الفنانة مرجان ساترابي....زهرة قديمة وأرض جديدة
الفنَّانة الإيرانية مرجان ساترابي:

الفنانة مرجان ساترابي....زهرة قديمة وأرض جديدة

أثار قبل أحد عشر عامًا كتاب القصص المصوَّرة "برسيبوليس" للفنَّانة الإيرانية مرجان ساترابي حول طفولتها في إيران ضجة كبيرة. كما نال فيلمها "برسيبوليس" إعجاب الملايين. والآن يعرض فيلم آخر لها عنوانه "دجاج بالبرقوق" في مدينة هامبورغ الألمانية، حيث تحدَّثت إليها كاترين إردمان حول الحنين إلى الوطن.



فمها المستدير مطلي بأحمر شفاه فاقع اللون، وحاجباها مرتفعان إلى أعلى في شكل مسرحي. تقول مرجان ساترابي وهي تضحك: "وشعري الأسود مصبوغ. تصوَّري فقط وجود الشيب أيضًا في رأسي مع هذا الوجه، فسوف أبدو حينها مثل الشيطان". تقوم رسامة الكاريكاتير ساترابي التي يبلغ عمرها واحدًا وأربعين عامًا بشدّ ملامح وجهها مكشِّرة وثم تضحك مرة أخرى من أعماق قلبها. وتقول: "أنا أحبّ الحياة. وفي كلِّ صباح أستيقظ بابتسامة عريضة على وجهي، وفي الحقيقة يحتاج المرء الكثير ووقت طويل لكي يعكِّر مزاجي".

وقد تبدو مرجان ساترابي سعيدة أيضًا لأنَّها تحمل سيجارة في يدها. فالتدخين جيِّد لها، وبإمكان الجميع رؤية ذلك، مثلما تقول وهي تغمز بعينها: "أعتقد أنَّ الدخان يحفظ المرء. وأنتم تعلمون بالطبع أنَّ اللحم أيضًا يتم تدخينه من أجل حفظه، ولهذا السبب لا توجد لدي على الأرجح أية تجاعيد". وعلى الرغم من أنَّ الفنَّانة مرجان ساترابي المولدة في إيران قد لاقت نجاحًا كبيرًا منذ عدة أعوام، إلاَّ أنَّها لا تبدو متكبِّرة قطّ، ويمكنها بالإضافة إلى ذلك الضحك من نفسها. حضرت ساترابي إلى مدينة هامبورغ الألمانية من أجل عرض فيلمها الجديد "دجاج بالبرقوق". تدور أحداث هذا الفيلم في طهران في فترة الخمسينيات. ومرجان ساترابي لم تعش تلك الفترة، ولكنها مع ذلك تستوحي الكثير مثلما تقول من هذه الفترة. وفي تلك الأيَّام عندما قام رئيس الوزراء محمد مصدق بتأميم عائدات النفط، سرت في إيران نسمات تشبه نسمات الديمقراطية. ولكن بعد ذلك قام الأمريكيون والبريطانيون بطرد هذا السياسي الشعبي المحبوب خارج البلاد، وغدت تلك النهضة أثرًا بعد عين.

حنين إلى الوطن الضائع

​​وتقول مرجان ساترابي إنَّ "الإيرانيين فقدوا شيئًا ما من خلال هذا الحدث". وهذا جانب من الفيلم، أمَّا جانبه الآخر فيتحدَّث حول فشل حب عازف يعزف على آلة الطار (الكمان) مع امرأة اسمها إيران. ومن خلال ذلك تبرز ساترابي حنينها إلى الوطن المفقود. فقد قام والداها بإرسالها إلى النمسا إبَّان الحرب العراقية الإيرانية، وفي وقت لاحق انتقلت إلى فرنسا، حيث ما تزال تقيم هناك بشكل دائم منذ عام 1994. وفي هذا الصدد تقول ساترابي إنَّ "هذا يشبه نبتة يتم أخذها من الأرض ووضعها في إناء؛ وبغض النظر عن مدى الاهتمام بهذه الزهرة والاعتناء بها، فهي تظل معتادة على أرض وطنها". تعود ذكريات ساترابي الخاصة بطهران إلى مرحلة طفولتها؛ تلك الجبال التي يتراوح ارتفاعها بين خمسة آلاف متر وستة آلاف متر، والقمم المغطاة بالثلج، والتلوّث البيئي، وبعض الأصوات والمأكولات. تقول مرجان ساترابي: "لقد احتاجت معدتي ثلاثة أعوام حتى تمكَّنت من هضم الطعام الفرنسي بشكل صحيح".

