم وكل من معهما وساندهما ولابد من فك اسر الدكتور المؤمن محمد محمد مرسى عيسى العياط وكل من معة فى كافة السجون المصرية فاالنصر للاسلام.

محمد عافية29.05.2014 | 13:21 Uhr

نعم اخا الاسلام اللة يمهل ولايهمل فكل شيء عندة بمقدار

محمد عافية29.05.2014 | 13:30 Uhr

ينتاب طغاة الشرق العربى حالة فرح مشوب بمغص الرعب, فرح من انهم بالمال المدنس والاستخبارات الحقيرة والمطايا قد استعادوا السيطرة على الشعوب والاوطان ومقدراتها وثرواتها,ورعب لمعرفتهم الاكيدة ان فكر الحرية والانعتاق من رجس الاستبداد والطغيان والفساد قد تملك حتى افئدة الخدج فى بطون امهاتهم وان ملايين الشهب الشابة قد ودعوا الخوف والاستكانة الى غير رجعة . الثورات التغييرية الجذرية ليست فعلا واحدا ثم بيان رقم واحد وهتاف للزعيم الضرورة. لقد تعلم شباب هذة الامة الدرس وباتوا اليوم اكثر وعيا وتصميما وارادة. هذة الملايين الشابة التى كانت دينمو الخروج الملايينى منخرطة اليوم فى درس وتقييم الحدث ودروسة وبناء طاقات النهوض وامتلاك مشروع الثورة والتغيير والعمل مع المواطنين للتنوير. هذا لايريد ثورة سطحية تستبد ل منظومة حكم بأخرى بل تغيير كل العلاقات والمفاهيم والثقافة التى تعيد انتاج الاستبداد وغرس البديل الثورى التقدمى الانسانى التحررى...شباب الامة يراكم الاعداد الناضج للتغيير الشامل وعلى استعداد لان يدفع ثمن ذلك

محسن محمد اسماعيل06.06.2014 | 17:45 Uhr

تصحيح للعلم الربيع العربي لم يبدأ من تونس بل بدأ في عام 2007م. من عدن عاصمة دولة الجنوب. حين خرج شعبها يناضل.بطريق سلمية من أجل استعادة دولته من الاحتلال اليمني. المتشرعن با سم وحدة فاشلة تمت بين نظامين دكتاتوريين. والذي لم. يكون الشعب الجنوبي طرفا. فيها

Anonymous06.06.2014 | 22:54 Uhr

تصحيح للعلم الربيع العربي لم يبدأ من تونس بل بدأ في عام 2007م. من عدن عاصمة دولة الجنوب. حين خرج شعبها يناضل.بطريق سلمية من أجل استعادة دولته من الاحتلال اليمني. المتشرعن با سم وحدة فاشلة تمت بين نظامين دكتاتوريين. والذي لم. يكون الشعب الجنوبي طرفا. فيها

Anonymous06.06.2014 | 22:56 Uhr

رومانسية مملة من الآمال المعلقة وعنتريات من اللا بد التي لا بد انها لن تجد طريقها.. المقال يدل على ان الكاتب ليس خبيرا بما فيه الكفاية بالشأن العربي والاسلامي، فالانحياز المفرط الى الديمقراطية يعمي المستشرقين عن رؤية الحقيقة. ان لم تحصل عملية تحول اجتماعي وتوزيع سوي للثروات، لن نرى اي تحول سياسي. وتاكيدا على كلام الكاتب، لم تنطلق الديمقراطية في اوروبا الا بعد الثورة الفرنسية، اي بعد ابتعاد الاوروبيين عن الدين. فربما الدين والديمقراطية لا يلتقيان، فلماذا يتم الحديث عن ديمقراطية اسلامية. ان كانت اوروبا بهذه الانسانية وتهتم فعلا بعملية تحول ايجابية في العالم العربي فلتسع إلى عملية توزيع سوي للثروات في العالم العربي ولتقطع علاقاتها مع انظمة ملكية استبدادية وشمولية تتملك بالمال والعباد، ولتبادر للجمع بين الاطراف. ولتوقف حروب الوكالة عنها من اجل الغاز ولا شيئ سوى الغاز.

يوسف غانم13.12.2014 | 09:24 Uhr

الصفحات