الجدل حول الشريعة في أوروبا

"مواكبة فهم و تأويل الإسلام لدولة القانون العلمانية ضرورة معرفية وحياتية"

يرى القانوني والمختص بالعلوم الإسلامية ماتياس روهه في حوار مع لؤي المدهون أنَّ الوقت قد حان للمسلمين المقيمين والمندمجين في ألمانيا إيجاد أسس وتفسيرات دينية لا تخرج عن الحدود التي تفرضها دولة القانون العلمانية.

​​أثار رئيس أساقفة كانتربري، روان ويليامز، من خلال مطالبته بدمج بعض مبادئ الشريعة الإسلامية في القانون البريطاني موجة من الاهتمام والنقد الحاد في بريطانيا. وفي ألمانيا حذّر بعض الصحفيين من إقدام "العالم الغربي على خطو أخرى في طريق الخضوع لرغبات أقلية المهاجرين المسلمين غير الراغبين في الاندماج". فهل تقوم هذه المخاوف على أساس صحيح؟

ماتياس روهه: أرى أنَّها لا تقوم على أي أساس صحيح؛ إذ إنَّ إثارة المخاوف من دون داعٍ صارت أمرًا رائجًا في أيامنا، حيث يقوم البعض ومن دون سبب بوضع الإرهاب الإسلاموي و"جرائم الشرف" وبناء المساجد على مستوى واحد ويعتبرونها دليلاً على الأسلمة المزعومة. بيد أنَّ التطوّرات في أوروبا تظهر أنَّ المرء يريد التصدي للعنف الذي يؤسَّس على أساس إسلامي. لا بدّ أيضًا من محاربة الجرائم مثل "جرائم الشرف"؛ علمًا أنَّ هذه الجرائم غير مشروعة في الإسلام. أما بناء بيوت العبادة فيعدّ في آخر المطاف حقًا من الحقوق التي يضمنها الدستور؛ كما أنَّ قيام السكان أو المواطنين بإنشاء بنية تحتية دينية بطرق مشروعة يعتبر استخدامًا لحقّ ممارسة الحرية الدينية. وفي هذا الصدد يبدو أنَّه لا تزال هناك حاجة ما إلى تثقيف بعض ممثلي "مجتمع الأغلبية". وبالمناسبة طبقًا لجميع المعلومات المتوفّرة فإنَّ الغالبية العظمى من المسلمين المقيمين في أوروبا - التي من الممكن أن يزداد تعدادها أكثر مما هو عليه - راغبة من دون شكّ في الاندماج أو أنَّها قد اندمجت منذ عهد طويل.

كيف تقيّمون مبادرة رئيس الأساقفة من حيث المضمون؟ وهل يمكن على الإطلاق اختصارها في طلب شامل من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية بالتوازي مع القانون البريطاني؟

روهه: لقد كان رأي رئيس الأساقفة في هذا الموضوع واضحًا جدًا كما أنَّه ميّز بشكل واضح ما بين المبادئ المقبولة وغير المقبولة في الشريعة الإسلامية. تمنيت أن يدور نقاش أكثر ارتباطًا بالموضوع، حتى وإن كنت لا أؤيّد مبادرة رئيس الأساقفة من حيث مضمونها.

إلى أي مدى يتفق تصوّر رئيس الأساقفة لسلطة قضاء متنوّعة مع الواقع؟ وهل يمكن لهذه الأفكار أن تشكّك في المبدأ الأساسي للمساواة أمام القانون؟

روهه: هذا أمر ممكن على الأقل من الناحية الواقعية ولهذا فهو معقد للغاية. يجوز بطبيعة الحال لكلّ امرئ حلّ النزاعات خارج نطاق الجهات القضائية الرسمية، الأمر الذي يحدث يوميًا داخل العائلات. كذلك يؤدي الوسطاء وهيئات التحكيم عملاً يكلل بالنجاح في كثير من المجالات. لكن هذا العمل يصبح معقدًا، حيثما يتم تأسيس مثل هذه الهيئات "التطوّعية" من أجل خدمة شرائح السكان، التي تعيش على كلّ حال بمنأى عن نظام الدولة ومؤسساتها - والتي لا تعرف على الإطلاق بعض حقوقها المعمول بها هنا. وفي هذا السياق يظهر النموذج الكندي (إنشاء هيئات تسوية ومحاكم صلح إسلامية مؤقتة) أنَّ هناك ضغوطًا تمارس على الأطراف الأكثر ضعفا من هذه الفئات التي تلجأ إلى هذه المحاكم ويتخلون بذلك عن جزء من الحقوق التي تضمنها الدولة. وفي العادة يتم هذا على حساب النساء، وذلك لأنَّ القائمين على هذه المحاكم يتّبعون تفسيرات تقليدية للشريعة الإسلامية.

