لوحة انتظار، " ، الصورة هاني زعرب
الفن الفلسطيني المعاصر:

إبداعات فنية بإسقاطات سياسية

استطاعت الأعمال الفنية الفلسطينية أن تصل إلى صالات المعارض في كافة أنحاء العالم منذ وقت طويل. إلا أن هذا الفن يفتقر للقوة اللازمة لطرح أفكار ٍ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ بديلةٍ كما يرى كيرستن كنيب في هذه المقالة التي تقارب الفن الفلسطيني المعاصر.

​​ ها هو يستلق هناك متمددًا عاقدًا يداه خلف رأسه، باسطـًا إحدى ساقيه قليلا ً ثانيًا الأخرى. نعم هكذا يستلقي المرء عندما يكون مرتاح البال، في فصل الصيف الدافئ بالذات، عندما يريد التمتـُّع بأشعة الشمس.

لكنْ للأسف المتعة مستحيلة ٌ في هذه البيئة، فالرجل مستلق ٍ على حافة هاويةٍ سحيقةٍ من شأنها أنْ تكون حافة منضدةٍ مهولةٍ منحوتةٍ من خشبٍ صلب. لا مجال هنا للشعور بالراحة، وذلك أيضًا بالنظر للجدارين على الجانب الأيسر في الخلفية. جداران يرتفعان سامقين ومتراصين، أحدهما أسود اللون والآخر رماديّ.

إذاً، لماذا يرقد ذاك الرجل هنا؟ من غير المرجّح أن تكون غايته الاسترخاء. قد يكون عاجزًا عن الخروج، وهو حبيس المكان، ومنهك القوى بعدما حاول تخطـّي الجدارين بلا جدوى. هل يعكس العمل حالة سجين؟

انتظار في الضفة الغربية

"انتظار" هو عنوان هذه اللوحة للفنان الفلسطيني هاني زعرب المولود عام 1976 في رفح في قطاع غزّة. ثمة رجاءٌ بقدوم من يُخلـِّص المُنتظِر. لكن هذا المُنتظـَر لا يأتي. الزمن يمضي ومعه يتخثـَّر معنى الحياة الغائب والمرجو بإلحاح. حالة ٌ كهذه تترك المجال لتفسيرها بطرق ٍ عديدة: إما بشكل ٍ إنسانيٍ عامٍ وطِبقـًا لتقاليد الفلسفة الوجودية، أو أيضًا بشكل ٍ سياسي. وعندما يرسم فنانٌ فلسطينيٌ مشهدًا من هذا الطراز، فلا يبعد إرجاعه وربطه بالوضع في قطاع غزة والضفة الغربية.

لا بد للشخص المتمدد من أن يُذكـِّر بأولئك الرجال العاطلين عن العمل الذين يراهم المُشاهد الغربي كثيرًا في التلفاز. حيث يجلسون في المقاهي في أغلب الأحيان، يتسامرون ويلعبون الورق أو الشطرنج، ويحاولون قتل الوقت بطريقة أو بأخرى. هل هذا تعليقٌ فنيٌ على الوضع المتأزِّم في مناطق السلطة الفلسطينية، حيث لا يجري الوقت بالنسبة للكثيرين سوى ببطءٍ بائسٍ كما في لوحات الساعات الذائبة للرسام سلفادور دالي؟

الإنسان والقناع

​​ هاني زعرب الذي يعيش ويعمل اليوم في باريس، فنانٌ بارع ٌ يترك التفسير مفتوحًا على مصراعيه، كما هي الحال أيضًا في كل لوحاته الأخرى: طفل يقود سيارة لعبة أمام مساحةٍ رمادية اللون يمكن أن تكون جدارًا ما، ويمكنها أن تكون جدار الفصل ذاته.

"درس طيران" هو عنوان هذه اللوحة التي رُسمت في عام 2008 – الطفولة الجميلة تبدو غير ذلك. وكذلك البورتريهات التي أعيد طلاؤها والتي رُسمت في نفس العام ضمن سلسلة "ستاندباي" (حالة انتظار) يمكن تفسيرها سياسيًا: أناسٌ بلا وجوه، كما لو كانوا خلف قناع. أشخاصٌ بلا ملامح، شخصياتٌ بلا أية هوية فردية. هل الفلسطينيون كتلة يتلاعب بها الساسة؟ يمكن للمرء أن يفهم الأعمال على هذا النحو، لكن هذا لا يتعين عليه بالضرورة. الفن في صلب جوهره فن تعدد المعاني. وفن هاني زعرب يحتمل معاني متعددة، فهو لا يشير باتجاه فلسطين وحسب، بل أيضًا باتجاه الحداثة الغربية.

