الفيلم الوثائقي الإسرائيلي.......رؤية من الداخل وجرأة في طرح الواقع

بعد ستة عقود من الإنتاج السينمائي تبوأت الأفلام الوثائقية الإسرائيلية مكانة بارزة في المهرجانات الدولية ونالت العديد من الجوائز الأوروبية، خصوصا الأفلام التي تتعرض للصراع العربي الإسرائيلي. ليندا منوحين عبد العزيز من تل أبيب أعدت هذا التقرير.



برزت نخبة من المخرجين في الثمانيات عبرت عن فلسفة اليسار الإسرائيلي التي لم تسلم بالواقع المستجد بعد حرب الأيام الستة. واعتبرت نفسها لاعبا شرعيا في الحلبة السياسية. وتوخت هذه النخبة وضع الاحتلال على جدول أعمال الدولة لإيجاد مخرج. وتعرضت هذه الأفلام لانتقاد شديد لأنها لا تطرح حلولا للصراع، لكن الرد يأتي من ياعيل مونك المتخصصة في الأفلام الوثائقية، التي تقول في حديث مع دويتشه فيله "إن هذا ليس من وظيفة العمل السينمائي".

التعامل مع الصدمة من خلال البعد الزمني

الصورة دويشه فيله
الدكتور ياعيل مونك، باحث اسرائيلي في الأفلام الوثائقية

​​وشيئا فشيئا أصبحت الأفلام أكثر شخصية كما تحررت من القالب القومي والخطاب الصهيوني وظهرت نماذج تتطرق إلى فتق جراح الجندي الإسرائيلي من خوض الحروب، أو فتح باب التعامل مع الصدمة التي أحدثتها هذه الحروب. معالجة هذه الجروح تطلب الابتعاد عن مسرح الأحداث، مما استغرق سنوات عديدة لمواجهة الماضي والتعبير عن القلق والخوف. انعكست هذه المشاعر في فيلم "بوفور" و" فالس مع بشير" الاول حول نهاية الحرب، حينما كان جنود ينتظرون انتهاء الحرب على قلعة البوفور، والصواريخ تتساقط عليهم دون الرد عليها. أما الثاني، فيدور حول بداية الحرب، وتعرض المخرج لخذلان ذاكرته التي عجزت عن استرجاع ما شاهده في لبنان واضطر لاعادة نسج الأحداث من ذاكرة زملائه الجنود. ومع تغير المضمون، تغير أيضا الشكل. ولعل "فالس مع بشير" من اخراج اري فولمان نموذجا للابتكار، اذ يستخدم الصور المتحركة التي تتحدث بصوت الشخصيات الحقيقية.

صورة الجندي الاسرائيلي في الفيلم الوثائقي

للمرة الأولى تزعزعت الهوية الإسرائيلية اثر الانتفاضة عام 1987. وانقلبت معادلة القوي أمام الضعيف، فلم يعد الإسرائيلي معرضا لخطر الإبادة من قبل الجيوش العربية. يقول الناقد شموليك دوفدفاني في حديث خاص مع دويتشه فيله:" إن الانتفاضة طرحت معضلة بوجه المخرج، فإذا ساند الموقف الرسمي فانه سيظهر مزيفا، وإذا تعاطف مع الفلسطيني، فان الجمهور الإسرائيلي لن يذهب لمشاهدة الفيلم ،مما يفسر غياب موضوع الانتفاضة الأولى من الأفلام السينمائية، كونها أفلام تجارية تستهدف تحقيق الإرباح .

القاسم المشترك لهذه الأفلام أنها "عَرضت جميع المواضيع "المحظورة" للنقد، بحيث يجد الجندي الاسرائيلي نفسه ضحية لتطور أحداث وحروب. وفي فيلم "هل أنا أبتسم" تجري المخرجة تمار يارون مقابلات مع مجندات حول الظروف التي واجهناها خلال خدمتهن العسكرية إبان انتفاضة الأقصى واضطرارهن غسل الجرحى الذين سقطوا في ساحة القتال. ويقول الناقد دوفدفاني :"ان على المجندة الاختيار بين الشعور بانها ضحية للظروف وضحية في عالم الرجال، لكن في الوقت نفسه اختارت الانخراط في الجيش بمحض إرادتها.

