من أعمال علي فرزات
الفنانون السوريون يواجهون الرقابة بالنقد المموَّه:

الفنانون السوريون - فن الإفلات من ''مخالب'' الأسد الحديدية

ثمة تقليدٌ طويلٌ للفنون في سورية في انتقاد النظام على الرغم من الديكتاتورية. تقليد محاطٌ بِمهارة بلغة مجازية مُتقنة وغير مباشرةٍ في الكثير من الأحيان. بيد أنَّ هذا النقد قد تغيّر منذ اندلاع الاحتجاجات. تقرير من إعداد شارلوت بنك.



جرى اختطاف رسام الكاريكاتير السوري المعروف علي فرزات يوم الخميس الموافق في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2011، وتم الاعتداء عليه وسرقة محفظة رسوماته من ثم رُمي على طريق مطار دمشق الدولي، حيث وجده مارةٌ بعد ساعات وقاموا بنقله إلى المستشفى. تـُظهِر رمزية جروحه مدى الانحراف الأخلاقي للمجموعات المعتدية الموالية للنظام، حيث قاموا بتكسير أصابعه، وسلبوه بذلك سلاحه (إلى حين).

يُعتبر علي فرزات من أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم العربي الذين لم يتوقفوا أبدًا عن انتقاد التعسف والفساد ووحشية الحكام. ومنذ بداية الاحتجاجات في سورية تصاعدت حدّة تنديده بوحشية النظام ضد المتظاهرين كما خالف من خلال رسمه وجه بشار الأسد تكتيكه المعهود في رسم وجوه الحكّام بشكلٍ مموَّهٍ بحيث لا يمكن التعرُّف عليهم مباشرة، فكسر وبالتالي أحد أهم محرمات التعامل مع الرقابة المتفشِّية في كل المناحي في سورية.

ويُعتبر انتقاد الرئيس مباشرةً من أشد المحرمات، وكذلك انتقاد المجموعات العرقية المختلفة في البلاد والدين. لكن ليس هناك قواعد ثابتة مُعتمدة، لذا يضطر كلُّ صانعي الثقافة السوريين، سواء كانوا كتـّابًا أو صحفيين ناقدين أو فناني مسرح وسينما، يضطروا للإبحار ضمن هذه المحرمات، كي يتسنى لهم إنتاج أعمالٍ نقديةٍ بالرغم من ذلك.

توازنٌ صعب التحقيق

الفنان علي فرزات
أسّس فرزات في أوائل عام 2001 وخلال "ربيع دمشق" صحيفة "الدومري" الساخرة، وكانت أول صحيفةٍ مستقلةٍ منذ أن تولى حزب البعث السلطة في عام 1963

​​كان المراقبون في الخارج ينظرون إلى إمكانية تحقيق هذا باعتباره مفارقة كبيرة، فعلى الرغم من الرقابة الحاضرة في كل مكان يوجد في سورية تقليدٌ طويلٌ من الانتقادات الفنية والفكرية البارعة التي توجَّه للنظام. وممارسو هذا التقليد النقدي مضطرون في أغلب الأحيان لتحقيق توازن صعب، لكي لا يعرِّضوا أنفسهم للخطر. وقد لاحظ المعلقون الأجانب مرارًا وتكرارًا قدرة العديد من الفنانين على تقديم أعمالٍ فنيةٍ رائعةٍ في هذا السياق.

وخير مثالٍ على هذا نجده في فيلم "نجوم النهار" (1988) لأسامة محمد. حيث يروي الفيلم قصة عائلةٍ من الريف السوري يستبدُّ بها ابنها الأكبر الغضُوب الفاسد. فهو يتدخَّل في حياة أشقائه بقبضةٍ حديديةٍ، ويُظهر نفسه عطوفًا تارةً وهمجيًّا تارةً أخرى، ويأتي ذلك دائمًا على شكل نزواتٍ لا يمكن حسبانها. العائلة الكبيرة هي رمزٌ للدولة السورية، يقودها حاكمٌ متسلطٌ لا يرحم، ويحب تقديم نفسه على أنه واسع الصدر بشكلٍ مميز، في حين أنه يدفع العائلة بأكملها إلى الشقاء، كل هذا يُظهر بوضوحٍ بالغٍ الرمزية التي يجري إبرازها من خلال التشابه البدني بين بطل الفيلم ورئيس سوريا آنذاك حافظ الأسد.

