الحراك الأردني الصورة د ب ا
الاحتجاجات الشعبية في الأردن

هل سيزهر الربيع الأردني قريباً؟

بينما ينشغل العالم حالياً في الأزمة السورية والبحث عن مخرج سلمي لها، تتفاقم في جارتها الأردن الأزمة الاقتصادية، مهددة بالتحول إلى أزمة سياسية صعبة. وفيما يتزايد غضب الشارع الأردني وتتعالى الأصوات المنتقدة للملك، لم تعد الحكومة الأردنية تستطيع تجاهل الأصوات المنادية بالإصلاح. نادر الصراص والمزيد من التفاصيل.



لم تستغرق رياح التغيير السياسي التي بدأت تعصف بالعالم العربي قبل ما يقارب العامين طويلاً، حتى وصلت أيضاً إلى المملكة الأردنية الهاشمية، التي كانت حتى ذلك الحين تُعتبر من أمتن النظم السياسية في المنطقة. ولكن، وعلى عكس ما حصل في الدول العربية الأخرى كتونس وليبيا واليمن، لم يسقط في الأردن النظام الملكي الحاكم. وعلى الرغم من ذلك فإن البلاد تشهد منذ اندلاع الربيع العربي موجة احتجاجات ضد رفع أسعار المحروقات والغذاء، يطالب فيها المتظاهرون الحكومة بوضع حد للفقر والبطالة واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء في المملكة.

واستجابة لهذه المطالب أعاد ملك الأردن عبدالله الثاني منذ شباط/فبراير 2011 تشكيل الحكومة أربع مرات، واعداً شعبه في كل مرة بمزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية. لكن هذا لم يخمد غضب الشارع الأردني، وبالأخص غضب جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، التي لم تكفّ عن الدعوة للتظاهر بعد صلوات الجمعة ضد رفع الأسعار ومن أجل العدالة الاجتماعية. والحكومة الأردنية هي الجهة التي يصب الإخوان المسلمون جام غضبهم عليها، قائلين إنها عاجزة عن حل المشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها البلاد وعن سد العجز القياسي في خزينة الدولة ـ عجز بلغ حتى الآن أربعة مليارات دولار أمريكي، وهو رقم قياسي بالنسبة لدولة صغيرة كالأردن.

الإخوان المسلمون

د ب ا
"الملكية من "مقدسات" نظام الحكم التي لا يُسمح بالتعدي عليها أو مساءلتها"

​​ولم تجد الحكومة الأردنية حلاً لسد هذه الفجوة العميقة في ميزانيتها غير رفع أسعار، وقررت أوائل شهر أيلول/سبتمبر رفع سعر المحروقات بنسبة 10%. ولم يمض وقت طويل حتى خرج مئات المتظاهرين الغاضبين، ومعظمهم من أتباع جماعة الإخوان المسلمين، إلى شوارع العاصمة عمان ومدن أخرى في المملكة، مطالبين بالتنحي الفوري لحكومة فايز الطراونة. غير أن غضب المتظاهرين لم يقتصر فقط على الحكومة، بل طال أيضا الملك عبدالله، الذي يعتبر حكمه "خطاً أحمراً" لا يجوز تخطيه.

ولايتمثل عدم رضى الإخوان المسلمين وحزبهم "جبهة العمل الإسلامي" فقط في تحميلهم الحكومة المسؤولية عن العجز في الميزانية، بل هم يتهمون الملك أيضاً بأنه لا يكافح الفساد المستشري في مؤسسات الدولة بشكل كاف، وأنه يخضع بدلاً من ذلك لما يمليه عليه البنك الدولي من شروط. فرفع الأسعار على المحروقات والخدمات الأساسية جاء حسب رأي الجماعة استجابة لمطالب البنك الدولي بتخفيض دعم الدولة لهذه السلع. أحد قادة الجماعة وصف هذا الوضع في أحد الاحتجاجات في عمان بأنه "خنوع لعوامل خارجية، في حين أن الشرعية الحقيقية للحكم تنبع من الشعب".

وأما الحكومة من جانبها فقد امتصت حتى الآن هذا النقد اللاذع لعملها وسمحت للمواطنين بالتظاهر، علماً بأن النظام لا يتهاون مع من يشكك في نظام الحكم الملكي، لأن الملكية بحد ذاتها هي من "مقدسات" نظام الحكم التي لا يُسمح بالتعدي عليها أو مسائلتها. ولكن ما أدهش المحللين والمراقبين في الاحتجاجات الأخيرة التي اجتاحت الأردن هو توجيه النقد المباشر للملك عبد الله وزوجته من أصل فلسطيني الملكة رانيا. ويبدو أن قوات الأمن رأت في الشعارات التي انتقدت الملك تخطياً واضحاً للـ"خط الأحمر"، فقامت بتفريق المتظاهرين واعتقلت عددا من الناشطين الذين شاركوا في المظاهرات، وبالأخص في مدينة الطفيلة الواقعة على بعد 180 كيلومتراً جنوبي العاصمة عمان.

مشهد مضطرب

من يقرأ هذا المشهد السياسي المضطرب في الأردن حالياً، لا بد أن يتذكر بدايات الربيع العربي في تونس، حيث بدأت موجة الاحتجاجات بمظاهرات تطالب بالعدالة الاجتماعية مزيد من فرص عمل للشباب وبمكافحة الفساد، وتطورت في غضون أسابيع قليلة لتصبح حركة شعبية واسعة سرعان ما أطاحت برأس النظام الدكتاتوري الرئيس زين العابدين بن علي واستبدلته بنظام حكم ديموقراطي جديد. من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في الأردن، ولكن يبدو أن الملك أدرك مدى خطورة هذه الأوضاع، فبعد يومين فقط من رفع الأسعار على المحروقات، قامت الحكومة الأردنية، "بإيعاز من الملك" بتجميد تنفيذ هذا القرار.

