الفن التشكيلي المعاصر في لبنان
الفن التشكيلي المعاصر في لبنان:

بلاد الأرز ... عندما يكون الفن والجمال أداة للانتقام!

يهيمن حالياً موضوعا العنف والحرب على أعمال الفنانين اللبنانيين وهو أمر لا يثير العجب لأن معظم الفنانين اللبنانيين تربوا ونشأوا في أكثر الفترات دموية في تاريخ لبنان المعاصر. كيرستن كنيب من بيروت يسلط الضوء على المشهد الفني التشكيلي في بلاد الأرز.



مدينة مفعمة بالحياة، موطن الألف سطح وسور وشرفة، موطن المساجد والقصور والساحات. هكذا قد يكون شكل المدينة الشرقية المثالية؛ مكان تملؤه الحياة الصاخبة ولكن في الوقت نفسه يسكنه الهدوء السحري. مدينة يغمرها الضوء الفضي وتحتضنها أشعة الشمس الرقيقة. هذه هي مدينة الأحلام، أو "قرية الخيال"، كما سمى الفنان اللبناني جميل ملاعب لوحته التي رسمها في عام 2011. قد تمثل هذه اللوحة قرية بيصور في جبل لبنان، حيث ولد جميل ملاعب في عام 1948. هي لوحة تعكس صوراً من الطفولة، وما تمخضت عنه الذاكرة وأنتجه الخيال، كما يلمّح عنوان اللوحة. تجسد هذه اللوحة مشهداً شاعرياً بحتاً، ممثلة بذلك حالة استثنائية في سوق الفن اللبناني اليوم، حيث إن معظم الفنانين التشكيليين في لبنان حاليا يعتمدون في أعمالهم على نوع مختلف تماماً من الجماليات، ألا وهي جماليات الحرب والعنف.

"تاريخ من العنف"

لوحة المدينة الجميلة، الصورة فيلما كنيب
هل فعلاً أن الحرب والفن معادلة لا يمكن تجاوزها؟

​​وقد لا يكون لهم في ذاك خيار آخر، "فمعظم الفنانين في لبنان ولدوا أثناء الحرب الأهلية هناك"، كما يشرح صالح بركات، مدير معرض "أجيال" في بيروت. ويتابع: "هؤلاء الفنانون نشأوا خلال الحرب الأهلية وكانوا عرضة للعنف فيها. فالبطبع أثرت الحرب الأهلية على هذا الجيل من الفنانين". ولكن هل يمكننا أن نتصور لبنان دون عنف؟ لا يبدو هذا ممكناً، على الأقل حسب ما يطرحه الفنانان عصام برهوش (مواليد 1972) وزينة عاصي (مواليد 1974) في عملهما المشترك "بيروت، واحدة واحدة". فهو عمل فني خدّاع، إذ يظهر فقط للوهلة الأولى جميل المنظر،إذ قام هذان الفنانان بوضع عدد كبير من الشرائح الورقية فوق بعضها بعضا للتعبير عن الطبقات التاريخية لمدينة بيروت والنظم السياسية والاجتماعية التي فرشها التاريخ طبقة فوق الأخرى على هذه المدينة، والتي كانت دوماً منفتحة على البحر الأبيض المتوسط وبحّاريه. وتظهر بين طبقات الورق هنا وهناك قطع من العشب الاصطناعي، مجسدة الإيقاع الطبيعي الذي تعيش على وقعه المدينة. غير أن هذه المدينة تعرف إيقاعات أخرى مختلفة جداً، كإيقاع العنف الذي يهز كيانها بشكل منتظم.

لذلك لا يظهر العشب وحسب من بين طبقات الورق، بل تتخللها أيضاً بعض العيارات النارية التي أُدخلت بين الطبقات. عيارات نارية حقيقية تستخدم في الحروب، وهي قطع من النوع القاتل، ولكنها هنا استُخدمت كجزء من عمل فني. هذه العيارات النارية هي علامات على سلسلة "تاريخ من العنف" لا تنتهي، كانت آخر حلقاتها الحرب بين إسرائيل وحزب الله، التي خلفت دماراً كبيراً في المدينة. وبإمكان الفنانين الآن أن يضيفا بعض الطبقات إلى عملهما هذا، لأن الصواريخ التي قُذفت في تشرين الثاني/ نوفنبر المنصرم باتجاه إسرائيل، لا تبشر بالخير.

الولادة من جديد في ظل مؤشرات قاتمة

"

لوحة فنيو تشكيلية، الصورة فيلما كنيب
"استخدام جماليات الحرب في الفن التشكيلي بطريقة نقدية هو ظاهرة عالمية"

​​الولادة من جديد" ـ كان هذا عنوان معرض للفن المعاصر في لبنان، أقيم في صيف 2011. ولكن لا يمكن التأكد إلى متى سيدوم هذا الازدهار الجديد في ظل المؤشرات الحالية. ولهذا ستبقى الحرب والعنف محور المواضيع التي يعنى به الفن التشكيلي المعاصر في لبنان. عن هذا يقول صالح بركات، مدير معرض "أجيال": "الفنانون الشباب يعالجون في أعمالهم الحياة في لبنان وفي بيروت اليوم، ويسكبون تجاربهم في إطار فني شخصي. وبالطبع فإنهم يصورون الأشياء كما عايشوها في حياتهم، وهذا بالتالي يقود إلى صور العنف."