إلا أنَّ هذا لم يمُرّ على الرقابة أيضًا، مع أن أسامة محمد قد تمكَّن من إنهاء الفيلم، إلا أنه لم يُعرض في دور السينما السورية، بالرغم من حصوله على العديد من الجوائز الدولية، وما زال عرض الفيلم ممنوعًا حتى اليوم. وقد اضطر صانع الأفلام الانتظار حتى عام 2002 إلى أن تسنى له تصوير فيلمه الثاني "صندوق الدنيا". وما زال أسامة محمد ينتظر السماح له بالقيام بمشروع فيلمٍ جديد. كان أسلوب إنتاج الأفلام المثيرة للجدل وإخفاؤها فيما بعد في الأرشيفات وإرسالها بين الوقت والآخر إلى المهرجانات المرموقة في الخارج، إستراتيجيةً محببةً في سورية على مدى فترةٍ طويلةٍ من الزمن، حاول النظام من خلالها السيطرة على صانعي الأفلام النقديين. تراخيص النشر والعرض والسماح بالسفر، كلـُّها إجراءاتٌ يتم منحها ومن ثم يتم سحبها لاحقًا، هي وسائل عرقلة أخرى يواجهها الكثير من الفنانين مرارًا وتكرارًا.

حمّام النظام: "كأس ماء ساخنة حينًا وباردة حينًا آخر"

مشهد من أحد المسلسلات السورية
"أصوات المثقفين السوريين في أغلب الأحيان هي أصواتٌ هادئةٌ مغلـَّفةُ بمهارةٍ بالمجاز والرمزية"

​​
عانى علي فرزات أيضًا من هذه الإجراءات، فقد أسّس في أوائل عام 2001 وخلال "ربيع دمشق" صحيفة "الدومري" الساخرة، وكانت أول صحيفةٍ مستقلةٍ منذ أن تولى حزب البعث السلطة في عام 1963. وقد لاقت الصحيفة رواجًا كبيرًا، وبيعت كلُّ النسخ المطروحة في السوق منذ اليوم لصدورها. لكنها تعرضت للمضايقة بشكل متزايد من قِبَلِ الرقابة، ما أجبر أصحابها على إغلاقها بشكلٍ نهائيٍ في عام 2003. ووصف فرزات وضعه بالكلمات التالية "حالتنا تشبه حالة شخص يستحمّ، فتأتيه طاس ماء ساخن حينًا وطاس بارد حينًا آخر".

ليس من المستغرب في ظل هذه الظروف أنْ يقرِّر العديد من الفنانين العيش في المنفى، على غرار عمر أميرالاي أشهر صانعي الأفلام السوريين، الذي غادر وطنه في الثمانينيات بعد حظر العديد من أفلامه ليستقر في منفاه الفرنسي ويناضل من هناك ضد النظام الاستبدادي. لطالما تناول عمر أميرالاي موضوع بُنى الدولة السورية في أفلامه. بنى فضحها بلا هوادة، حيث أتاح له المنفى لغةً أكثر وضوحًا من تلك المسموح بها في سورية، فهناك فيلمه "طوفان في بلاد البعث" (2003) الذي يُحاسِبُ فيه بسخرية مريرة حزب البعث الموجود في كل مكان، والذي ساق البلد كله نحو الركود.

توفي عمر أميرالاي بشكل مفاجئ نتيجة أزمة قلبية ألمت به في مطلع هذا العام، وذلك بعد أقلِّ من أسبوعٍ على نشره مع ميشيل كيلو المعارض للنظام بيانًا مشتركًا للتضامن مع حركات الاحتجاج في تونس ومصر. وفي ذلك الوقت لم تكُن هناك استجابة للدعوة لاحتجاجات مماثلة في سورية بعد. وكان لا بدَّ من مرور عدة أسابيع حتى يخرج الناس إلى الشارع بدءًا من منتصف شهر آذار/مارس 2011 في سورية أيضًا في سبيل النضال من أجل حقوقهم.

