موسيليني وهتلر
الفاشية والنازية في مصر في فترة ما بين الحربين العالميتين:

هل وجدت الفاشية والنازية تربة لها في مصر الثلاثينيات؟

كانت مصر تتابع عن كثب وتتناقش حول التطورات السياسية في أوروبا في الفترة التي فصلت بين الحربين العالميتين، غير أن غالبية المثقفين والكتاب كانوا يرفضون الأفكار الفاشية والنازية بسبب ما اتسمت به من نزعة عنصرية، مثلما يرى غوتس نوردبروخ في مقاله التالي.



في فبراير / شباط عام 1933 نشرت صحيفة "الأهرام" المصرية سلسلة من المقالات عن صعود نجم النازية في ألمانيا. كانت المقالات تُنشر في الصفحة الأولى من الجريدة اليومية، وإلى جانبها صور عيد ميلاد ولي العهد المصري، الأمير فاروق، أو الصور التي التقطت خلال زيارة ملكة جمال تركيا إلى القاهرة.

لم تكن الأحداث التي تقع في أوروبا خلال العشرينات والثلاثينات غريبة على الرأي العام المصري. فقارئ الصحف اليومية أو المجلات المختلفة كان بإمكانه أن يطلع على تقارير تتحدث عن الاختراعات التقنية والابتكارات العلمية في باريس وبرلين وروما، مثلما كان بإمكانه أن يقرأ تحقيقات صحفية حول أحدث الصيحات في عالم الموضة والفنون. هذه المعرفة انعكست أيضاً على المقالات التي كان الصحافيون يواكبون بها التطورات السياسية في أوروبا، والتي تشمل موضوعات عدة، مثل صعود الفاشية والنازية في أوروبا، أو الثورة البلشفية في روسيا، أو الحرب الأهلية في إسبانيا.

تحولات مجتمعية هائلة

الصورة ويكيبيديا
التعددية السياسية كدرع حامٍ من الفاشية: "بعد ثورة 1919 أصبح الطيف السياسي في مصر لا يقل تنوعاً بأي حال من الأحوال عن مثيله الحزبي في عديد من دول أوروبا"، يقول نوردبروخ. في الصورة ثلاث نساء محجبات يتظاهرن في القاهرة من أجل حصول مصر على استقلالها.

​​كان التوجه الجديد للقوى المجتمعية هو الشغل الشاغل للمصريين في فترة ما بين الحربين العالميتين أيضاً. منذ ثورة 1919 التي قامت ضد قوى الاحتلال البريطانية وما أعقبها من اعتراف شكلي باستقلال البلاد عام 1922، عايشت البلاد حقبة من التعددية السياسية، كان النقاش فيها يدور حول مفهوم الأمة، وحقوق الإنسان الفرد وواجباته في مواجهة الجماعة، والعلاقة بين الدين والسياسية، أو دور المرأة في المجتمع.

وبمولد أحزاب مثل حزب "الوفد" وحركة الإخوان المسلمين، ثم حزب "مصر الفتاة" لاحقاً، أصبح الطيف السياسي في مصر لا يقل تنوعاً بأي حال من الأحوال عن مثيله الحزبي في عديد من دول أوروبا. وأصبحت الحركات السياسية في أوروبا تبدو بالنسبة لكثير من المراقبين نماذج يمكن الاستعانة بها أو الرجوع إليها في النقاشات الدائرة حول النظم المجتمعية المُراد تجديدها في مصر.

الدفاع عن الديمقراطية

لقد كان مفكرون في حجم محمد حسين هيكل وطه حسين وعباس محمود العقاد - وهم المفكرون الذين تركوا أثراً طاغياً على النقاشات الدائرة في تلك الفترة التي أطلقت عليها عفاف لطفي السيد تعبير "التجربة الليبرالية" – يذكرون بالاسم التجارب الديمقراطية البرلمانية في أوروبا في مقالاتهم التي نشرت خلال سنوات العشرينات في مصر.

غلاف الكتاب
بددت الفاشية الأوروبية الآمال في الاستقلال التي كان يتطلع إليها الناس في الشرق الأوسط: غلاف الكتاب الصادر حديثاً بعنوان "مشاعر الود والرعب" والذي شارك غوتس نوردبروخ في تأليفه.

​​غير أن موقفهم كان يتسم أيضاً بالتناقض، فبينما استغل كاتب مثل طه حسين أو عباس العقاد شهرتهما لكي يوضحا للناس مزايا دستور عام 1923 في مصر، لا سيما على خلفية تنامي الفاشية في إيطاليا، فقد كان محمد حسين هيكل يشير المرة تلو الأخرى إلى نجاح موسوليني في جلب الاستقرار إلى إيطاليا وسط أزمات فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. كان التحذير من الفوضى الاجتماعية هو محور مقالاته التي كان انتقد فيها أيضاً انتقاداً حاداً الحكم الملكي وتزايد النفوذ البريطاني في مصر.