اعتبر روان ويليامز دمج بعض مبادئ الشريعة الإسلامية في القانون البريطاني أمرًا لا يمكن تجنّبه وقد صرّح أنَّ تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا محدودًا يمكن أن يقوّي حتى المجتمع البريطاني برمته. فما هي الآثار التي من الممكن أن تتركها مراعاة المعايير الإسلامية على استعداد المسلمين للاندماج؟

لقد تم على كلّ حال منذ فترة طويلة دمج بعض جوانب الشريعة الإسلامية، مثل سندات القروض الإسلامية التقليدية - التي لا تشكّل مبدئيًا أي مشكلة من الناحية القانونية. وحتى مقاطعة ساكسن أنهالت الألمانية قامت باكتتاب سندات قروض إسلامية ميسّرة من أجل الحصول على المال. في بريطانيا تم إدخال شكل من التبني، تعدّ تبعاته على المدى البعيد أقل من عواقب التبني التقليدي الكامل مع ما له من تبعات. من الممكن أن يكون هذا الشكل قد أعدّ قبل كلِّ شيء من أجل المسلمين مع أخذ تقاليدهم القانونية بعين الاعتبار، بيد أنَّه باعتباره شكلاً جديدًا مفتوحا للجميع. لكن من الأجدر عدم التسرّع في الحديث عما "لا يمكن تجنّبه" خاصة في مجال قوانين الشؤون الأسرية.

رئيس أساقفة كانتربري، روان ويليامز، الصورة: أ.ب
أثارت مطالبة روان ويليامز بدمج بعض مبادئ الشريعة الإسلامية في القانون البريطاني موجة من الاهتمام والنقد الحاد في بريطانيا

​​وفي الحقيقة لقد نشأ نظام قانوني إسلامي موازٍ في بريطانيا بين المهاجرين القادمين من شبه القارة الهندية، الأمر الذي يبدو أنَّ رئيس الأساقفة يستند إليه. لكن يجب على المرء أن يحاول هنا القيام بدعاية لحسنات القانون المطبّق رسميًا وميّزاته وتوضيح أنَّ هذا القانون يسمح ضمن نطاق محدّد بحرية تنظيم الشؤون القانونية، التي يمكن أن تكون مدفوعة أيضًا بدوافع دينية، مثلاً في عقود الزواج. وحينها يكون من الضروري أيضًا خلق وعي ثقافي داخل المؤسسات التابعة للدولة، بغية مراعاة الظروف المعيشية الخاصة بمثل هؤلاء المهاجرين. تعتبر على وجه التحديد جميع القوانين المتعلقة بالزواج وبالشؤون الأسرية قوانين حساسة ولا تعدّ كذلك مجرّد "قوانين شخصية" نظرًا إلى احتياجات الحماية. وبالتالي يجب علينا أن نتمسّك بالفكرة الأساسية الخاصة بمساواة الجنسين والأديان باعتبارها مبدءا يسري مفعوله على الجميع؛ الأمر الذي يراه معظم المسلمين على هذا النحو. وبالإضافة إلى ذلك لا يجوز العمل على ترقية قابلية المهاجرين للاندماج وتشجيع على حساب تخليهم عن تصوّراتهم وأفكارهم الأساسية.

ينوّه بعض النقّاد إلى أنَّ هناك ضغطًا يمارس بدقة واتقان منذ فترة طويلة في بلدان أوروبية أخرى من أجل ربط بعض مبادئ الشريعة الإسلامية مع القانون المدني البريطاني. إلى أي مدى يتفق هذا الضغط مع الواقع في ألمانيا؟

روهه: تنص قوانيننا الألمانية في حالات الظروف المعيشية الخاصة بأشخاص أجانب قادمين من دول أخرى على أن يتم تطبيق قوانين بلدانهم عليهم ضمن إطار محدد. وبناءً على ذلك فقد أتحنا المجال بأنفسنا منذ عهد طويل لربط مثل هذه القوانين، لكن ليس في المجالات التي من الممكن أن تكون نتائجها غير محتملة بالنسبة لإدراكنا القانوني. لا يتم في ألمانيا نظرًا إلى الأوضاع الداخلية توجيه مثل هذه الطلبات إلاَّ من قبل بعض المتطرّفين. وفي الحقيقة توجد أيضًا ضمن هذا السياق حالات، تطالب فيها على سبيل المثال امرأة تزوّجت في بلدها حسب الشريعة الإسلامية بالطلاق. لكن في آخر المطاف لا ينبغي أن يكون من الحكمة بمكان أن يُرفض طلب طلاقها في محكمة رسمية بذريعة أنَّ الطلاق غير ممكن لعدم وجود عقد زواج ساري المفعول. نحن نعرف من دون ريب أيضًا المبدأ القائل ببطلان ما ليس له وجود. غير أنَّ الغالبية العظمى من المسلمين المقيمين هنا يقومون حسب معرفتي بتنظيم أمورهم القانونية طبقًا للقوانين السارية.