لم يَنفـَذ في البداية إلى وسائل الإعلام الدولية سوى بعض الأخبار المتفرقة من سورية. إذ ضبط النظام في دمشق في وقتٍ مبكرٍ عدم قدوم صحفيين أجانب إلى سوريا، أما من كان هناك فجرى إخراجه بلا تردد. وبالتالي صارت الأصوات القادمة "من الداخل" نادرةً، باستثناء مقاطع فيديو ينشرها ناشطون على يوتيوب ويصعب جدًا التحقق من صحتها.

أصوات النقد هادئة ومفعمة بالرمزية

مشهد من فيلم "طوفان في بلاد البعث"
"إنَّ الفنانين الذين يُعبِّرون عن آرائهم بشكلٍ علنيٍ معرضون لخطرٍ حقيقيٍ في الواقع. وهذا ما تبيّن بوضوحٍ كبيرٍ في حالة رسام الكاريكاتير علي فرزات"

​​نشر صانعو أفلام سوريون في نيسان/أبريل 2011 في الانترنت دعوةً لزملائهم في جميع أنحاء العالم يحثّوهم على إدانة وحشية النظام ودعم الشعب في سعيه إلى الحرية والعدالة. وقد رفع بعض الكتّاب السوريين أصواتهم من وقت لآخر، إلا أنها بقيت أصواتًا فردية قليلة. تكاد أصوات المثقفين السوريين المعارضين أن لا تلقى صدىً في الغرب، ما لا يعني أنَّ هذه الأصوات غير موجودة. إنما هي في أغلب الأحيان أصواتٌ هادئةٌ مغلـَّفةُ بمهارةٍ بالمجاز والرمزية.

تعتبر الأصوات السورية قيّمة وجديرة بالاهتمام، حتى وإن جاءت للوهلة الأولى مصاغة في رموز شفرية وبخاصةٍ في مثل هذه الأوقات التي تقف فيها سوريا على عتبة تغيُّرات هائلة. إنَّ الفنانين الذين يُعبِّرون عن آرائهم بشكلٍ علنيٍ معرضون لخطرٍ حقيقيٍ في الواقع. وهذا ما تبيّن بوضوحٍ كبيرٍ في حالة رسام الكاريكاتير علي فرزات.

 

شارلوت بنك
ترجمة: يوسف حجازي
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الفنانون السوريون - فن الإفلات من ''مخالب'' الأسد الحديدية

أنا لست مع محاسبة الأديب العربي الكبير أدونيس محاسبة صرف سياسية، ولكأنه رجل سياسة. ولو فعلنا ذلك لكان علينا أن نعيد النظر في قيمة، وربما أن ندين عددا كبيرا جدا من أدبائنا. فما أكثر الأدباء الذين تلقوا جوائز وميداليات و"كرموا" من حكام طغاة، من أمثال صدام حسين ومعمر القذافي وحسني مبارك، على سبيل المثال لا الحصر. وهذا ينطبق أيضا على عدد من كبار الكتاب الألمان، مثل برتولت بريشت وأنا زيغرز. من واجبنا أن نميز أمرين أو جانبين: القيمة الأدبية أو الإبداعية للأديب، والجانب السياسي لهذا الأديب، علما بأن الجانب الأول هو الأهم في حالة الأدباء. أما أدونيس فهو في رأيي شاعر ومفكر أدبي كبير، وهذا هو المهم في المناسبة التي نحن بصددها: فوزه بجائزة غوته ، وهي من أرفع الجوائز الأدبية الألمانية. إنه أمر علينا أن نعتز به ونرى فيه تكريما للأدب العربي المعاصر واعترافا بإنجازات هذا الأدب. مبروك لأدونيس ومبروك لنا جميعا!
(رئيس قسم اللغة الألمانية وآدابها - جامعة دمشق)

عـبــده عـبـــود17.09.2011 | 21:09 Uhr