قد يذهب المرء للتفكير بلوحة "صرخة" شخص ٍ بلا ملامح لإدوارد مونش Edvard Munch ، أو بالشخصيات الممسوخة في أعمال ماكس بيكمان Max Beckmann، أو بالوجوه المشوّهة وربما بتعابير الوجوه المهيبة أيضًا لدى الفنان فرانسيس بيكون Francis Bacon. كلهم فنانون انفتحوا على الرعب والفظاعة بغض النظر عن مصدرها، أكان الأنا الذاتية المتصارعة مع الشياطين الداخلية، وربما الأنا التي ترزح تحت نير هذه الشياطين بلا حول ولا قوة، أو الآتية من الخارج، والناتجة عن ضغط سياسةٍ منفلتةٍ من عقالها. وضع الفن المُكرّس لمواضيع الرعب معاييرَ منذ فترةٍ طويلةٍ على أية حال، وصار فنـًا مُعَولمًا، تتجاوز جمالياته كل حدود، ويفهمه الجميع. وقد أصبح هناك متسعٌ لهذا الفن في فلسطين منذ فترة طويلة.

ما بعد الفن البطولي

الصورة ذه وول
"بينما تكاد يد الخالق ويد المخلوق تتلامس في أعمال فنان عصر النهضة الإيطالي، نرى أصابع الرب وآدم في رام الله تبعد أمتارًا عن بعضها البعض". ألعمال للفنان سليمان منصور.

​​ لكن من ناحيةٍ أخرى: هل ثمة إمكانية أخرى للتعبير؟ هل ما زال الفن السياسي الذي نشأ في السنوات السابقة مُقنعًا؟ الواضح أنَّ الأمر ليس كذلك. إنَّ الفن "الملتزم" كما قدَّمه الفنان عبد الحي مُسَلـَّم، الذي غدا مؤرخًا، وربما حتى سيد الطقوس الفنية في المقاومة الفلسطينية، قد استـُنفِذ إلى حد بعيد.

"الصمود" ملحمةٌ بطوليةٌ تعود لعام 1983، مهداةٌ للمقاتلين في عين الحلوة، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والذي اجتاحه الجيش الإسرائيلي في عام 1982. قلما يرى المرء اليوم في الفن الفلسطيني المعاصر صورًا بطولية ً من هذا الطراز.

كلا، في الفن الفلسطيني المعاصر يكاد لا يمكن العثور على نداءات الصمود التي استحالت فنـًا في السابق. ولا غرابة في ذلك، فعملية السلام مع إسرائيل في ركود، والضفة الغربية عاجزةٌ عن الوقوف أمام إسرائيل ومضطرةٌ للقبول بقضم جزءٍ كبير ٍ من أراضيها جراء ما يفترسه بناء المستوطنات الإسرائيلية منها. علاوة على ذلك هناك التشرذم الفلسطيني، والانقسام إلى معسكرين متعاديين بين حركتي فتح وحماس. خيبة الأمل منتشرةٌ في كل مكان وتنعكس أيضا على أعمال الفنانين الفلسطينيين، الذين يعنون بوضوح بتقديم فن ٍما بعد بطولي ويتمرّسون نظرا للوقت الرصاصي في هيئات مقتضبة.

وداع المناظر الطبيعية الحالمة

الصورة الفن الفلسطيني المعاصر
تداعيات لقاءات بائسة بالدبابات الإسرائيلية: "القيام بنزهة" للفنانة فيرا تماري.

​​ الفنان جاد سلمان من مواليد مدينة طولكرم 1983 يعيش اليوم في باريس، جعل لافتة تحذير إحدى حواجز التفتيش الإسرائيلية تضيء براقـّةً بألوان الباستيل، بشكلٍ يشبه مساحات اللون الرقيقة للمناظر الطبيعية الحالمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط كما رسمها من قبلٍ فنانون مثل أوغست ماك August Macke وباول كلي Paul Klee أو هنري ماتيس Henry Matisse – وسطٌ هادئٌ بأسلوب ساخر، يتصنّع بالألوان مشاهد جميلةً لم يعد لها وجودٌ بهذا الشكل في الضفة الغربية.