الشخصية الفلسطينية في الافلام الوثائقية

الصورة دويتشه فيله
الناقد الإسرائيلي شموليك دوفدفاني

​​يتناول فيلم "شهيدة" للمخرجة تمار يرون موضوعا جريئا ، اذ لجأت الى مقابلة فلسطينيات في السجون الاسرائيلية فشلن في تفجير أنفسهن. تستند الفكرة الى كشف النقاب عن وجه الشهيدة وشخصيتها والأسباب التى دفعتها لاقتراف مثل هذه الجريمة.


أما "الحياة غالية" فيصور محاولة انقاذ امراة من غزة لابنها من الموت، بسبب مشكلة وراثية. ومن المفارقة ان يتبرع اسرائيلي فقد ابنه في القتال، بكلفة العملية. وتبلغ الدراما أوجها عندما يسألها المخرج شلومي الدار عما تتمنى لابنها في المستقبل. تتوقف برهة لتقول : شهيد ! جواب متوقع منها في ظروف حكم حماس في غزة. يوحي هذا الفيلم بنوع من الأمل بان الحرب لم تقتل قلب الانسان لدى طرفي النزاع، حتى في ظروف قاهرة.

عرب يخرجون أفلاما وثائقية

لاشك ان العصر الرقمي والتطور التكنولوجي جعل الكاميرا في متناول اليد وسهولة نقلها الى مكان الحدث. كما ان انتشار مدارس التصوير والاخراج واقسام التصوير السينمائي فتحت آفاقا جديدة أمام الطلاب، وخاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية. وارتفع الاقبال في الوسط العربي على تعلم السينما والتمثيل والاخراج والتصوير وكتابة السيناريوهات، وبرز في الاعوام الاخيرة العديد من مخرجي الأفلام الوثائقية مثل ميشيل خليفة ،سامح زعبي، توفيق ابو وائل وفراس خوري اضافة الى عدد من الشابات المتألقات، وفي مقدمتهم ابتسام مراعنة وسهيلة عارف.

الجمهور العربي والأفلام الوثائقية

تقول المخرجة ابتسام مراعنة المتفوقة في الاخراج والتصوير السينمائي لدويتشه فيله:" انا أحسد المخرج الاسرائيلي على شجاعته في كشف خفايا الواقع، بينما أنتقد المخرج العربي الذي يوجه اللوم للآخر دون أن يتمعن في دوره هو في التقصير". ويقول توفيق ابو وائل الكوكب الواعد في إخراج الأفلام الوثائقية لدويتشه فيله :"ان العرب في اسرائيل عموما لا يهتمون بالأفلام السينمائية وليس هناك قاعات سينما في الوسط العربي .

اما دوفدفاني فيقول:" ان الجيل الصاعد من العرب الذين يتعلمون في المعاهد والجامعات فنون الانتاج السينمائي، يشاهدون الأافلام الوثائقية وما يتعلق منها بالصراع ، كما يحملون معهم منظورا جديدا من تجربتهم ومتابعتهم للأفلام العربية ". ومن المتوقع ان تفتتح قريبا قاعة سينماتك في الناصرة هي الاولى من نوعها في الوسط العربي.

رواج الافلام حول الصراع العربي الاسرائيلي

بلغت الميزانية العامة للأفلام الوثائقية في العام الماضي 25 مليون دولار، وزعت على خمسة صناديق تدعم الأفلام الوثائقية التي فاق عددها في العام الماضي 30 فيلما. ويبلغ معدل ميزاينة فيلم وثائقي مائة وثلاثين ألف دولار بالمقارنة مع مليوني دولار تكلفة الفيلم السينمائي في البلاد مقابل خمسة ملايين يورو في أوروبا.

وتلقى مواضيع الصراع العربي الاسرائيلي إقبالا شديدا في الاسواق الخارجية، والسؤال هو ما اذا كان هذا السبب وراء اختيار المخرجين لهذا النوع من الافلام؟ يقول دوفدفاني:" إن قرار المخرج أيديولوجي بالدرجة الأولى كما ان هذه الأفلام غير مربحة في الوقت الحاضر، ولا يصل الا القليل منها الى دور السينما". ومع ذلك نجحت عدة أفلام في ولوج قاعات العرض في البلاد مؤخرا بعد تتويجها بجوائز في الخارج مثل "فالس مع بشير" و "الحياة غالية" و"بوفور".



ليندا منوحين عبد العزيز- تل أبيب

مراجعة: محمد المزياني

حقوق النشر: دويتشه فيله 2011