الحرية في المنفى وبعد النجاح الكبير الذي حقَّقه كتابها المصوَّر "برسيبوليس" في عام 2000 ومن بعده فيلمها، أصبحت هذه الرسَّامة والمخرجة وكاتبة السيناريوهات مطلوبة أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من أنَّها حصلت منذ فترة طويلة على الجنسية الفرنسية، إلاَّ أنَّها لا تشعر بالانتماء إلى المجتمع الفرنسي، وهي لا تريد ذلك أيضًا؛ وتقول: "لم يكن لدي أبدًا شعور بأنَّني جزء من أي مجتمع. أنا موجودة هنا ومن حولي أصدقائي، وهذه هي حياتي. أنا أعيش كأنَّني تحت جرس". لقد اختارت حياتها على هذا النحو. إذ غادرت إيران عندما أدركت أنَّه لا يوجد في إيران مكان للأشخاص الذين ينتقدون النظام. وبالنسبة لها لم يكن لديها بديل. تقول ساترابي "أنا أُكنّ احترامًا كبيرًا لهؤلاء الناس الذين ما يزالوا يعيشون في إيران. ولكني لم أتمكَّن من البقاء هناك، فأنا بحاجة إلى حرِّيتي التي من دونها يتعكَّر مزاجي وأصبح عدوانية".

الربيع الإيراني

العمل الأوَّل لمرجان ساترابي "برسيبوليس"
يتحدَّث العمل الأوَّل لمرجان ساترابي "برسيبوليس" حول طفولتها في إيران منذ بداية الثورة الإسلامية وحتى بداية حرب الخليج الأولى

​​وهي لا تجرؤ منذ فترة طويلة على العودة إلى إيران "لأنَّ المرء لا يعرف أبدًا إن كان سيخرج من هناك مرة أخرى". وفي الوقت نفسه تراقب ساترابي عن كثب ما يحدث في وطنها، كما أنَّها تعتبر التطوّرات هناك بعيدة المدى أكثر مما هي عليه في الدول العربية. وتقول إنَّ "الجميع يتحدَّثون عن الربيع العربي، ولكن بصراحة أنا لا أستطيع ملاحظته عندما أشاهد التقارير المصوَّرة في التلفاز". وثم تقول بلهجة جادة للغاية إنَّها لم تشاهد دائمًا إلاَّ الرجال في المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع.

وتضيف أنَّ المساواة تعدّ الشرط الضروري للتطوّر الديمقراطي. وتقول إنَّ إيران متقدِّمة في هذا المجال أكثر بكثير من دول عربية أخرى، وإنَّ النساء في إيران يشاركن في المظاهرات والاحتجاج بجانب الرجال، ويدرسن ويعملن، كما أنَّهن لم يعدن يتلقين الأوامر من الرجال. ثم تقول ساترابي بفخر واضح: "هنا في إيران يحدث في الواقع شيء أساسي، والمجتمع يتغيَّر من أسفل". وهي واثقة من أنَّها سوف تعود في يوم ما إلى وطنها؛ حتى وإن كان ذلك فقط من أجل دفنها في التراب الإيراني.

 

كاترين إردمان
ترجمة: رائد الباش
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الفنانة مرجان ساترابي....زهرة قديمة وأرض جديدة

الفنانة ساترابي، تدعين عدم رؤيتك مشاركة المرأة العربية في التظاهرات وهذا يعود فقط إلى عدم متابعتك لوسائل الإعلام الثورية التابعة لثوار الربيع العربي، فأنت في الغرب لا تتابعين على ما يبدو إلا وسائل إعلام الغرب التي تمر على الحدث العربي مرور اللئام لا مرور الكرام إذا كان هذا الحدث يبين وبكل وضوح تحرر العرب ونهضتهم.

نحن العرب نقدّر إنجازك الفني بصرف النظر عن كونك فارسية أو فرنسية...
وشكرا للقائمين على موقع قنطرة.

يزيد العنزي18.11.2011 | 15:25 Uhr