لم تكن الليبرالية النخبوية التي مثّلها هيكل تعني من وجهة نظره ديمقراطية برلمانية وفق النموذج الأوروبي. وبالرغم من دفاعه عن الدستور كان هيكل يرى - في مطالب حزب الوفد والحركات الأخرى التي كانت تنادي بحقوق سياسية شاملة – بوادر خطيرة لطغيان رأي الشارع. كان هيكل ينادي بحكم "استبدادي إصلاحي" يستفيد من خبرات إيطاليا، ليقود الفترة الانتقالية التي يتم خلالها تهيئة الناس للديمقراطية.

في كتابه "الحكم المطلق في القرن العشرين" الذي صدر في نهاية عشرينات القرن الماضي، ناهض عباس العقاد صراحةً اللجوء إلى النظم السلطوية، حتى لو كانت لفترة انتقالية فحسب، كما عارض العقاد الرؤية التي تقول إن المجتمعات الديمقراطية في أوروبا لم تنجح في التغلب على المشاكل الاجتماعية السائدة هناك. وتعقيباً على تلك الأصوات التي كانت ترى نهاية عصر الديمقراطية، كتب العقاد: إن الديمقراطية لم تفشل، بل إن كل شيء يشير حتى الآن إلى نجاحها، وكل شيء يشير إلى أن الديمقراطية راسخة، وأنها ستكون في المستقبل أيضاً أساس الحكم الذي ستستند عليه الحكومات، والذي سيستند عليه الناس عندما ينادون بالإصلاح.

كان ذلك ينطبق، حسب رأيه، على كل من أوروبا ومصر. كان العقاد يرى أن ثورة 1919 قد وضعت الأساس لنظام اجتماعي ديمقراطي في مصر يضمن حقوق الإنسان الفرد في مواجهة المجتمع، ولذلك كان ينادي بالدفاع عن هذه المنجزات في مواجهة الداعين إلى نظم حكم مستبدة كتلك الحاكمة في إيطاليا وروسيا.

ما يلفت نظر الباحث لتلك الفترة هو الإشارة إلى الفاشية والقومية الاشتراكية (النازية) عند الحديث عن التطورات في مصر نفسها. وهكذا نجد أن النظر إلى الفاشية وأزمة جمهورية فايمر في مطلع ثلاثينات القرن الماضي كان مرتبطاً ارتباطاً واضحاً بالسياسة الاستبدادية لحكومة إسماعيل صدقي في مصر. إن إيقاف العمل بالدستور وعمليات القمع الشديد التي مارستها حكومة صدقي بين 1930 و1933 كانت تبدو كعمل موازٍ مع الأحداث التي وقعت في أوروبا. وهكذا كان النقد الموجه لموسيليني وهتلر في تلك السنوات يعني أيضاً نقداً للأوضاع السياسية في مصر.

من ناحية أخرى كانت النقاشات حول الإيديولوجيات القومية - التي كانت أهميتها تتزايد في إيطاليا الفاشية وفيما بعد في ألمانيا النازية – مرتبطة بالأوضاع في مصر، وكان الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الأمة المصرية هو أكثر الموضوعات المثيرة للجدل والنقاش في مصر. فإلى جانب الإسلام واللغة العربية كان التراث الفرعوني يقدم أساساً ممكناً لأولئك الباحثين عن هوية مصرية جامعة لكل المصريين.

نقد معاداة السامية الألمانية

وفي هذا السياق تم استخدام مفهوم "الِعرق". وهكذا نجد المفكر الاشتراكي المعروف سلامة موسى يشير إلى النظريات البيولوجية. من وجهة نظر موسى كانت السياسة العرقية التي تبغي تحسين النسل – في صورتها المعروفة في النازية – تصلح أساساً لإجراءات مشابهة في مصر. إن المجتمع الحديث، هكذا يدعي سلامة موسى في منشور ظهر في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، يتطلب "قدراً عالياً من الذكاء والأخلاق". ويضيف موسى أن الأمة التي تتمتع بأكبر قدر من الذكاء تكون مهيأة للتفوق على غيرها من الأمم. ولهذا لا تستطيع أُمةٌ ما أن تسمح لنفسها بأن تتجاهل علم تحسين النسل، وأن تدع الأغبياء والمجرمين ومحدودي القيمة يتكاثرون. وهكذا لم تكن الحركة النازية هي الوحيدة التي اعتنقت هذه السياسة "النسلية". وكان موسى يرى أن أفكاراً مشابهة قد انتشرت أيضاً في الولايات المتحدة والسويد وسويسرا.