تحولت الطبيعة إلى مناطق إداريةٍ مُقَطـّعةٍ جرى تصميمها على طاولات السياسة. وثمة جدار يرتفع أمتارًا ويلتهم الأرض على طول الحدود، ويقطع أوصال المناطق، التي لا بدَّ من أنْ تبقى منفصلةً عن بعضها البعض إلى الأبد، بحسب نظرة بُناة هذا الجدار.
ليس من شأن حتى القدير أنْ ينجح في تغيير شيءٍ في ظرفٍ من هذا القبيل. أو هذا على الأقل ما يشير إليه الفنان التشكيلي سليمان منصور المولود عام 1947 في بير زيت، ففي لوحته الجدارية التي رسمها على الجدار الفاصل في رام الله نرى لمسة الرب وآدم والأصابع الممدودة – وهو المشهد الرئيس للوحة مايكل أنجلو الشهيرة التي رسمها على سقف كنيسة سيستينا في روما.

لكن في حين تكاد يد الخالق أن تلاقي يد المخلوق في عمل فنان عصر النهضة الإيطالي، نرى أصابع الرب وآدم في رام الله تبعد أمتارًا عن بعضها البعض. ويبدو أنه حتى المصافحة البسيطة في فلسطين ليست في إطار الممكن.

أهوال الحرب

أما إذا حدثت اللقاءات، فتكون قاسية في أغلب الأحيان. هذا ما تظهره على الأقل الفنانة ﻓﻴرا ﺘﻤﺎري، التي ولدت في القدس ﻋﺎم 1945 وتعمل اليوم في رام الله. "القيام بنزهة" اسم التركيب الفني الذي أنجزته في عام 2002. حيث تُظهر ركام أربع سيارات سويت بالأرض، مصفوفة بدقة وعناية خلف بعضها البعض.

من شأن المرء في العالم الغربي أن يفهم هذا العرض على أنه نقدٌ للمجتمع الاستهلاكي – لكن في فلسطين تتدافع في الأذهان تداعيات حول لقاءات بائسة بالدبابات الإسرائيلية، وحول حوادث وقعت على ذاك "الطريق إلى اللامكان"، الذي يقود في عمل فيرا تماري الفني مباشرة إلى العدم. أما الفنانة رولا حلواني التي تعمل في القدس فتعرض الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأسلوبٍ أكثر مباشرةً وأكثر عنفـًا. "غارة سلبية" اسم سلسلة من نسخ نيجاتيف صور فوتوغرافية أنتجتها عام 2002 بمناسبة الحصار الذي فرضته القوات الإسرائيلية على كنيسة المهد في بيت لحم واستمر أكثر من خمسة أسابيع. تـَظهر فظائع الحرب هنا بطريقة عنيفة يصعب الذهاب إلى أبعد منها.

الفن بوصفه كرونولوجيا

يسجّل الفن الفلسطيني أحداث الواقع. وبهذا يقول عن نفسه الكثير في ذات الوقت. إنه سياسيٌ بدرجةٍ عالية. ولكنه في نفس الوقت مُنهك القوى إلى حدٍّ كبير – على الأقل بمفهوم عجزه عن فرض فضاءاته الخاصة إزاء واقعٍ ذي سطوة شديدة جدًا. لا يقود الفن إلى عالمٍ أفضل، ولا يبقى إلا اللجوء إلى السخرية والاقتضاب.

ولكن من ناحيةٍ أخرى: من ذا الذي ما زال يأمل بالخلاص اليوم عبر الفن؟ مضى منذ فترة طويلة زمنُ الاستعلاء بوصفه درجة ً مرجوةً، وفي أحسن الأحوال يمكن أن يوظـَّف الفن باعتباره معارضة ً للواقع، لكن في ظل سطوة الواقع الجارفة يكاد لا يستطيع سوى الشهادة على هذا الواقع. وبذلك يتولّى الفن وظيفة الكرونولوجيا، فهو لا يستطيع الإيمان بعالمٍ أفضل، وهو أعجز من أن يقوم بتصميم عالمٍ كهذا.

كيرستن كنيب
ترجمة: يوسف حجازي
حقوق النشر: قنطرة 2010

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.