تضمن القوانين الديموقراطية الحرة في ألمانيا (المادة الرابعة من القانون الأساسي) إمكانيات نشر وتطوير الدين. ما هي الحقوق التي يستطيع المسلمون الألمان استخلاصها من ذلك؟

روهه: بإمكانهم على أساس المساواة مع جميع الأديان الأخرى والعقائد الأخرى ممارسة حقوقهم حسب ما ينص عليه الدستور الألماني، كما يضمن لهم الدستور العمل على ظهور معالم هذا الدين وأشكال ممارساته المختلفة في الحياة العامة. يمتد هذا - في حال تنفيذ الشروط القانونية الخاصة - من بناء المساجد وإقامة المقابر الإسلامية إلى النحر على الطريقة الإسلامية وتنظيم الدروس الدينية الإسلامية وحتى المشاركة المباشرة في أعمال خصوصية؛ على سبيل المثل ما يتعلّق بأوقات الصلاة والأعياد الدينية أو الملابس التقليدية. لا شكّ في أنَّ الحرية الدينية لها أيضًا حدود، لكن لا يجوز أن يتم تحديد هذه الحدود حسب نسبة الأكثرية.

يتحدّث الكثير من المسلمين وغير المسلمين عن "التعاليم الإسلامية"، بيد أنَّهم يقصدون بذلك "الثقافة الإسلامية". كيف يتعامل القانون الألماني مع العادات والتقاليد الثقافية؟

روهه: لا تتمتّع العادات والتقاليد الثقافية بالحماية التي تتمتّع بها الحرية الدينية، بل بالحماية المحدودة جدًا الخاصة بحرية تطوير القدرات الشخصية حسب المادة الثانية من القانون الأساسي. وبالمناسبة يوجد في هذا الصدد مجال عمل واسع بالنسبة للمسلمين في ألمانيا: إذ إنَّ بعض الأمور التي يتم فهمها على أنَّها إسلامية وتثير استياء البعض، تعتبر في أصلها عادات وقناعات ثقافية. وخير دليل على ذلك مفهوم الشرف الشكلي الذي يتم توظيفه بشكل مفرط وغريب من قبل البعض في المجتمعات الأبوية، والذي يتحوّل مرارًا وتكرارًا إلى دافع لاقتراف جرائم بشعة.

ما الذي يجب على المسلمين فعله لكي يساعدوا في إتاحة المجال لمراعاة تعاليم قيم دينهم داخل دولة القانون العلمانية المعاصرة؟

روهه: لقد حان الوقت بالنسبة لمجموعة من السكان تعيش هنا بصورة دائمة وأصبحت كذلك جزءا من مجتمعنا من أجل تكوين أسس دينية وإيجاد تفسيرات تتلاءم مع الإطار الذي لا يمكن الاستغناء عنه والذي تحدّده دولة القانون العلمانية الديموقراطية. أما الوسيلة الضرورية من أجل ذلك فهي موجودة وما على المرء إلاَّ استخدامها. فالكثير من المواطنين هنا لا يخافون من "الإسلام"، بل من جوانبه المتطرّفة المظلمة التي تنعكس في الكثير من الاعتداءات والدعايات التي ترمي لنشر الحقد والعداء. في الحقيقة يجب التنويه دائمًا إلى أنَّ هذا الأمر يتعلَّق بأقلية صغيرة من المسلمين، الذين تتم إدانة أعمالهم وأفكارهم بشدة من قبل أغلبية المسلمين. وبالإضافة إلى ذلك لا يجوز لنا أن نحمِّل المسلمين هنا ذنبًا جماعيًا عن الظواهر المحزنة مثل اضطهاد المسيحيين وأتباع الديانات الأخرى في الكثير من أرجاء العالم الإسلامي. وفضلا عن ذلك لا يمكن النجاح في تكوين تفسيرات إسلامية بديلة إلاَّ عندما يتم أيضًا توفير الشروط المؤسساتية المناسبة لذلك، مثل تنظيم الدروس الدينية الإسلامية وبناء المدارس والمعاهد المناسبة من أجل تخريج معلمي مادة التربية الإسلامية والأئمة. سوف يكلّفنا هذا الأمر بذل الكثير من المال والنشاط، لكنَّه ضروري ولا خيار آخر عنه.

أجرى الحوار لؤي المدهون

ترجمة: رائد الباش

حقوق الطبع: قنطرة 2008

الأستاذ الدكتور ماتياس روهه، خبير مختص بالقانون والعلوم الإسلامية، يعمل في كلية الحقوق في جامعة إرلانغن نورنبرغ أستاذًا لمادة القانون المدني والقانون الدولي والقانون الخاص المقارن. ويشغل كذلك منذ عام 2001 رئاسة "جمعية دراسات الشريعة الإسلامية وقوانين البلاد العربية"، التي تركّز أبحاثها على الإسلام في أوروبا والتطوّرات في الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى الإسلام وسيادة القانون.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.