الصورة ويكيبديا
سياسة ردع غير اختيارية: بسبب الحملة المتوحشة التي قامت بها إيطاليا على ليبيا وأثيوبيا قامت مصر بطلب الحماية والدعم من القوتين الاستعماريتين فرنسا وانكلترا. في الصورة نرى جنود المدفعية الإيطاليين خلال الحرب الثانية التي نشبت بين إيطاليا وأثيوبيا في عام 1936.

​​غير أن مثل هذا التفكير البيولوجي قوبل بالرفض لدى عديد من المراقبين، ليس فقط بين أتباع الأقليات العرقية والدينية، ولكن أيضاً بين القوميين الليبراليين الذين كانوا يخشون كل محاولة لتحديد هوية الأمة عبر تصنيفات مثل العرق أو الشعب. وهكذا نُشرت مقالات نقدية في عديد من الصحف والمجلات التي كانت يصدرها مسيحيون من أصل شامي في معظم الأحيان.

في هذا السياق لقيت السياسة المعادية للسامية التي كانت ألمانيا تنتهجها نقداً حاسماً أيضاً. ومنذ مطلع عام 1933 كانت تظهر في صحف يومية مثل "المقطم" – التي كانت واحدة من أهم الصحف في مصر – مقالات تحذر من السياسة الألمانية المعادية لليهود. أما المجلة الشهرية "الهلال" – والتي كان يملكها أيضاً مهاجرون من أصل شامي – فقد نبهت في يوليو / تموز عام 1933 بكل وضوح إلى أن حماية مصالح كافة المواطنين هو واجب الدولة: إن من واجب كل الدول المتحضرة أن تشمل مواطنيها بنفس القدر من الرعاية، وأن توفر لهم الحماية دون أن تفرق بين أتباع الديانات المختلفة.

وبالنظر إلى التركيبة العرقية والدينية للسكان في مصر كانت التعاليم العرقية النازية – والتفكير البيولوجي عموماً – موضوعاً يحمل في طياته مخاطر هائلة بالنسبة للأوضاع الاجتماعية في مصر من وجهة نظر أولئك الكتّاب.

السياسة التوسعية لقوات المحور

الاهتمام بالتطورات في أوروبا وصل في مصر إلى ذروة أخرى مع الهجوم الإيطالي على الحبشة في أكتوبر / تشرين الأول 1935. وإزاء المطامع الإيطالية والألمانية شبه الصريحة في الاستيلاء على أراضي الغير، فقد اعتبر عديد من منتقدي السياسة الإيطالية والألمانية أنفسهم محقين في التحذيرات التي أطلقوها. ومن وجهة النظر هذه كانت السياسة الألمانية تجاه جيرانها وتجاه رابطة الأمم تمثل بادرة للسياسة التوسعية التي لا تكاد تختلف في شيء عن سياسة القوى الاستعمارية الأخرى في أوروبا. الوحشية التي استخدمتها إيطاليا في ليبيا والحبشة ضد السكان المحليين كانت بالنسبة لعديد من المراقبين في نهاية الأمر سبباً كافياً للدعوة إلى الحصول على مساندة فرنسية وبريطانية لمواجهة أطماع إيطاليا المحتملة في مصر. وهكذا بدت السياسة الاستعمارية لهذين البلدين أهون الشرين مقارنة بسلوك إيطاليا وألمانيا.

لقد كان اللقاء السياسي والفكري مع أوروبا حاسماً في تأثيره على الفترة التي فصلت بين الحربين في مصر، وكانت التحولات المجتمعية في مصر أرضية نما عليها وتطور هذا اللقاء الأوروبي المصري. ومن وجهة نظر بعض المراقبين كانت الفاشية والنازية تتضمنان تعاليم من الممكن أن تستفيد منها مصر في بناء دولتها. من ناحية أخرى لم تكن الأصوات التي راحت تحذر بكل حسم من تأثيرات الإيدولوجيات الفاشية والنازية أقل شهرة من الأصوات الأولى، فالنظام السلطوي المستبد لم يكن، من وجهة نظر هؤلاء المفكرين، يمثل حلاً للصراعات التي كان النظام السياسي في مصر يمر بها في تلك السنوات. ووفق رأيهم لم يكن المطلوب حريات سياسية أقل، بل حريات أكثر لترسيخ مفهوم الديمقراطية على المدى البعيد.

 

غوتس نوردبروخ
ترجمة: صفية مسعود
مراجعة:  هشام العدم
حقوق الطبع: قنطرة 2011

يعمل غوتس نوردبروخ حالياً أستاذاً مساعداً في مركز الشرق الأوسط للدراسات المعاصرة، التابع لجامعة جنوب الدانمارك. وقد صدر للباحث كتاب في عام 2009 بعنوان "النازية في سوريا ولبنان من 1933 - 1945"، كما شارك في تأليف الكتاب الصادر حديثاً بعنوان "مشاعر الود والرعب – اللقاء مع الفاشية والنازية في مصر من 1922 حتى 1937" (2011)

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
ملفات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.