ولهذا العنف رواجه التجاري الآن، ففي نيسان/أبريل الماضي بيعت لوحة للرسام أيمن بعلبكي (مواليد 1975) في فرع دار المزاد العلني كريستيز في دبي بمبلغ 206500 دولار أمريكي، مع أن كريستيز كانت تتوقع أن تحرز اللوحة من خمسين ألف إلى خمسة وسبعين ألف دولار فقط. تحمل هذه اللوحة عنوان "دع ألف زهرة تتفتح" وتُظهر صورة شاب عابس ملثم بكوفية فلسطينية وليس بوسع الزهور المرسومة بأسلوب الفن الهابط في خلفيته أن تحسن من مزاج هذا الشاب.

ثقافة العنف

وكيف سيكون بوسع هذه الزهور أن تحسّن مزاجه أصلاً؟ فهي مجرد زينة بائسة أمام تاريخ طويل من العنف. عنف سرعان ما ولّد ثقافته الخاصة به والتي تسيطر على حياة البعض إلى اليوم. وقد أظهر الكاتب اللبناني إلياس خوري في روايته "يالو" كيفية هيمنة الحرب الأهلية على نفوس بعض الشبان اللبنانيين، وكيف أنهم لم يستطيعوا نبذ العنف، حتى بعد انقضاء فترة طويلة على انتهاء الحرب الأهلية.

لوحة "الثانية والربع بعد الظهر" هي لوحة أخرى لأيمن بعلبكي تعالج موضوع ثقافة العنف. أما المصورة الفوتوغرافية داليا خميسي فهي الأخرى تُري في صورها كيف أن آثار الحرب الأهلية في لبنان لم تختفِ بعد. وقد عرضت داليا الخميسي في الصيف الماضي صوراً لها في معرض بيروت للفن "مناسا"، يظهر فيها أشخاص يعانون حتى وقتنا هذا من آثار الحرب الأهلية. فعلى سبيل المثال هناك صورة المرأة العجوز التي مات أبناؤها الأربعة في الحرب ولم يبق منهم إلى بعض الأشياء التي تذكر بهم. "أكبرهم كان عمره 31 عاماً، وأصغرهم 13 عاماً"، كما تقول المصورة دالية الخميسي. وتتابع: "قامت أمهم، المدعوة أم عزيز، بالاحتفاظ ببعض الأشياء الشخصية لأبنائها الأربع. وهي أشياء صغيرة، وفي الحقيقة أيضاً تافهة، ولكنها الشيء الوحيد الذي تبّقى لها من أبنائها. وحال أم عزيز هو حال الكثير من اللبنانيين، فهم يريدون أن يعرفوا ماذا جرى لأولادهم في الحرب الأهلية، وأن يعثروا على بقايا جثثهم."

الحرب كصنم العبادة لدى الفن؟

ولكن، هل فعلاً أن الحرب والفن معادلة لا يمكن تجاوزها؟ قبل عامين ادعى المهندس المعماري اللبناني برنار خوري أن الفنانين اللبنانيين يرفعون الحرب إلى مقام صنم يعبدونه، بطريقة تتجاوب مع تصورات الغرب الإستعمارية الجديدة. وذهب خوري إلى القول بأن الفنانين يعرضون في أعمالهم الفنية تجاربهم الشخصية في الحرب، وذلك لأن مديري المعارض والمشرفين عليها وجامعي الأعمال الفنية أصحاب القرار في الغرب يرغبون بذلك. خوري نفسه قام في عام 2008 بإبداع عمل فني تركيبي أسماه "أسير الحرب"، وهو لا يُظهر من خلاله قوة الحرب نفسها، بل مدى هيمنة رغبة أسواق الفن على الفنانين اللبنانيين في التعامل مع موضوع الحرب.

رأي مشابه تطرحه مشرفة المعارض الفرنسية كاترين دافيد. فهي ترى أن استخدام جماليات الحرب في الفن التشكيلي بطريقة نقدية (مفترضة)، هو ظاهرة عالمية. وتتابع دافيد: "الموضوع هنا موضوع أصنام، وهذا ينطبق على أسواق الفن الجديدة التي لا تتوفر فيها مبالغ الأموال الكبيرة بعد". وحسب رأيها فإن أسواق الفن كانت تتوقع في بادئ الأمر تصوير الواقع المظلم من قِبل الفنانين الأفريقيين والصينيين. وتضيف كاترين دافيد: "أما الآن فجاء دور الفنان العربي للقيام بذلك. لذلك يُتوقع منه أن يعالج مواضيع الحرب والعنف والدكتاتورية، وزد على ذلك الآن ربيع الثورات العربية."

الضغط الذي تمارسه الأسواق من جهة، ومحاولة مواجهة الماضي من جهة أخرى، بين هذين القطبين يتأرجح الفن التشكيلي المعاصر في لبنان، أو على الأقل الجزء الذي يعالج الحرب الأهلية ومخلفاتها. غير أن الفنانين مرغمون في هذا الحال على ممارسة التلصص واستراق النظر نوعاً ما. وهذا في الواقع شيء يدعو إلى رسم المزيد من "قرى الخيال".



كيرستن كنيب
ترجمة: نادر الصراص
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
ملفات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.