ا ب
"قوات الأمن رأت في الشعارات التي انتقدت الملك تخطياً واضحاً للـخط الأحمر"

​​غير أن الملك لم يلبِ مطالب المحتجين الذين نادوا بإقالة حكومة رئيس الوزراء فايز الطراونة. وحتى ولو لبى الملك هذا المطلب، فإن كثيرين من المراقبين والخبراء يرون أن استبدال الحكومة بأخرى جديدة لن يحل المشاكل الاقتصادية في المملكة على المدى البعيد. ويقول أحمد عوض، الخبير الاقتصادي والباحث في مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية في عمان، إن "لا جدوى في الاعتماد على الحلول قصيرة الأمد وتحسين معدلات النمو الاقتصادي وخفض عجز الميزانية لبعض الوقت". فالاقتصاد الأردني بحاجة ماسة إلى سياسة اقتصادية مستدامة توفر على المدى المتوسط والطويل فرص العمل للمواطنين وتحقق العدالة الاجتماعية، وتخفض من معدلات الفقر في المملكة، حسب ما يقوله الخبير عوض.

إصلاح اقتصادي

وقد تشكل بعض المساعدات المالية من دول الخليج حلا سريعاً يخفف من الأزمة الاقتصادية المحدقة في البلاد، وقد تُخمَد نار الأزمة الاقتصادية المشتعلة في المملكة لفترة وجيزة بفعل القرض الذي سيعطيه البنك الدولي للأردن إذا ما خـُفّض الدعم الحكومي على السلع الأساسية والمحروقات بحلول عام 2014. لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة، كما يرى المستشار الاقتصادي يوسف منصور: "من أجل الخروج من هذه الأزمة"، يقول منصور، "نحتاج إلى سياسة اقتصادية مكتوبة وواضحة ومستقرة. فكل ما تغيّر وزير يأتي وزير آخر ويغير بدوره السياسات الاقتصادية. وهذا لا يساعد على التنمية الاقتصادية طويلة الأمد." ويضيف الخبير أن الأردن بحاجة إلى حكومة ينتخبها الشعب وتراقب عملها معارضة برلمانية قوية. يعني أن النهوض الاقتصادي بالبلد مرتبط حسب رأيه بإصلاحات ديمقراطية جذرية.

ولكن حتى الآن لا مؤشر على وجود نية للحكومة الأردنية باتخاذ خطوات جادة نحو إصلاح اقتصادي يعالج المشاكل الهيكلية في الاقتصاد الأردني بشكل جذري وناجع وعلى المدى الطويل. وما يزيد الطين بلة هو الوضع السياسي المقلقل في البلدان المجاورة، ولا سيما في سوريا. الخبراء من جانبهم يحذرون من مغبة ارتفاع نسب البطالة، وخصوصاً بين الشباب، حيث تقول الحكومة إن نسبة البطالة بلغت 13% حسب الإحصاء الرسمي لعام 2011، لكن العدد الفعلي قد يكون أكبر من هذا بكثير. وهذا ما يجعل كثيراً من الأردنيين يقلقون على أماكن عملهم خوفاً من فقدانها، ويرون أن هذا الوضع يجعل بلادهم غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين. وبشكل عام يتفق الخبيران عوض ومنصور على أن الربيع العربي أثر سلبياً على الأردن من ناحية اقتصادية. ويقدّر المستشار الاقتصادي يوسف منصور أن نسبة الاستثمارات الأجنبية تراجعت بمقدار 60% في الأردن، التي تعتمد بشكل كبير على هذه الاستثمارات، علماً بأنها تفتقر إلى المواد الخام كالغاز الطبيعي أو البترول.

الصورة دوريس بولاو لاجئون سوريون في الاردن
مشاكل الجوار وخاصة الأزمة السورية تلقي بظلال سلبية على الوضع في الاردن

​​

هذا المشهد السياسي المعقد والأزمة السياسية الاقتصادية التي تمر بها المملكة تشكل أرضاً خصبة يمكن لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن أن تستفيد منها، على غرار ما يحدث الآن في دول عربية أخرى كمصر وتونس، حيث صعدت الأحزاب ذات التوجه الإسلامي إلى سدة الحكم بعد الانتخابات التي أجريت هناك. ويبدو أن احتجاجات إسلاميي الأردن قد بدأت تثمر، حيث قررت الحكومة تجميد قرار رفع الأسعار على المحروقات بعد يومين من سريانه. وهذا ما يزيد من شعبية الإخوان لدى المواطنين ـ شعبية تدعم الجماعة في عزمها على توسيع نفوذها السياسي وعلى فرض إصلاحات سياسية ودستورية، رغم النفوذ الواسع الذي يحظى به الملك في إدارة شؤون البلاد. ومن الخطوات الملموسة التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين هي مقاطعة الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها نهاية العام الجاري. من هذا المنظار، يبدو أن الإسلاميين يحاولون الآن جاهدين أن يحدثوا على طريقتهم ربيعاً أردنياً صغيراً في المملكة.

 

نادر الصراص
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2012

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.